الطاهر إبراهيمأسلحة الميدان الثقيلة من دبابات و مدفعية ميدان وحاملات جند مصفحة وراجمات صواريخ، بقيت صامتة على مدارأربعة عقود في مواجهة إسرائيل العدو الرئيسي في الجولان المحتلة. كأنما أراد الرئيس بشار أسد أن يجدد نشاط هذه الأسلحة فوجه فوهات ‘سبطاناتها’ في هجمة شرسة تشنها القوات المدرعة بقيادة ‘ماهر أسد’ تجاه مواطنين سوريين عزّل في رمضان في مدن سورية عدة أهمها حماة ودير الزور وقرى جبل الزاوية والبوكمال. هذا الفعل الذي لا يوصف بأقل من الخيانة العظمى، لأنه يخلي الحدود من القوات المرابطة فيه ليؤكد بجلاء كأن الرئيس بشار أسد فقد توازنه، وأن حكمه بدأ يترنح وماعاد يعرف كيف يتصرف تجاه الشباب السوري الذين يصعّدون تظاهراتهم في كل يوم جمعة، تزداد أعدادهم ولا تنقص، ويبتكرون التكتيكات التي تؤمن لهم سهولة الكر والفر والانتقال من حي إلى حي عند مهاجمة أجهزة الأمن للمتظاهرين.
الممارسة الوحشية التي دأبت عليها القوات التي يقودها ‘ماهر أسد’ برضى كامل من الرئيـــس ‘بشار أسد’ سوف تضاف إلى ماض إجــــرامي عريق صبغ فترة الرئيس ‘حافــــظ أسد’ في عقدي الثــــمانينات والتسعينات من القرن الماضي، حيث سجل على ذمة ‘حافظ أسد’ قرابة ستين ألف شهــــيد وأكـــثر من خمسين ألف معتقل ومئـــات الآلاف من المهجرين القسريين السوريين، هربوا خوفا من القـــتل والاعتقال. ‘حافظ أسد’ لقي ربه، ولن نتكلم عما ينتظره عند أحكم الحاكمين حتى لا نتألى على الله. لكن وريثه ‘بشار أسد’ سوف يدفع فواتير عهد أبيه كاملة، لأن ‘الغنم بالغرم’. ورث حكم سورية عن أبيه فكان حقا عليه أن يسدد حساب الأب كاملا، أما كيف؟ مرة أخرى لا أعرف. وكل ما أعرفه أن الشعب السوري تواق لكي يقتص ممن حرمه وظلمه وسوّد عيشه وأفقره، وكان هذا الشعب قبل حكم حافظ أسد يعيش في بحبوحة من الأمن والعيش الرغيد.
لقد أخطأ حافظ أسد عندما أمضى حياته يمهد طريق الحكم لورثته، حتى رأينا مجلس الشعب الذي اختار حافظ أسد أعضاءه بنفسه يبصمون للرئيس الوريث بعد أن تم تعديل سن الرئيس في الدستور يوم 10 حزيران من عام 2000، ثم لينتخبوه بالإجماع أيضا رئيسا للجمهورية بعد أبيه، ثم ليصبح قائدا للجيش وحاكما مطلقا لكل سورية.
لكن ما نسيه حافظ أسد أن ‘الله يمهل ولا يهمل’، وأن الشعب يصبر لكنه لا يغفر لمن أهدر كرامته واستبد بمقدراته. وأن الله سيأتي البنيان الذي بنوه ريبة من القواعد لتعود للسوريين حريتهم وكرامتهم.
لا نزعم أن حافظ أسد كان سيتصرف بصورة أفضل مما فعل وريثه عندما حشد الدبابات والمدفعية واقتحم حماة وجسر الشغور وهو يستعد الآن كي يقتحم مدينة دير الزور، لأن حافظ أسد طاغية لا يقبل أن يلوى ذراعه، ومدينة حماة شاهدة على ما فعل في مساجدها عندما دمرها وقتل أكثر من ثلاثين ألفا من سكان المدينة عام 1982. قد يستفظع البعض وصف ما فعله الرئيس بشار أسد باقتحام المدن السورية بأسلحة ثقيلة، بأنه خيانة عظمى. في كل شرائع الدول وفي تعليمات الجيش السوري أن أي جندي يخلي موقعه في مواجهة العدو أو يهرب من المعركة يحاكم بتهمة الخيانة العظمى. فكيف إذا استدار هذا الجندي بسلاحه نحو زملائه؟ لا شك أن التهمة ستكون أشد. فما بالكم إذا كان الجندي هو الرئيس نفسه الذي أقسم على حماية الوطن من أي عدوان أجنبي، فإذا به يفرط بهذا القسم، بل يدفع بالجنود الذين أقسموا على أن يحموا الوطن من العدو، فإذا هم يرغمون على قتل أهلهم وذويهم؟
لا شك أن الشعب السوري كان يتهيب القيام بالثورة على النظام بسبب القمع والتنكيل اللذين كانت أجهزة الأمن السورية تمارسهما مع المواطنين لأقل شبهة. وحتى يوم بدأ الشباب الثائر ثورته، كان شيء من الخوف والرهبة يعمر أفئدة هؤلاء الشباب، حتى كنا نسمعهم يشجعون بعضهم بالهتاف: ‘ليش خائفين.. ليش خائفين’. ويوم أن مارست أجهزة النظام القتل في درعا وأخواتها، وصبغ الدم شوارع البلدات السورية تجرأ هذا الشباب أكثر، حتى كان الواحد يخرج من بين أهله وكأنه ذاهب إلى حضور مباراة كرة قدم، لا يشعر بأي خوف.
ما ينبغي أن يعرفه العالم كله، أن الشباب السوري ما عاد يرضى بأقل من محاكمة رموز النظام بتهمة الخيانة العظمى والقصاص للذين قتلوا بالرصاص الذي دفعوا ثمنه. ولا يستطيع أحد أن يقول: ‘عفا الله عما مضى’ إلا أولياء الدم أي أهل المقتولين.’ كاتب سوري