هل حقا هناك فرصة للسلام في الصومال؟
عبد الواحد عبد الله شافعيهل حقا هناك فرصة للسلام في الصومال؟بعد الغزو الاثيوبي للصومال واحتلال اراضيه متذرعة بالدفاع عن نفسها ضد تهديدات المحاكم الاسلامية وما تلي ذلك من قصف امريكي عشوائي للمناطق الجنوبية بادعاء ملاحقة فلول مليشيات المحاكم ومن تؤويهم من الارهابيين متسببة في قتل مدنيين ابرياء رعاة ومواشيهم، بعد ذلك كله كنا ننتظر من المجتمع الدولي ان يتحمل مسؤولياته وتصدر الامم المتحدة قرارا يدين الاعتداء ويطالب بانهاء الاحتلال الاجنبي لبلد عضو فيه ولكننا فوجئنا بالمنظمة الدولية تبارك الاعتداء وتشيد بالمعتدي. في الثامن من هذا الشهر ذكر الامين العام للامم المتحدة بان كي مون في آخر تقريره عن الصومال لمجلس الامن بوجود فرصة ذهبية للسلام في الصومال الآن، وقبله سمعنا مبعوثه الخاص يبشرنا مرارا وتكرارا بهدية العمر التي لا تعوض. وفي آخر لقاء قمة الاتحاد الافريقي باديس ابابا في نهاية كانون الثاني (يناير) الماضي تحول الاجتماع الي احتفال افريقي للنصر الاثيوبي وتلقي مليس زيناوي القبلات والتهاني من الجميع واشاد المتحدثون في جلسات القمة بزيناوي ودور قواته في احلال الامن والسلام في ربوع الصومال. ولم ينس الرئيس المصري حسني مبارك ان يدلي بدلوه وأبدي تفاهمه مع الغزو الاثيوبي للصومال في لقاء مع وزير الخارجية الاثيوبي. اما جامعتنا العربية فلم تنبس بنت شفة وكأن شيئا لم يحدث والسكوت ابلغ من الكلام كما ان المجاز ابلغ من الحقيقة في البلاغة العربية.هذه النظرة التفاؤلية للاوضاع في الصومال بعد الغزو الاثيو ـ امريكي من جانب الدول والمنظمات الاقليمية والدولية توازيها رؤية اخري تشاؤمية يبديها جل المعلقين والمفكرين والكتاب في المعضلة الصومالية. وتؤكد التقارير الاخبارية خطورة الوضع في البلاد وانفلات امني تسبب في قتل وجرح المئات من المدنيين وهروب الآلاف منهم من العاصمة مقديشو جراء القصف العشوائي المتبادل بين القوات الغازية ومسلحين وصفوا بالمجهولين وان كانت اهدافهم غير مجهولة.اذا، واذا كان الامر كذلك والاوضاع في الصومال علي ما اشرنا اليه من الخطورة والتردي فلم هذا الاصرار من قبل المجتمع الدولي علي تحسن الاوضاع في الصومال وان الاحتلال قد خلق مناخا مناسبا لاعادة الامن والاستقرار الي البلاد مع ان جميع الدلائل والاحداث في ارض الواقع تشير عكس ذلك تماما؟ يبدو ان العالم قد وقع ضحية للدعاية الامريكية التي قصد منها تضليل الراي العام العالمي عن الحقائق ومن باب ذر الرماد في العيون لتغطية الاعتداء الاثيو ـ امريكي علي الصومال واحتلال اراضيه.في السادس من شهر شباط (فبراير) الماضي مثلت مساعدة وزيرة الخارجية الامريكية للشؤون الافريقية جنداي فرايزر امام لجنة فرعية للعلاقات الخارجية للكونغرس للادلاء بشهادتها حول تطورات الوضع في الصومال وقالت بشهادة زور واضحة: للمرة الاولي ومنذ ستة عشر عاما هناك فرصة للصوماليين لاعمار بلدهم ولدينا فرصة حقيقية لمساعدتهم علي تشكيل حكومة قوية تستوعب جميع اطياف المجتمع المختلفة . اي فرصة حقيقية يتحدثون عنها! السيدة فرايزر تدرك جيدا ان الثورة الشعبية بقيادة المحاكم الاسلامية وليس قوات الاحتلال هي التي نجحت في اعادة الامن والاستقرار الي ربوع البلاد، ولاول مرة منذ ستة عشر عاما احيت الآمال في نفوس الشعب وضخت روحا وطنية جديدة في شرايين المواطنين وبدأت الحياة تعود تدريجيا وتنفس الناس الصعداء بازاحة قطاع الطرق عن صدورهم، الا ان تلك التطورات الايجابية لم ترق للبعض ورأوا فيها خطرا يهدد امنهم ومصالحهم الوطنية وقرروا وأد هذه الثورة في مهدها ومعها دفن آمال شعب باكمله تحت دبابات قوات الاحتلال. القاموس السياسي الامريكي اصبح غريبا غرابة تصرفاته وسلوكه بعد الحادي عشر من ايلول (سبتمبر) الاسود اذ اختلطت عليه المفاهيم ويخبط خبط عشواء ويسمي الاسماء بغير مسمياتها لحاجة في نفس يعقوب. ووفقا لهذا القاموس الجديد يعتبر الاحتلال فرصة تاريخية لاعمار البلاد والقوي الوطنية اسلامية كانت او قومية ما هي الا جماعات ارهابية يجب استئصالها قبل ان يستفحل امرها. اما زعماء ومجرمو الحرب فهم ليسوا الا رجال سلام يجب مساندتهم بالمال والسلاح لمحاربة قوي الشر والطغيان، ويتحول توزيع القصف العشوائي علي الاحياء السكنية بعد منتصف الليل وترويع الاطفال وامهاتهم الي دفاع عن النفس، والفتنة الطائفية ما هي الا ديمقراطية يحسد عليها من دول الجوار. وهكذا يعمل المنطق المقلوب في قلب الحقائق وهذا سلوك دجالي نسبة الي الدجال الذي سيظهر آخر الزمان وذكرت الروايات انه في احدي يديه ماء والاخري نار فماؤه نار تحرق وناره ماء بارد. والادهي انهم لا يكتفون بذلك بل يطالبوننا بالتسليم والتصديق مما يذكرنا بقول الشاعر: اذا قالت حذام فصدقوها فان القول ما قالت حذامفحذام امرأة عرفت بقوة البصيرة وصدق الفراسة والقول السديد حتي ضرب بها المثل في ذلك، اما حذام امريكا فيصدق الناس في كل ما تقوله ليس لقوة بصيرتها بل بعضلاتها وقوة ترسانتها الفتاكة يتحالف معها الناس لا حبا لها بل اتقاء لشرها. الصومال انزلق الي منزلق خطير وهوة سحيقة لا يعلم مداها الا هو. فالحكومة الانتقالية المدعومة من الجيش الاثيوبي فشلت في ملء الفراغ الامني والسياسي الذي تركته المحاكم الاسلامية في العاصمة ولم تنجح في كسب ثقة الشعب بل هي معزولة تماما ويعمل مسؤولوها بمكاتب في فنادق خاصة. واذا كان هناك اي امل يرجي لانتشال البلاد من الهاوية التي انجرفت اليها فعلي المجتمع الدولي ان يتحمل مسؤولياته ويوقف سياسة التضليل والتمويه ويسمي الاشياء باسمائها ويقوم باتخاذ خطوتين ضروريتين:اولا: يدين الاحتلال ويطالب بانهائه فالاحتلال ليس الا هدر للكرامة الانسانية مهما تدثر بعباءه نشر الديمقراطية او الدفاع عن النفس ولم يكن في يوم من الايام اداة لدعم الاستقرار والسلام في البلد المحتل. واستباحة القوات الاثيوبية للاراضي الصومالية لا تشذ عن هذه القاعدة، فلا ندري لماذا يحاول المجتمع الدولي تجميل وتلميع صورته باعتباره قوات للسلام خلقت فرصة ذهبية فريدة لانهاء الازمة المستعصية للبلاد.ثانيا: بعد انهاء الاحتلال وليس قبله يضغط المجتمع الدولي علي الحكومة لعقد مؤتمر مصالحة وطنية موسع تشارك فيه جميع القوي الوطنية السياسية الفاعلة في المجتمع ولا بد من وقف اي محاولة لترقيع الحكومة الحالية فقد اتسع الخرق علي الراقع ولا يصلح العطار ما افسده الدهر. وعلي العالم ان لا يغتر بمؤتمر المصالحة الذي دعت اليه الحكومة فهو ليس الا محاولة صورية القصد منها التلبيس علي الدول والهيئات المانحة للقبض علي المساعدات المالية؛ اذ ان هذا المؤتمر قد افرغ من كل مضمون سياسي بقصر المشاركة فيه علي زعماء وشيوخ العشائر واقصاء الخصوم السياسيين للحكومة. وهنا يستحق الاشادة والتنويه موقف قوات حفظ السلام الاوغندية التابعة للاتحاد الافريقي التي دعا الناطق باسمها مسؤولي المحاكم للعودة الي البلاد والمشاركة في العملية السياسية. هذا موقف ايجابي عاقل يعزز مصداقية الدول الافريقية التي تتهمها المعارضة السياسية بالانحياز للحكومة وفي الوقت نفسه يعتبر رسالة قوية موجهة الي الحكومة لتغيير مواقفها المتصلبة تجاه افساح المجال للفرقاء السياسيين. وفي هذا الصدد ايضا يعتبر البيان الذي اصدره مجلس الامن الدولي في الرابع عشر من شهر آذار (مارس) الحالي وابدي قلقا عميقا تجاه تردي الاوضاع في الصومال ودعا فيه جميع الاطراف بالبدء باوسع عملية سياسية ممكنة ، يعتبر ـ وان جاء متأخرا ـ تطورا مهما ملحوظا وخطوة اولي في الاتجاه الصحيح.وباتخاذ هاتين الخطوتين يكون المجتمع الدولي قد خلق فرصة حقيقية للسلام بدل الفرصة الوهمية التي يتحدث عنها الآن للتنصل من مسؤولياته الاخلاقية والقانونية.ہ كاتب صومالي [email protected]