حققت ثورات الربيع العربي عند وأثناء انطلاقها صورة مشرفة لترابط أطياف ومكونات الشعب العربي وأديانه ومذاهبه وأفكاره السياسية والمجتمعية. حيث تلاصقت المناكب بين مسيحي ومسلم وبين علماني وسلفي وبين شيوعي وإخوان. هذا لا ينكر على أحد مما ذكر. ولكن ما نراه اليوم هو النموذج المعاكس تماما لما كان بل تطور الأمر إلى أكثر من خلاف سياسي إلى تناحر مسلح في بعض الأحيان. من هنا سنقف عند الأسباب الرئيسية التي أوصلت أخوة الأمس إلى الإخوة الأعداء:1- الأهداف: إن الهدف الذي التقى عليه ثوار الأمس كان كبيرا جدا ذا أفق واسع يتسع إلى كل الرؤى الموجودة داخل عقيدة الأحزاب والقـــوى الوطنية والمواطن العادي الذي لا يمتلك رؤية ســـياسية. فكان لهم تحقيق القاسم المشتــرك الأعظم ألا وهو إسقاط النظام. ثم بعد تحقيق الهدف انتهت الشراكة وليتفتت الهدف الأعظم إلى صغيرة هنا وهناك. مما جعل أخوة الأمس يكتشفون أن الطرق والرؤى بينهم متباعدة وهي كذلك في الأصل، ولكنهم اعتقدوا انه انقلاب بين الإخوة وعليهم.2- ان الثورات العربية او كما تسمى ثورات الربيع العربي هي، ليست ثورات بل انتفاضات شعبية بقوة 20 درجة على مقياس رختر (الرقم مجازي) ارتقت إلى قوة ثورة، والثورات عادة يكون لها قيادة وأهداف وبرنامج، بينما الانتفاضة تكون عفوية ولا تمتلك تلك المقومات. وهنا مربط الفرس فقد ضاعت الصفة ما بين انتفاضة بقوة ثورة وثورة جماعية بدون قيادة.3- الحالة التنظيمية: بعد انتهاء وانقضاء الهدف الرئيس للثورة او الانتفاضة كان لا بد لمن هو منظم ان يحصل على مكتسبات تنفيذية وتشريعية، ولكن الذين لم يكن لهم هيكل تنظيمي فقد ضاعوا ولم يحصلوا على شيء وبذلك اعتبرت بالنسبة للقوى التي تمتلك تنظيما سرقة وإقصاء.4- العامل النفسي: اعتقد الكثير ممن ساهموا بتحقيق الهدف الأعظم ولم يحصلوا على مواقع سياسية وحكومية بأنهم فوق القانون والمسألة لأنهم أطاحوا بنظام ووجب لهم التحصين الكامل وانهم قادرين على اسقاط أي نظام بنفس الطريقة بينما شركاؤهم أصبحوا بالخندق المقابل وهو النظام.5- المبالغة في التقديرات: اعتقد البعض ان الحالة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية بعد الثورات يجب ان تتغير بشكل سريع وملموس ولم يدركوا أن التغيير يكون بالتدريج ويحتاج إلى سنوات مما اعتبرها البعض إحباطا وإهدارا لما أنجز من أهداف.6- صدمة النجاح: لم يظن الذين قاموا بالثورة أنهم سيحققون الهدف الأعظم وهو إسقاط النظام بل ذلك الهدف ظهر بالتتابع بعد المطالبة بأهداف صغيرة وصولا إلى الهدف الأعظم. مما افقد الأحزاب والقوى الوطنية والأفراد رؤيتهم للغد وماذا يريدون؟ وهذا ما جعل المطالبات الفئوية تظهر بقوة في محاولة لإسقاط شيء ما ضمن النظام.7- تقسيم المجتمع إلى فريقين: بغياب التوثيق والقادة قسم المجتمع إلى فريق ثوار وفريق نظام سابق بدون محددات مما سمح للذين لم يؤمنوا بتلك الثورات وبعد نجاحها إلى التقدم للصفوف الأولى للتنظير للثورة، ولان خطر الكلام ليس كخطر الرصاص والمواجهة مما خلط الحابل بالنابل، وأصبحت العداوة جزءا أصيلا من ثقافة الناس مع العلم ان الذين تسلقوا تلك الثورات هم الأشد عداوة لما يسمى النظام السابق حتى يبعدوا الشكوك من حولهم’.8- الفوضى والديمقراطية: مشكلة الشعب العربي انه لا يميز بين الفوضى والديمقراطية ويعتقد ان الفوضى جزء أصيل من الديمقراطية، كذلك السب والقذف والصوت العالي ولا ألوم احدا لان الديمقراطية رياضة يجب ان تمارس لفترات طويلة للحصول على جسم ديمقراطي سليم.نضال جرابqmn