د. فوزي ناجي كنت في زيارة للضفة الغربية في الأسبوعين الماضيين. وقد رأيت مظاهر التحضير لزيارة اوباما لرام الله التي اعاقت حركة السير في الكثير من الطرقات. وشاهدت عدداً من الطائرات المروحية التي شاركت في التحضيرات الأمنــية لهذه الزيارة. لكنني لم اشاهد مظاهر الفرحة بها عند افراد الشعب الفلسطيني، بل العكس هو الصحيح حيث قامت المظاهرات إحتجاجاً على هذه الزيارة. وكان جواب معظم من إلتقيتهم بأن زيارة ‘ابو حسين’ باراك حسين اوباما للسياحة فقط وهو لن يحمل معه أية مبادرة سياسية ولن يضغط على اسرائيل لتنسحب من الأراضي الفلسطينية المحتلة.لا اعتقد ان رئيس أقوى دولة في العالم يأتي الى منطقة الشرق الأوسط في هذا الوقت بالذات من اجل السياحة والتمتع بشمسها الدافئة وزيارة الأماكن المقدسة والتاريخية بها فقط. إذ لا بد من وجود أجندة يُراد لها ان تكون خفية، كما يُراد ان يكون سقف التوقعات لنتائجها المعلنة منخفض.ماذا يريد الفلسطينيون والأسرائيليون والغرب بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية من هذه الزيارة؟يطمح الفلسطينيون الى انهاء الاحتلال الاسرائيلي وإقامة دولتهم المستقلة وعاصمتها القدس الشريف، وايجاد حل عادل يضمن حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة الى مدنهم وقراهم التي هجروا منها. وذلك ليتمكنوا من العيش الحر الكريم كباقي شعوب الأرض. يعتقد الفلسطينيون بأن قضيتهم لا تقع حالياً على سلم أولويات السياسة الأمريكية، ولذلك لا يعولون على زيارة الرئيس الأمريكي الحديثة لهم ولا يتوقعون منها شيئاً قيماً. في خطابه في رام الله أكد الرئيس الأمريكي على ما يلي:تأييده لحل الدولتين من اجل إنهاء الصراع الاسرائيلي العربي.الدفع قدماً في طريق المفاوضات بين الطرفين الاسرائيلي والفلسطيني.التقارير التي قدمت من الرئيس الفلسطيني الى اوباما حول المستوطنات الاسرائيلية وخطورتها على حل الدولتين، وكذلك التقرير المتعلق بآلاف الأسرى الفلسطينيين في السجون الاسرائيلية والذي يناضل كافة افراد الشعب الفلسطيني من اجل إطلاق سراحهم فقد تم الأخذ بالعلــــم بها ولكنها ليست من المواضيع التي تقلق الرئيس الأمريكي وليست على اولويات أجندة زيارته.معظم الاسرائيليين كانوا غير راغبين أيضاً بهذه الزيارة وكانوا يتوقعون ضغوطاً من اوباما لتغيير سياساتهم. لكن البعض الآخر منهم كان يرغب بهذه الضغوط لحمل اسرائيل على ترك سياساتها التي جعلتها معزولة دولياً. وكذلك اليهود الأمريكيون، حيث وصف باول كروجمان، الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد، حسب ما نشر في صحيفة هآرتس الاسرائيلية بتاريخ 25.4.2012، سياسة حكومة نتنياهو بأنها سياسة انتحار وطني.العلاقة الشخصية بين اوباما ونتنياهو غير حميمة والجميع يعلم ذلك، ولكن العلاقات الدولية تبنى على المصالح ولا تتأثر سلباً او ايجاباً بالعلاقات الشخصية. من خطاب اوباما في اسرائيل يتضح ما يلي:ـ تأييد اوباما للطابع اليهودي لدولة اسرائيل.ـ نبه اوباما من الخطر الديمغرافي القادم والذي حذر منه العديد من العلماء الاسرائيليين منذ سنين طويلة ومنهم استاذ الجغرافيا الدكتور ارنون سوفر. كما حذر من ذلك ايضاً اليهود الأمريكيين ومنهم توماس فريدمان في مقالاته في صحيفة نيويورك تايمز. تأكيد التحالف الاستراتيجي بين اسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية.تركيز اوباما على جيل الشباب في اسرائيل من اجل إنقاذ اسرائيل من مغبة السياسة الحمقاء التي تتبعها الحكومة الحالية ومن اجل الانتخابات القادمة، حيث يعتقد الكثيرون داخل اسرائيل وخارجها بأن هذه الحكومة لن تعمر طويلا.إعتبر الأردن، حسب تصريح مسؤوليه، زيارة اوباما زيارة تاريخية وتصب في مصلحة الاردن. من تصريحات اوباما في العاصمة الاردنية عمان يتضح ما يلي:1-الدعم الامريكي للاصلاحات السياسية والاقتصادية التي يقوم بها العاهل الاردني عبدالله الثاني.2- رغبة الولايات المتحدة الامريكية في تطوير العلاقات الاردنية الامريكية.3ـ الدعم الاقتصادي الامريكي للاردن من اجل تحمل اعبائه الناجمة عن إستضافة حوالي مليون لاجئ سوري على اراضيه.من المنظور الأمريكي تعتبر زيارة اوباما ناجحة لأنها حققت التالي:1 ـ أنهت الأزمة الاسرائيلية التركية التي نشبت بين الدولتين القويتين والحليفتين لأمريكا في الشرق الأوسط، والتي نشبت بعد مقتل تسعة مواطنين أتراك من قبل الجنود الاسرائيليين على متن السفينة التركية مرمرة في شهر ايار من عام 2010، عندما حاولت نقل مواد إنسانية لكسر الحصار الاسرائيلي المفروض على قطاع غزة.2 ـ أعادت الأمل في إحياء عملية السلام بين الاسرائيليين والفلسطينيين. على الرغم من أن جميع الأطراف تعلم مسبقاً بأن المفاوضات لن تصل الى اية نتيجة ايجابية في ظل الحكومة الاسرائيلية الحالية التي يشكل المستوطنون جزءاهاماً منها.3 ـ إيجاد عوامل مشتركة للتحالف بين اسرائيل وتركيا والولايات المتحدة الامريكية واهمها الأحداث الجارية في سورية وامكانية وصول اسلحة تقليدية وكيميائية لأيدي قوى إسلامية تعتبرها الأطراف الثلاثة متطرفة.4- الاعداد لتنفيذ الأجندة الخفية الامريكية والتي يختلف المحللون السياسيون بشأنها بالتخطيط لضرب سورية وبالتالي ايران او بابعاد شبح الحرب بتهدئة نتنياهو في الوقت الحالي حتى قيام انتخابات برلمانية جديدة في اسرائيل يتوقع منها فشل اليمين الاسرائيلي في المحافظة على السلطة.يعتبر الفلسطينيون هذه الزيارة فاشلة لأنها لم تقدم أي شيء جديد لهم يحسن من اوضاعهم السياسية والاقتصادية ويعيد الأسرى الفلسطينيين الى ذويهم ويبعد شبح الموت للمضربين عن الطعام منهم منذ فترة طويلة.ان الانقسام الفلسطيني والتشرذم العربي يجعل من الدول العربية صفراً على الشمال على خارطة السياسية الدولية في الوقت الحالي، ولكنني آمل بان الشباب العربي، الذي حمل راية التغيير من اجل غد أفضل، سيغير من هذه المعادلة السياسية لصالح الشعوب العربية في المدى المنظور. ‘ اكاديمي فلسطيني مقيم في المانياqmdqpt