هل دخل الوضع اللبناني في الجدار؟

حجم الخط
0

الياس خوري

نستخدم في العامية عبارة دخل في الحائط، كي نصف شخصا اساء تقدير الأمور فاندفع الي اتخاذ موقف خاطئ يضعه في مأزق من الصعب الخروج منه.

من الواضح ان لبنان اليوم دخل في الحائط، وان الأزمة التي بدأت بشعار الثلث المعطّل او الضامن الذي اطلقه حزب الله، تحولت ازمة سياسية كبري، وفتحت احتمالات الهاوية. اذا اردنا ان نفهم هذا الحائط وكيفية تشكله، يجب ان نتوقف عند ثلاث محطات:

المحطة الأولي هي تحول المقاومة الاسلامية في لبنان طرفا في السلطة بعد خروج الجيش السوري. في زمن الوصاية دخل حزب الله الي البرلمان اللبناني، لكنه لم يشترك في اي من الحكومات المتعاقبة. كان مجرد مراقب سياسي داخلي، انحصر همه في تأكيد حقه في العمل العسكري الذي كان يقف علي ارضية صلبة هي تحالفه الوثيق مع النظام السوري. وكان الحلف السوري مع حزب الله يستند الي التحالف الثابت بين النظامين السوري والايراني. وحتي بعد تحرير الجنوب عام 2000، والجدل الذي اثير من حول سلاح المقاومة، بقي حزب الله خارج السلطة، مقدما نفسه كطرف مترفع عن السياسات اللبنانية الصغيرة. ولم يتغير الوضع الا مع تشكيل الحكومة الانتقالية، بعد الانسحاب السوري، التي اعدت لانتخابات العام 2005 البرلمانية.

المحطة الثانية، هي الالتباس الذي حصل بعد العدوان الاسرائيلي في تموز 2006. وافق حزب الله، رغم صموده الكبير علي ارسال الجيش اللبناني الي الحدود مع اسرائيل، وعلي انتشار قوات الأمم المتحدة المعززة علي الحدود. وعلي الرغم مما اتسم به هذا الموقف من الحكمة والتعقل، فانه كان يعني ان جبهة الحدود مع اسرائيل قد اقفلت في وجه العمل العسكري المقاوم. وهذا يطرح علي المستوي المنطقي جدوي بقاء قوات المقاومة خارج الجيش اللبناني.

المحطة الثالثة، هي النزول الي الشارع من اجل فرض الثلث المعطل في الحكومة. وهنا استخدم حزب الله كل رصيده المقاوم، وقلب لغته السياسية رأسا علي عقب، وتنكر لمشاركة وزرائه في صوغ النقاط السبع، وفي الموافقة علي كل قرارات حكومة السنيورة، من اجل ان يحدث انقلابا سياسيا، يصبح من خلاله القوة المهيمنة علي السلطة اللبنانية.

لا شك ان هناك مجموعة من العوامل الضاغطة التي قادت حزب الله الي اتخاذ موقفه المتسرّع هذا. من المرجح ان يكون ضغط النظام السوري من اجل منع اقرار المحكمة الدولية قد لعب دورا في التوقيت، كما ان التوتر في المنطقة، وشعور ايران بأنها تكاد تفقد نقطة تماسها العسكري مع اسرائيل في الجنوب اللبناني، قد يكون ايضا عاملا مسرعا. غير ان المسألة التي قادت حزب المقاومة الي قراره، تكمن في المأزق الذي وجد فيه نفسه بعد حرب تموز. اقفال الحدود بالجيش والقوة الدولية يعني ان وجود سلاح المقاومة مستقلا عن القوي المسلحة الشرعية صار موضوع تساؤل داخلي جدي، ناهيك عن كونه موضع رفض دولي. وهذا قد يعرض المشروع الأصولي للخطر. لذا قام حزب الله بمناورة استباقية متكئا علي تحالفه مع الجنرال عون، الذي شعر بالخيانة لأن قوي الرابع عشر من آذار رفضت مشروعه الرئاسي، واعلن النزول الي الشارع، في اطار مشروعه للتحول الي القوة المهيمنة علي السلطة، وبذا يحافظ علي سلاحه، ويبقي في اطار المشروع الاقليمي الذي نشأ في ظلاله.

غير ان مشروع الاستيلاء علي السلطة انطلاقا من ساحة رياض الصلح في وسط العاصمة بيروت اصطدم بثلاث حقائق:

اولا: كان في تقدير قيادة المقاومة، ان الهالة التي اكتسبتها عن حق، في لبنان والعالمين العربي والاسلامي، كفيلة بدفع حكومة الرئيس فؤاد السنيورة الي الانهيار لحظة اتخاذ قرار التظاهر. لقد فوجئت قيادة حزب الله بأن الانهيار لم يحصل، بل ان النزول الي الشارع احدث ردات فعل، طرحت سؤالا كبيرا حول جدوي المشروع برمته.

ثانيا: حدثت ردة فعل سنية لا سابق لها في لبنان. من الشمال الي البقاع الي الجنوب الي بيروت الي الجبل. وهنا كانت المفاجأة. اذ بدلا من ان تكون المواجهة، بحسب اللغة التبسيطية اللبنانية، بين حكومة فيلتمان والمقاومة، برز ما يشبه المشهد العراقي المرعب، وطفت علي السطح لغة حرب مذهبية لا طاقة لأحد، وخصوصا لحزب الله بتحمل نتائجها.

ثالثا: لم يستطع الجنرال عون حشد ابناء طائفته في المعركة، بل ان موقف الكنيسة المارونية الرافض للتظاهر، وبرود القاعدة العونية، جعلا من مشهد ساحة رياض الصلح طائفيا بامتياز.

هنا برز المأزق الكبير، الذي لا حل له. لا داعي لأن لا نصدق السيد حسن نصرالله بأنه ضد الحرب المذهبية، اذ من المؤكد انه ضد حرب سوف تدمر لبنان ومؤسساته، وعلي رأسها مؤسسة حزب الله، ولكن الأمور تذهب في اتجاه آخر، وقد تكون حفرة الحرب الأهلية هي الهاوية التي يقودنا اليها هذا المأزق. والمسألة ليست في النوايا بل في الوقائع، وفي استعداد الاطراف الاقليمية لتدمير لبنان من اجل خوض الحرب الايرانية العربية في ازقة بيروت، او من اجل ان يشفي النظام السوري غليله من المهانة اللبنانية.

التيار الاصولي يواجه اليوم مأزقه البنيوي الاكبر، وهو مأزق اكثر خطورة من المأزق العـــــراقي الذي لم يكن مسؤولا عنه، بل جاء نتيجة الغزو الامريكي الاحمق. اما في لبــــنان فلــــقد انهزم الغزاة الصهاينة في تموز، والمسؤولية عن الحـــرب المذهبية الطائفية لن تكون سوي مسؤولية اللبنانيين وفي مقدمهم حزب الله.

هل يقتنع الحزب بأنه لا يستطيع ان يحكم لبنان ويبدأ في البحث مع شركائه في الوطن عن كيـــفية تثمير مقاومة تموز من اجل بناء الدولة، ام ان الأوان قد فات، وعلي جميع الطوائف اللبنانية ان تمارس رقصة الموت قبل ان تكتشف انها كانت ضحية الوهم.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية