لقد رفعت القوى المعارضة لدستور 2012 وللجمعية التأسيسية في حينها عدة شعارات من قبيل ‘الدساتير لا تضعها الأغلبية المتغيرة، البرلمانات لا تكتب الدستور، الدستور يكتب بالتوافق، الدستور يجب أن يعبر عن ‘الجميع’ من دون إقصاء، ولم يحدث بأي دولة في العالم أن وضعت الأغلبية المؤقتة الدستور’. ومن أمثلة ذلك تصريحات أحمد سعيد رئيس حزب المصريين الأحرار، عقب انسحاب ممثلي الأحزاب المدنية من الجمعية التأسيسية، حيث اعترض من ضمن اعتراضات كثيرة على اللجوء إلى فكرة التصويت على الدستور، لأن من شأنها تقسيم مصر، وفق تصريحاته.. كما حذر سعيد من التداعيات الخطيرة في حالة كتابة دستور مصر بالتصويت وليس بالتوافق الوطني، مشيرا إلى أن هذه التداعيات الخطيرة تهدد فعلياً بتقسيم مصر وباحتكار السلطة وعودة الديكتاتورية، مؤكدا أن حزب المصريين الأحرار سوف’يواصل دوره الوطني، خلال مناقشات الدستور من خارج الجمعية مستهدفاً أن يكون دستور مصر لكل المصريين.
وهنا يبرز سؤالان: الأول حول مدى صحة هذه المقولات، باعتبارها الأساس الذي يتم البناء عليه عند تقييم أي دستور، والثاني هو مدى تحقق ذلك في دستور 2013 أو بمعنى آخر: هل يمكن القول بأن دستور 2013 توافقي أم لا؟
معنى التوافقية
يمكن القول بأن التوافق فكرة مثالية مبتغاة في عملية اتخاذ القرار، يمكن تحقيقه في بعض الأحيان ، بينما يصعب تحقيقه في آحايين كثيرة.. ويتم اللجوء إليه بديلا عن عملية التصويت حيث الأغلبية والأكثرية.. وبالتالي فهو ربما ترادف الإجماع الذي يعني التوافق بنسبة 100’، أو ربما تقل عنه في بعض الأحيان، بحيث تتراوح ما بين 80 90 ‘ .. وفي حالة عدم تحقيقه قد نكون أمام قاعدة الأغلبية سواء الأغلبية الخاصة مثل الثلثين، أو ثلاثة أرباع، أو الأغلبية البسيطة 50’ + 1 بحسب القواعد المنظمة لعملية التصويت.. وفكرة الاجماع أو التوافق يتم النص عليها في بعض المنظمات الدولية، وفي حالة تعذر تحقيقها يتم اللجوء الى قاعدة الأغلبية بحيث يتم اتخاذ القرارات.
والفكرة نفسها تنطبق على عملية الدستور بداية من عملية تشكيل الجمعية التأسيسية، أو في عملية التصويت على المسودة داخلها، لكن يلاحظ أن هذه الفكرة ربما تكون مثالية يصعب الوصول إليها، وكذلك الأمر في ما يتعلق بعملية صياغة النصوص، ربما كان الدستور أقرب للتعبير عن متطلبات الشعب بطوائفه المختلفة.. لكن الواقع قد لا يتمكن من تحقيق ذلك، لا سيما أن اللجنة أو الجمعية التأسيسية للدستور تتكون من عدد محدود يتراوح ما بين 50-200 على أقصى تقدير.. وبالتالي مهما تكن المعايير الموضوعة في عملية الاختيار فلن يتم تحقيق ذلك. على سبيل المثال لدينا في مصر أكثر من 60 حزبا، 26 نقابة، 12 جامعة، فضلا عن منظمات المجتمع المدني، والشخصيات الجامعة، علاوة على بعض الفئات الخاصة مثل الأقباط ، الشباب، المرأة .. هنا نكون أمام مجموعة من الاشكاليات. فعلى سبيل المثال هل سيتم تمثيل كل الأحزاب بغض النظر عن وزنهم النسبي في البرلمان، أم سيتم التمايز بينهم على اعتبار أن الحزب الفائز بالأغلبية يمثل نسبة أكبر من الشعب. وفي حالة ما إذا تم التعامل مع جميع الأحزاب على قدم المساواة، وبفرض تخصيص مقعد لكل حزب.. معنى ذلك أننا بحاجة لستين مقعدا للأحزاب فقط.. أما اذا أردنا استبعاد بعض الأحزاب فما هي معايير الاستبعاد، ثم إذا كان البرلمان هو الذي يختار من بين ترشيح كل فئة، فكيف يتم الترشيح مثلا من قبل النقابة أو الجامعة؟ ربما يتم الأمر عبر التوافق أو الأغلبية، لذا فإنه مهما تم وضع معايير للاختيار، ستظل هناك فئات خارج التمثيل.. وستحتج هذه الفئات بأن التشكيل غير توافقي««’لذا لا غرابة في أن الذين انتقدوا تشكيل الجمعية التأسيسية لوضع دستور 2012، انتقدوا أيضا لجنة الخمسين، رغم أن معايير الاختيار كانت واحدة تقريبا، مع وجود فارق جوهري.. وهو أن عملية الاختيار في الجمعية التأسيسية كانت تتم من قبل أعضاء البرلمان، وبالتالي كانت أكثر ديمقراطية، في حين أن عملية الاختيار في الحالة الثانية كانت من قبل شخص واحد غير منتخب.. ومــــن ثم تم توجيه انتقاد للجمعية التأسيسية بأنها يغلب عليها التيـــــار الاسلامي، رغم أن التشكيل كان مناصفة بين الجانبين بواقع خمسين عضو لكل فريق.. ومع ذلك تم انسحاب بعض القـــــوى المدنية والكنيسة قبل عملية التصويت.. وفي المقابل تم توجيه نقد للجنة الخمسين من قبل القوى الاسلامية لأن نسبة تمثيل هؤلاء لم تتعد خمسة أفراد، ثلاثة من الأزهر، وعضو النور، والدكتور الهلباوي، أي ما نسبته 10′ ، في حين النسبة الباقية 90’، تم توزيعها على القوى المدنية العلمانية بفصائلها المختلفة اليسارية والقومية والليبرالية. كما تم توجيه انتقادات أخرى اليها من قبل بعض الأحزاب التي لم تتمكن من المشاركة، ونفس الأمر بالنسبة للمنظمات المعنية بالمرأة.
ومن ناحية أخرى فقد نصت الجمعية الأولى على أن يكون التصويت داخل الجمعية بالتوافق، وإلا بنسبة الثلثين +1 يعني 67′ ، وإن تعذر فبنسبة 57’، في حين نصت لائحة الخمسين على تمرير المسودة بنسبة 75′ . يعني أن الذين انتقدوا عدم التوافق في الجمعية الأولى، اتبعوا نفس النهج في الثانية مع اختلاف طفيف في النسبة.
أجواء وضع الدساتير
من الأفضل أن يتم وضع الدساتير في ظل أجواء توافقية تصالحية، لأن الدستور هو مرآة المجتمع .. فضلا عن تفضيل وجود حالة من التوافق بشأنه. لذا يقترح بعض فقهاء الدستور مجموعة من الآليات لتحقيق أكبر قدر من التوافق قبل تشكيل اللجنة أو من خلال عملها، من أبرزها ما يلي:
1 ـ بناء الثقة: بين الأطراف المختلفة من أجل توضيح دوافع كل طرف بشكل شفاف.
2 ـ القيم المبدئية: بمعنى الاتفاق المسبق على القيم الأساسية التي سيبنى عليها الدستور وهي التي يقبلها الجميع ويتفقون على وضعها في الدستور، تجربة جنوب أفريقيا بعد انتهاء الفصل العنصري كمثال يحتذي في هذا المجال، حيث تم الاتفاق المسبق على المبادئ الأساسية التي سيتم وضعها في الدستور، وقد وصل عددها إلى 34 مبدأ حتى قبل الشروع في المفاوضات حول كتابة نصوص الدستور، ثم تم إرسال المبادئ المتفق عليها إلى المحكمة الدستورية للبت فيها قبل كتابة الدستور. ومن التجارب الأخرى أيضاً تجربة كينيا حيث تطلب الوصول فيها إلى توافق بين الأطراف المختلفة فترة تراوحت بين 3 إلى 4 سنوات.
3 ـ تأجيل الخلاف: بمعنى استبعاد بعض المسائل الخلافية التي يمكن تأجيلها.
لكن السؤال هو ماذا إذا تعذر تحقيق هذا القدر من التوافقية، وفي المقابل ضرورة وضع الدستور.. هنا نكون أمام ضرورة حتمية، وبالتالي محاولة الجمع بين الحاجة إلى التوافقية، والحاجة إلى وجود دستور، لاسيما في ظل الحالات التي تعقب الثورات، حيث غالبا ما يتم تعطيل إو إبطال الدستور القائم.
وربما هذا ما يؤكد أهمية وضع دستور 2012 حتى في ظل حالة التباين السياسي الموجودة في حينها، علما بأن الأغلبية البرلمانية عملت’على محاولة استرضاء قوى الأقلية بقدر الإمكان، باعتراف بعض أعضاء هذه القوى، لكن من الواضح أنه كانت تمارس على هؤلاء ضغوط من المجلس العسكري الذي كان يرغب في وضع اعلان دستوري مكمل يعطيه مزيدا من الصلاحيات.. وهو ما حدث بالفعل.
في المقابل إذا نظرنا إلى الأجواء المصاحبة للجنة الخمسين، سنجد أنها أكثر صعوبة، ليس فقط بسبب حالة الانقسام السياسي الرهيب الذي شهدته البلاد بعد 30 يونيو، 3 يوليو، ولكن أيضا بسبب الدماء التي أريقت في احداث الحرس الجمهورية، رمسيس الأولى والثانية، فض اعتصامي رابعة والنهضة، التي لا تقارن بأحداث محمد محمود او الاتحادية، إذا حالة الانقسام وغياب التوافقية كانت أشد وأكبر في حالة دستور الخمسين مقارنة بدستور 2012 ، بل لم تكن هناك حاجة بالأساس لهذا الدستور المعدل في ظل وجود دستور تم الاستفتاء عليه بصورة شفافة لأول مرة.
إذا كان هناك تعذر في تحقيق التوافق قبل تشكيل الجمعية أو اللجنة التي ستضع مسودة الدستور بسبب الاعتبارات السياسية، فلا شك أن تحقيق هذا التوافق قبل عملية الاستفتاء قد يكون ضربا من المحال، لاسيما إذا كانت لدينا نصوص قانونية تحدد مواعيد الاستفتاء.. وهو ما اضطر الرئيس مرسي في حينها إلى إعلان موعد الاستفتاء بعد تسلم مسودة الدستور من المستشار الغرياني رئيس الجمعية التأسيسية إعمالا لنص المادة 60 من الإعلان الدستوري الصادر في 30 مارس 2011 التي تنص على ‘.. ويُعرض المشروع، خلال خمسة عشر يوماً من إعداده على الشعب لاستفتائه’، وبالتالي كان من الصعب الاستجابة لبعض الأصوات التي تطالبه بتأجيل الاستفتاء بسبب حالة الانقسام التي شهدتها البلاد بعد إصداره الاعلان الدستوري المكمل في 2 نوفمبر 2011 .. وبالتالي كان من الصعب التأجيل لأنه سيخالف اعلان مارس ، ومن ثم يمكن الطعن عليه، كما كان من الصعب أيضا اصداره اعلانا دستوريا جديدا لتعديل موعد الاستفتاء.
أما بالنسبة لمسودة دستور الخمسين، فرغم استمرار حالة الانقسام الكبيرة في البلاد بسبب المظاهرات اليومية، ووقوع ضحايا وشهداء بصورة شبه يوميه، إلا أن الرئيس المؤقت قام إعمالا للمادة 30 من الاعلان الدستوري الذي أصدره في 8 يوليو 2013 بالاعلان عن موعد الدستور في 14، 15 يناير. رغم أنه كان يمكن أن يؤجل عملية الاستفتاء عبر اصدار اعلان’دستوري في ظل الدعم الكبير لمؤسسات الدولة له، ناهيك عن أنه قام بمخالفة المادة 30 من إعلانه الدستوري التي تنص على ‘.. يعرض رئيس الجمهورية مشروع التعديلات الدستورية على الشعب لاستفتائه عليه خلال ثلاثين يوما من تاريخ وروده إليه’، وحيث أنه تسلم المسودة من عمرو موسى رئيس اللجنة يوم 3 ديسمبر، فكان يفترض أن يتم الاستفتاء قبل 3 يونيو، ولو أخذنا بتفسير جابر جاد نصار بشأن الشهر، وأن المقصود به 30 يوم عمل، إذا سنحذف ثمانية ايام اجازة ‘أربعة جمع ، اربعة أيام سبت’، وبالتالي يصبح أقصى موعد 11 يناير .. وهو الأمر الذي قد يجعل هذا الموعد مطعونا عليه لمخالفته الاعلان الدستوري الصادر عن نفس الشخص.
مما سبق يتضح أن فكرة التوافقية هي فكرة مثالية، يصعب تحقيقها ليس في دول العالم النامي فقط، ولكن دول العالم المتقدم أيضا دستور الجمهورية الرابعة في فرنسا 1946، تم’تمريره بنسبة 53’، في حين تم تمرير دستور الجمهورية الخامسة 1958 بنسبة 63’، وهي نفس نسبة التصويت على دستور 2012. وبالتالي فإن مزاعم المعارضة في حينها لم يكن لديها أي مبرر، لا سيما أنها عندما وصلت إلى لجنة الخمسين اتبعت نفس النهج تقريبا، علما بأن الظرف السياسي الراهن أسوأ بكثير من الظرف السياسي المصاحب لدستور 2013 .
وهنا قد يكون من المفيد أن نختم بتوصيف محمد حسنين هيكل لمسودة’دستور الخمسين وهل هو توافقي أم لا؟ حيث صرح خلال زيارته الأخيرة للبنان’ بأن الدستور المصري الجديد لن يكون دستورا دائما، فالدستور الدائم يكتب في لحظة توافقية، ومصر اليوم في لحظة خلافية، وبالنتيجة، فإن الطريق أمام المصريين لا تزال طويلة، ولكن هناك ضرورة للمضي قدمًا واتباع خريطة الطريق، فهذه هي الوسيلة الوحيدة للوصول إلى الأمان.
إذن هو يعترف بأن الدستور ليس توافقيا، ولن يكون كذلك،’وسيتم تغييره، لكن الظروف تتطلب تمريره.. إذا هو يبرر لتمرير الدستور بسبب الظروف وفي ظل غياب التوافق، في حين كانت المعارضة أيام مرسي لا تلتمس عذرا في صدوره، علما بأنه صادرعن لجنة منتخبة من برلمان الشعب، ناهيك عن أنه كانت حاجة لصدور دستور 2012 لعدم وجود دستور بعد ثورة يناير، في حين لم تكن هناك حاجة من الأساس لتعطيل دستور 2012، اللهم إلا إذا كان الهدف استغلال الظرف السياسي لحاجة في نفس يعقوب اقصد لجنة الخمسين، وهو ما اتضح بعد ذلك.
‘ كاتب مصري