لندن – “القدس العربي”: صدم الاتحاد الأوروبي لكرة القدم (يويفا) عالم الساحرة المستديرة للعام الثاني على التوالي، بتجاهل الثنائي الأفضل عالميا في العقد الماضي كريستيانو رونالدو وليو ميسي، لاختيار قلب الدفاع الهولندي فيرجيل فان دايك، كأفضل لاعب في القارة العجوز لهذا العام، وكأول مدافع في التاريخ يتّوج بهذه الجائزة، وذلك رغم حضور صاروخ ماديرا والبرغوث في حفل توزيع الجوائز الأفضل الذي أقيم في إمارة موناكو.
رونالدو وميسي الأصدقاء
بدا واضحا للجميع أن علاقة الغريمين كريستيانو وليو بدأت تأخذ منحنى آخر، فبعد سنوات من “النفسنة” والغيرة الزائدة والنظرات الخبيثة المتبادلة بينهما كما كنا نشاهد في هكذا حفلات، بدا الأمر مختلفا 180 درجة في موناكو، بفخر وسعادة غير مصطنعة من الاثنين بجلوسهما معا في المقاعد الأمامية، تجلت في تغير ملامح وجه رونالدو وكلماته الصادقة حين سألته مقدمة الحفل عن شعوره بالجلوس بجانب البرغوث، ليطلق العنان لنفسه بكلمات أقل ما يُقال عنها “للتاريخ”، وهو يتفاخر بإنجازاته وصراعه الخاص مع هداف الليغا وبرشلونة الأسطوري، الذي دام وما زال مستمرا لمدة 15 عاما، وهو أمر لم تعهده ملاعب كرة القدم في كل العصور السابقة بدون استثناء.
ماذا يقصد الدون؟
لا شك أبدا أن كلماته التي تصدرت عناوين الصحف العالمية أكثر من خبر تتويج فان دايك بالجائزة، أعطت دلالات لا لبس فيها أن طبيعة العلاقة بينهما لم تعد كالسابق، ربما لابتعاد النجم البرتغالي عن عداء ريال مدريد وبرشلونة، وربما يكون نضوج وحكمة منتصف الثلاثينات على عكس عنفوان العشرينات، لكنها أعطت مؤشرات لاقتناع الثنائي بسنة الحياة وضرورة التغيير، وربما لاحظ الجميع ما قاله رونالدو في ختام كلمته، بتعهده بالعودة إلى نفس المكان، المقاعد الأمامية، العام المقبل، في إشارة واضحة وصريحة منه إلى أنه سيواصل الكفاح والعمل الجاد، ليبقى جلاد الجلادين حتى إشعار آخر، من دون التطرق لفرصه في الفوز بالجائزة كما كان يفعل في الماضي على طريقة صيحته الشهيرة (siii) بعد تسلمه جائزة أفضل لاعب في العالم عام 2014، وهذا يعكس التغير الجذري في طريقة تفكيره مع متغيرات الزمن والعالم المحيط به، والأمر ينطبق كذلك على ميسي، ونعرف جميعا أنه حتى الأمس القريب، كانا يرفضان حضور أي حفل عالمي، طالما الفائز اسم آخر، آخرها حفلات تتويج مودريتش بجوائز العام الماضي.
اقتراب حفل العشاء
اعتقد البعض أن كريستيانو كان مجاملا نوعا ما عندما قدم دعوة عشاء خاصة لغريمه التقليدي في حديث موثق عبر تلفزيون البرتغال، لكنه أثبت عكس كذلك، بتكرار الدعوة لليو وهو بجانبه في الحفل، وهذه واحدة من المتغيرات في علاقة الصداقة الجديدة بينهما، والتي ستساهم في رفع الحرج عن الثنائي لحضور هكذا حفلات في المستقبل، بصرف النظر عن موقفهما من الفوز بالجائزة. ومن الواضح أن صدمة تفضيل فان دايك عليهما، لن يكون لها أي تأثير في حفلتي الفيفا “الأفضل” و”الكرة الذهبية” من قبل مجلة “فرانس فوتبول”، وذلك بطبيعة الحال ليس للقانون الذي “فصّله” الاتحاد الدولي لكرة القدم لإجبار الإثنين على حضور الحفلات بعد الاعتذار عن حضور حفل العام الماضي، بل كما أشرنا، لاقتناع كريستيانو وليو بالأمر الواقع، فكلاهما وصل لمرحلة التأكد واليقين أنهما خارج المنافسة مع أي بشر مارس الكرة من قبل أو يمارسها في الوقت الراهن، والشيء السار والمبهج بالنسبة لهما، الحفاظ على الاستمرارية بالمنافسة على أعتى الجوائز الفردية العالمية حتى سنواتهما الأخيرة في الملاعب، تأكيدا أنهما ظاهرة كروية لم تتكرر من قبل وستجد الأجيال القادمة صعوبة أقرب للمستحيل لمحاكاة ما قدمه الثنائي الفضائي، بالبقاء في هرم النجاح كل هذه السنوات بلا موسم واحد للنسيان، وذلك منذ عام 2007 وحتى وقتنا الراهن.
رأي فني
هل سيكتفي رونالدو وميسي بشرف حضور الحفلات الصاخبة؟ أو بمعنى أدق سيتجمد رصيد الاثنين عند 5 جوائز أفضل لاعب في العالم لكل واحد؟ بالطريقة التي اختير بها فان دايك كأفضل لاعب في أوروبا وقبله لوكا مودريتش، ستكون الأمور صعبة على الثنائي، لأن الاختيار في آخر عامين يبدو وكأنه موجه لأسماء أخرى من أجل التغيير. صحيح لا خلاف أبدا على أن فان دايك هو أفضل مدافع في العالم في الوقت الراهن، لكن منذ متى يفوز قلب دفاع أو لاعب آخر غير مهاجم أو جناح أو صانع ألعاب في هذه الجائزة؟ وإذا افترضنا جدلا أن جائزة “يويفا” تذهب لبطل دوري أبطال أوروبا، فلماذا لم تمنح لرونالدو العام الماضي؟ رغم أنه كان الأكثر حسما مع الريال في موسم الاحتفاظ بدوري أبطال أوروبا للعام الثالث على التوالي. الشاهد أن معايير الاختيار لم تعد ثابتة، لا تفهم ما إذا كان الاختيار يتم بناء على تأثير اللاعب مع فريقه أو منتخبه أم بعدد الأهداف، أي انه لم تعد هناك شفافية في هذا الأمر.
لكن بلغة العقل والمنطق، سيكون من الصعب على عقولنا استيعاب فوز فان دايك بالكرة الذهبية، التي اكتسبت شهرتها الواسعة بمنحها دائما لأعظم المهاجمين، وذلك في موسم خرج منه ليو ميسي بـ54 هدفا، منها 36 على مستوى الليغا، ليفوز بالحذاء الذهبي كأفضل هداف في الدوريات الأوروبية الكبرى للمرة السادسة في مسيرته، وهو أيضا هداف دوري أبطال النسخة الأخيرة بـ12 هدفا، مشكلته تكمن في انحصار جوائزه الجماعية على لقب الليغا فقط، بعد الخروج من نصف نهائي الأبطال وخسارة نهائي كأس ملك إسبانيا والاكتفاء بالمركز الثالث في كوبا أمريكا مع منتخب بلاده، والآخر، رونالدو، سجل 31 هدفا مع منتخب البرتغال واليوفي في موسمه الأول في جنة كرة القدم، وحصد 3 بطولات (السيريا آ، والسوبر الإيطالي ودوري أمم أوروبا). وبالنسبة لفان دايك، لا يُمكن تجاهل تأثيره في دفاع ليفربول ومنتخب هولندا، لكن التتويج بالأبطال، كان عملا جماعيا أكثر من تأثير فان دايك، بداية من أليسون بيكر الذي أبقى الريدز في دوري المجموعات بتصديه شبه الإعجازي في فرصة الانفراد الأخير في مواجهة نابولي، مرورا بتألق صلاح وماني وكذلك أوريغي الذي قدم مباراة العمر في ليلة ريمونتادا برشلونة.
إن غدا لناظره قريب
لذا يُمكن اعتبار وجود فان دايك في القائمة المختصرة لجائزتي الفيفا و”فرانس فوتبول”، أفضل تكريم لموسمه الرائع مع الريدز، على أن تكون المفاضلة بين ليو ورونالدو لاختيار المحظوظ منهما بجائزته الشخصية السادسة، وهذا بالكاد المنتظر حدوثه على الأقل في واحد من الحفلين، وخصوصا حفل برج “إيفل”، وذلك ليس فقط للقواعد والمعايير المعروفة عن جائزة “فرانس فوتبول”، باعتبارها جائزة لا يفوز بها إلا أفضل وأمتع لاعب في العالم قولاً وفعلاً، بل أيضا لموجة الاعتراضات والانتقادات التي أعقبت إعلان فوز فان دايك بالجائزة على حساب رونالدو وميسي، كما شكك المدافع الإنكليزي السابق ريو فرديناند في نزاهة الاختيار، رغم أنه كان يشغل نفس مركز المدافع الهولندي، ومن المفترض أن ينحاز للاعب في مركزه، لكنه أيد وجهة نظر الأغلبية الكاسحة، بأن الاختيار كان ينبغي أن يقع إما على كريستيانو أو ميسي، هذا بخلاف ضغط “السوشيال ميديا”، التي ضجت بالكوميكس والتعليقات الساخرة من هول اختيار قلب دفاع بجائزة أفضل لاعب في أوروبا على حساب اثنين من الأفضل في كل حق التاريخ، إن لم يكونا الأفضل على الإطلاق، وبالطبع مسؤولو الفيفا والمجلة الفرنسية يعيشون معنا على هذا الكوكب، ومؤكدا استمعوا على الأقل الى ردود الأفعال السلبية على خبر فوز فان دايك بجائزة أفضل لاعب في أوروبا، فما بالك بردود الأفعال على الجائزتين الأهم؟ هذا ما سنبدأ التعرف عليه يوم 23 سبتمبر/ أيلول بعد إعلان الفائز بجائزة الفيفا ثم سننتظر تحديد موعد حفل باريس الأكثر أهمية بالنسبة للاعبين.