قبل 29 سنة، في 25 تموز 1990، عقد في بغداد لقاء محمل بالمصائر بين السفيرة الأمريكية ايبرل غيلسبي، وحاكم العراق صدام حسين. وكان هدف صدام الأساس من هذا اللقاء تشخيص هوامش المناورة التي ستمنحه إياها إدارة الرئيس بوش الأب، إذا ما قرر غزو الكويت المؤيدة للغرب. ولهذا الغرض أدخل في حديثه تلميحات مكشوفة عن نواياه للعمل، إلا إذا استجيبت طلباته الاقتصادية والإقليمية من الجارة الكويتية. ولمفاجأته، امتنعت غيلسبي عن اتخاذ موقف في النزاع، الذي وصفته بالمواجهة العربية الداخلية، التي لا ترتبط على الإطلاق بالولايات المتحدة وباستراتيجيتها الإقليمية. وهكذا أشارت إلى أن مسار احتلال الكويت مفتوح على مصراعيه من ناحيتها. وبالفعل، على خلفية الضوء الأخضر الذي كان صدام مقتنعاً بأنه حصل عليه، ليس مفاجئاً أن قواته، بعد مرور أسبوع، في 2 آب 1990، بدأت بغزوها للكويت. ذلك الضوء الأخضر الذي استبدل به آخر أحمر كانت نتائجه على العراق هدامة، وتلك حقيقة تبين كم كان هذا حيوياً لقوة عظمى أمريكية بأن توضح الخطوط الحمراء في الزمن الحقيقي، ثم ترد بكل الوسائل بسبب اجتيازها.
المعزوفة تعود من جديد
اليوم، مع مرور ثلاثة عقود تقريباً، تعود المعزوفة من جديد، وهذه المرة بالصلة بقرار الرئيس ترامب سحب القوة الأمريكية الصغيرة المرابطة في شمالي سوريا. ومثلما في حديث غيلسبي مع صدام، هكذا حدث في مكالمة ترامب مع الرئيس التركي أردوغان في 6 تشرين الأول 2019، وامتنع البيت الأبيض عن استخدام أي روافع ضغط على أنقرة لردعها عن استغلال الوضع الجديد في الساحة، بل منحها عملياً ضوءاً أخضر بعد نية ترامب تقليص الدور الأمريكي العسكري إلى الحد الأدنى في ساحات ذات أهمية ثانوية أو هامشية بالنسبة له (بما فيها سوريا وأفغانستان)، والذي كان ولا يزال مدماكاً مركزياً (وتحقيقه في منطقة الشمال السوري يعد في نظره تنفيذاً لوعد قطعه للناخب). لقد أخطأ في تقدير الرد داخلياً (وخارجياً) بهذه الخطوة.
وبالفعل، فإن الانتقاد اللاذع الذي أطلق على تلة الكابيتول (الذي شارك فيه غير قليل من زملائه الجمهوريين في المجلسين على خلفية هجرانه الشريك الكردي في الصراع ضد داعش)، فاجأ وأحبط الهيمنة الأمريكية وكشف عن ضعف عملية اتخاذ القرار على مستوى القائد والقيادة التي حوله. ورغم صحوته السريعة، وفي غضون ثلاثة أيام فقط، في 9 تشرين الأول، أضاف إلى قرار الانسحاب من سوريا رزمة عقوبات اقتصادية وتهديدات فظة تجاه أنقرة. أما تلك الرسالة الحازمة التي نقلها ترامب إلى أردوغان والتي صاغها على نحو غير دبلوماسي، فقد جعلت الأسلوب نفسه موضع الحديث الداخلي والدولي، وذلك على حساب الجوهر، وفي ظل تجاهل أن سوط العقوبات فعل فعله وسرعان ما شق الطريق لبلورة اتفاق وقف النار واستقرار الجبهة – وإن كان مؤقتاً وجزئياً– حتى قبل أن يتحقق سيناريو الرعب بالتطهير العرقي للإقليم الكردي المنهار.
فضلاً عن ذلك، إن حقيقة قرار الانسحاب خلق احتجاجاً واسعاً بين الجمهور وفي الكونغرس وانتقل إلى داخل صفوف حزبه، قد رفعت إلى جدول الأعمال مسألة قدرة الرئيس الـ 45 على قيادة معسكر جمهوري متراص الصفوف تمهيداً لانتخابات البيت الأبيض في مواجهة تحديات الداخل (بما فيها مبادرة العزل التي تواصل التدحرج ببطء في مجلس النواب). يبدو أن تهديد مكانة ترامب كزعيم لا جدال فيه للحركة الجمهورية لا يعدّ طفيفاً، فـ”الشعب الناخب” سيركز على تقدير دوره وإنجازاته في المجال الداخلي إلى جانب الخارجي أيضاً، بل إن المنتخب الديمقراطي الحالي لا يتخذ صورة من يعرض مكانته للخطر على الإطلاق. العكس هو الصحيح. فالمرشحون الثلاثة الكبار في السباق (اليزابيت وورن، جو بايدن، بيرني ساندرز) يبثون هزال المادة أكثر من أي شيء آخر. وليس هذا فقط، بل إن من يتصدر المجال الديمقراطي الآن، السناتورة وورن، تبدو ضعيفة على خلفية مواقفها الاجتماعية–الديمقراطية الواضحة التي تقربها من النموذج الإسكندنافي لدولة الرفاه، وفي الوقت نفسه تبعدها سنوات ضوء عن الفكرة الأمريكية التي تقوم على الفردية والمبادرة الحرة دون قيود حكومية عميقة.
وبالتالي، فإن السؤال الذي يطرح نفسه: هل سيستغل المكتب البيضاوي هذه النافذة الواسعة من الفرصة التي وقعت له في ضوء ضعف الخصم الديمقراطي، أم سيراوح في المستنقع المحلي في ظل إظهار التوتر المتصاعد؟ وثمة سؤال آخر: هل سيخلق انفكاك الارتباط الأمريكي عن ميدان القتال السوري ردود فعل متسلسلة تفترض من الشركاء والحلفاء (وليس فقط الخصوم) استخلاص الدروس وإعادة الانتشار في ضوء تصميم الإدارة على الانطواء أكثر فأكثر داخل القارة الأمريكية؟ إن الأسابيع والأشهر المقبلة ستشير إلى أين تهب الريح في أوساط اللاعبين الإقليميين والدوليين معاً وإلى أين تتجه دوامة المعركة.
بقلم: البروفيسور ابراهام بن تسفي
إسرائيل اليوم 20/10/2019