هل ستتمكن الثورات العربية من الحفاظ على استقلاليتها ؟

حجم الخط
0

طوال عقود من الزمن تخيلت شعوب المنطقة بأنها قد تحررت من الاستعمار القديم الذي كان جاثما على صدر المنطقة لغاية الخمسينات والستينات من القرن السابق، وطالما احتفلت هذه الدول كل سنة بأعياد وطنية اتخذت أسماء كثيرة كيوم الاستقلال أو يوم الجلاء أو العيد الوطني لكل دولة من هذه الدول، وأصبح مفهوم الاستقلال عند شعوب هذه المنطقة هو عدم وجود جيوش الدول الكبرى على أراضيها متناسين ان الاحتلال لا يكون في وجود الجيوش فقط وإنما الاستقلال هو استقلال القرار السياسي للدول وللأسف كانت استقلالية القرار السياسي غير موجودة في أي من هذه الدول وارتبطت مصالحها بشكل مباشر بمصالح الدول الكبرى ليس من زاوية تبادل المنافع بل إن المنفعة كانت تصب في صالح الدول الكبرى فقط، أما المصلحة الوطنية فكانت لا تمثل أولوية عند حكام هذه الدول.

وطوال هذه العقود الكثيرة ظلت الدول العربية هذه تعيش في ركود سياسي واقتصادي واجتماعي وثقافي أدى بالمواطن العربي في أن يفقد ثقته بنفسه بقدرته على صنع حاضر مشرف له وظل أسير حضارته الإسلامية والتي نسبها لنفسه فقط دون باقي الشعوب الإسلامية وذلك كي تنسيه هذه الأطلال الركود الحضاري الذي يعيشه في حاضره.

بعد التغيرات التي نشاهدها في المنطقة نرى إن لغة خطاب أمريكا تغيرت تجاه هذه المنطقة بشكل لم نعتد عليه في الماضي، حيث تحولت لغة أمريكا إلى لغة أكثر احتراما لشعوب المنطقة وسارعت بالتخلي عن عملائها القدماء من الرؤساء العرب بمجرد قيام شعوبهم بالثورة عليهم وذلك لإدراكها أن الشعوب هذه المرة عازمة على لفظ أنظمة حكمها لإيمانها بان الشعوب هي الابقى ومعاداة ثوراتها لن تسفر إلا عن تهديد للمصالح المستقبلية الأمريكية في هذه المنقطة.

من المؤكد أن أمريكا لم تقم بتحريك الشارع العربي هذه المرة أي أن الشعب لم يأخذ الضوء الأخضر من أمريكا لكي يتحرك ويثور على حكامه لذلك فقد فقدت أمريكا هذه الميزة التي كانت تمتاز بها خلال العقود السابقة كون أي حركة تغير تحدث في العالم العربي كان يتحتم عليها أن تكون بضوء اخضر أمريكي وبوصاية أمريكية وترتيب الأوراق بشكل بحيث تحافظ فيها أمريكا على مصالحها في كل ثورة وأي انقلاب يحصل، أما الآن فان أمريكا تجهل تماما ما هي أجندات الحكومات المستقبلية لهذه الدول ولا الخط السياسي الذي سوف تنتهجه بما يخص السياسة الخارجية وموقف هذه الدول المستقبلي من المصالح الأمريكية، لذلك فان أي حديث أمريكي عن الأوضاع الجديدة في المنطقة لا يخرج عن نطاق التغزل بالثورات الشعبية ومباركة الخيار الديمقراطي الذي أقرته هذه الشعوب وفي نفس الوقت تظهر بين الحين والآخر تخوفها من المستقبل الذي تنتظره المنطقة فيما يخص المصالح الأمريكية وعلاقات هذه المنطقة بأمريكا للحد الذي جعل اوباما يصف مستقبل أمريكا بانه رهن بالأوضاع في الشرق الأوسط، هكذا كلام يدل بشكل لا يقبل الشك بان أمريكا حريصة على محاولة توجيه التطورات بما لا يتعارض ومصالحها الحيوية في المنطقة وهي تراقب الوضع عن كثب، وقد ظهرت أول بوادر التحركات الأمريكية تجاه الأوضاع الجديدة في الوعود المادية السخية التي قدمتها أمريكا لمصر وهي محاولة من هذه الدولة العظمى في العالم لجس نبض ثوار مصر. فمن المعلوم ان أمريكا قد كبلت الحكومات الحكومات السابقة وجرفتها إلى فلك سياستها بهذه الاغراءات المادية وهي تحاول الآن ممارسة نفس السياسة مع الحكومات الجديدة لهذه الدول وهو الطعم الأمريكي الأول تجاهها.. وهنا نواجه سؤالا وجيها جدا… هل إن الثورات العربية الحالية سوف تتمكن من الحفاظ على استقلال قرارها السياسي ام أنها سوف تأكل الطعم الأمريكي وتكون نسخا متكررة من الحكومات العربية السابقة وسوف يتحول الثائر النزيه إلى رجل دولة يبرر أخطاءه بوجوب اتخاذ الحكمة والواقعية في اتخاذ القرار؟

انس محمود الشيخ مظهركردستان العراق ـ دهوك[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية