هل ستجعل الأشغال المقبلة للجمعية العامة للأمم المتحدة من إسرائيل كيانا مارقا؟

حسين مجدوبي
حجم الخط
2

لندن ـ «القدس العربي»: ستواجه إسرائيل أسوأ موسم دبلوماسي منذ نشأتها، وذلك خلال ايلول/سبتمبر المقبل عندما ستحتضن الأمم المتحدة أشغال الجمعية العامة، إذ سينقسم العالم إلى قسمين، مجموعة صغيرة ممثلة للعالم الأنغلوسكسوني وبعض الدول الأوروبية ستدافع عن الكيان بينما الباقي سيدينها بمستويات متوسطة إلى متشددة مثل جنوب أفريقيا وكولومبيا والبرازيل. ومن المرتقب أن تنال إسرائيل شهادة «الكيان المارق» بسبب جرائم الإبادة التي ترتكبها.

وأكدت الحرب التي اندلعت في قطاع غزة ابتداء من 7 أكتوبر الماضي «طوفان الأقصى» ضعف الجيش الإسرائيلي الذي لا يقهر، إذ لم يرصد في البدء عملية طوفان الأقصى رغم هالته الأسطورية، ثم عجز بعد حرب وحشية تقترب من شهرها العاشر والدعم الغربي بالأسلحة وخاصة من طرف الولايات المتحدة القضاء على المقاومة الفلسطينية. ويتكرر السيناريو دبلوماسيا، إذ ستواجه إسرائيل حربا أخرى دبلوماسية شرسة في الأمم المتحدة منذ تأسيس هذا الكيان وسط الشرق الأوسط، وستكون الأقسى.
وكالعادة، ستحتضن الأمم المتحدة في نيويورك خلال ايلول/سبتمبر المقبل، في ظرف شهرين، أشغال الجمعية العامة التي سيتم فيها استعراض قضايا العالم والإقليمية والقضايا المحلية. وستكون القضية الفلسطينية هي الملف الأكثر حضورا في جميع المداخلات بحكم هيمنة هذا الملف على العلاقات الدولية طيلة الشهور الماضية حتى الآن بسبب التوتر الذي يترتب عنه لطبيعة صراعه الحضاري والديني والثقافي. وتبرز مصادر أممية لجريدة «القدس العربي» بأن حرب أوكرانيا استحوذت على اهتمام المداخلات في أشغال الجمعية العامة خلال شهري ايلول/سبتمبر من سنتي 2022 و2023 ورغم ذلك كانت القضية الفلسطينية حاضرة علما أنه لم تكن حينئذ الحرب، ويبقى الأكيد أن القضية الفلسطينية ستكون هي الموضوع الرئيسي في مختلف المداخلات لملوك ورؤساء الدول والحكومات بل سيكون حضورها تاريخيا وقد يتسبب بمواجهات لم تسجل من قبل في هذه الهيئة. يضاف إلى هذا أن نيويورك ستكون مسرحا لأكبر التظاهرات التي ستقف إلى جانب الفلسطينيين. وسيكون الخاسر الأكبر بعد إسرائيل بعض الدول الغربية وعلى رأسها الأنغلوسكسونية التي تبدي تأييدا مطلقا للكيان رغم جرائمه. وتدرك إسرائيل هذا التحدي التاريخي، ولهذا تعمل دبلوماسيتها وكذلك مخابراتها والمتعاونون معها ضد الساعة في محاولة للتقليل من الانعكاسات السياسية الكبيرة دوليا على الكيان جراء ما سيجري في أشغال الجمعية العامة للأمم المتحدة.

حرب بين فريقين

ومن خلال رصد التطورات الدولية حول قضية فلسطين منذ اندلاع الحرب الحالية يوم 7 أكتوبر، يمكن الحديث ليس فقط من باب التكهن بل قراءة الواقع مسبقا عن توجهين متعارضين في أشغال الجمعية العامة للأمم المتحدة، واحد سيدين إسرائيل بشدة وآخر سيحاول تبرير جرائمها.
في هذا الصدد، ستكون دول مثل ألمانيا والولايات المتحدة وبريطانيا وبنسبة أقل فرنسا وإيطاليا وهولندا في صف الكيان الصهيوني بمحاولة الدفاع عن جرائمه بمبرر الدفاع عن النفس أو التبرير النسبي وخاصة في حالة باريس. وهذه هي الدول وخاصة الأولى التي عارضت إحالة ملف جرائم إسرائيل على محكمة العدل الدولية بل وهددت هذه المحكمة مثل حالة التهديد الصادر عن الكونغرس الأمريكي. كما تزود هذه الدول إسرائيل بمختلف الأسلحة الفتاكة رغم سقوط عشرات الآلاف من الأطفال الفلسطينيين قتلى ومعطوبين. وهذه الدول هي التي تعارض منح العضوية الكاملة لفلسطين في الأمم المتحدة، وضغطت على دول غربية أخرى مثل إسبانيا وإيرلندا لكي لا تعترف بالدولة الفلسطينية. وكان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قد عارض خلال شهر ايار/مايو الماضي إقدام إسبانيا وإيرلندا والنروج الاعتراف بالدولة الفلسطينية. ويذكر العارفون بالأمم المتحدة ومن خلال مسيرة هذه الدول الأنغلوسكسونية أنها ستحاول بالضغط والاستمالة بمحفزات اقتصادية إقناع دول فقيرة من العالم الثالث لكي تتجنب على الأقل إدانة إسرائيل في أشغال الأمم المتحدة.
وسيكون الفريق الثاني هو المكون من غالبية دول العالم من القارة الأفريقية والآسيوية والأمريكية، ونعني أمريكا اللاتينية. ويدخل العالم العربي ضمن الأفريقية والآسيوية. وستكون مداخلات الدول متفاوتة بين التنديد البسيط وقد يصدر عن دول عربية مطّبعة مع الكيان الإسرائيلي ودول متشددة في إدانة إسرائيل ومنها عربية مثل قطر وسوريا والعراق، وأخرى من أمريكا اللاتينية مثل بوليفيا وفنزويلا وأفريقية بزعامة جنوب أفريقيا، حيث كانت هذه الأخيرة سباقة في وضع دعوى جرائم الحرب أمام المحكمة الجنائية الدولية لتلتحق بها دول أخرى كداعمة وخاصة من أمريكا اللاتينية. ولتدرك إسرائيل أن دولا مثل جنوب أفريقيا والبرازيل وبوليفيا وكولومبيا وفنزويلا اتهمتها بإعادة جرائم النازية ضد اليهود وهذه المرة ضد الفلسطينيين لن تكون رحيمة بها في الجمعية العامة للأمم المتحدة.
وتنبه مقالات صادرة في الصحافة الإسرائيلية المتميزة بالنقد من تدهور صورة إسرائيل في العالم وأنها ستصبح مارقة في أعين الرأي العام، كما تدرك مؤسسات مثل الموساد أو الخارجية الإسرائيلية خطورة أشغال الجمعية العامة للأمم المتحدة على الكيان، إلا أن هذا الكيان لا يستطيع مواجهة تسونامي التضامن الأخلاقي مع فلسطين والمندد بحرب الإبادة. ويكشف الاطلاع على طريقة عمل الموساد والخارجية الإسرائيلية كيف يتم الاستعداد لمثل هذه التحديات من خلال الترصد إلى مستوى التهديد. ومن ضمن الأمثلة الشهيرة، هدد المدير السابق لمخابرات الموساد يوسي كوهين النائبة العامة السابقة لمحكمة العدل الدولية تاتو بنسودة بفضائح عائلية إذا لم تجّمد التحقيقات حول جرائم الحرب ضد إسرائيل سنة 2021. وكانت جريدة «الغارديان» قد فضحت هذا الملف خلال ايار/مايو الماضي.
ويبقى من المرجح كثيرا أن أشغال الجمعية العامة للأمم المتحدة خلال ايلول/سبتمبر المقبل ستكون بمثابة منح إسرائيل شهادة «الكيان المارق».

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية