هل ستسقط القطط السمان في الأردن حقاً ؟

حجم الخط
0

د. خالد سليمان يضرب الأردن رقماً قياسياً على المستوى العالمي على صعيد سرعة تغيير الحكومات فيه، فهي تتغير فيه تقريباً بمعدل مرة كل سنة، وذلك لأسباب كثيرة، ليس سراً أن من أبرزها فيحان رائحة رؤسائها وأعضائها وتورطهم في فضائح فساد مالي وأخلاقي تزكم الأنوف، وإن كان من اللافت والمغيظ أن التغيير كثيراً ما يجلب نفس الوجوه مع تبديل شكلي في الحقائب الوزارية المحمولة. في هذا السياق، يحكى، ربما من باب النكتة السياسية، أن وفداً شعبياً قد اشتكى إلى الملك الحسين فساد الوزراء الذين يتعاقبون على تشكيل الحكومات، فما كان منه إلا أن أجابهم بأن هذا هو شعبكم، فهل أستورد لكم شعباً من سويسرا حتى نضمن توقف الفساد! وفي السياق نفسه، وربما من باب النكتة أيضاً، يحكى أن بعض حاشية الملك الراحل قد نبهوه إلى رقة حال أحد الوزراء وتواضع وضعه المعيشي، فأجابهم أنه وضَعه في أفضل منصب ممكن كي يدبر نفسه ويودع الفقر للأبد، فماذا يفعل له أكثر من ذلك؟! وفي سياق متصل، ولكن من مصر هذه المرة، وأظن أن هذه ليست بالنكتة، يحكى أن رجلاً نظيفاً نزيهاً قد رُشح للراحل السادات كي يتقلد إحدى المناصب الوزارية، فقال لهم: وسخوه وهاتوه، وقد كان.ليس من العدل أو المنطق طبعاً التعميم ووسم كل الوزراء وأصحاب المناصب الرفيعة في الحكومات العربية بالفساد، فدائماً وأبداً سيظل هناك استثناءات شريفة، نادرة طبعاً، عصيت وتعصى على المستوى الشخصي على التلوث، وإن كان مجرد اقترانها بالأنظمة الفاسدة وخدمتها لها يكفي لتلويثها وإسقاطها من الأعين. لكن الأنظمة غير الديمقراطية، بوجه عام، لا تستطيع الحياة ولا يطيب لها البقاء إلا بالاعتماد على نخب فاسدة أصلاً أو مستعدة للفساد بسهولة، ببساطة شديدة لأن النخب غير الفاسدة لن تسكت على حماقات رأس النظام وفساده وعبثه هو وعصبته، ومن يتأمل في جموع المسؤولين المصفقين بحماس هستيري للسفاح الأسد على خطابه الغث الأخير، يدرك نوعية النخبة التي يحرص الحاكم العربي على تحلقها حوله، تلك النخبة التي ينبغي للثورات العربية أن تجعل من مسألة التطهير الجذري لها أولوية ملحة لا تقل أهمية وإلحاحاً عن مسألة إسقاط الأنظمة الفاسدة نفسها، فالفجور المتأصل في أعضاء تلك النخب سرعان ما سيدفعهم ولا شك، في حال العفو عنهم، إلى ركوب تلك الثورات، والتصرف كما لو كانوا من أهم أعمدتها وصناعها، وليس المثال المصري الذي يقدم لنا الكثير من الشخصيات المثيرة للغثيان عنا ببعيد.في الأردن، يتم الحديث بفرح واستبشار عن قرب اصطياد عدد من ‘القطط السمان’ من أصحاب المناصب الأمنية الرفيعة، بل وممن يمتون بصلة المصاهرة إلى العائلة المالكة، بعد أن سبق إسقاط بعض أرباب المواقع الخطيرة، كرئيس جهاز المخابرات السابق محمد الذهبي على سبيل المثال، الذي يقبع الآن في السجن بتهم الفساد، مع تذكر أنه لم تمض سنوات طويلة على سجن سلف له، وهو سميح البطيخي، بتهم مشابهة. الحديث عن إسقاط عدد، سيظل محدوداً جداً بالطبع، من كبار الفاسدين في الأردن، يذكرني بالحالة المصرية إلى حد بعيد، وإن بصورة عكسية، إذ أزعم أنه لم تتم التضحية بمبارك رأس النظام في أعقاب ثورة الخامس والعشرين من يناير إلا لكي يبقى النظام نفسه، وأرى النظام الأردني اليوم يبدو على استعداد للتضحية ببعض أطرافه الفاسدة، ليس من قبيل الحرص الجدي على مكافحة الفساد، ولكن حرصاً على بقائه، ما دامت الأصوات الشعبية المثيرة للقلق بدأت تتعالى بضرورة ملاحقة الفاسدين والإيقاع بهم، بل وباتهام النظام بالتستر عليهم والتواطؤ معهم.من يعرف الأردن جيداً، ويعرف تركيبة النخبة فيه، ويراقب سير الأحداث في البلد، يعلم علم اليقين أن هناك أسماء كبيرة احترفت الفساد جهاراً نهاراً على مدار عقود ثم خلفته لأبنائها المتنفذين، لن تطالها أصابع مكافحة الفساد، وأنها ستظل تسرح وتمرح، بل وتنظّر وهي تمد لسانها للناس عن الديمقراطية والإصلاح. قضية توريث المناصب في البلد بالتعيين أكثر من كافية لإثبات الفساد، حتى لو انتفت أية أدلة أو قرائن أخرى، ودع عنك الحديث عن الزواج غير الشرعي بين السياسة والاقتصاد، لتجد رئيس وزراء أو وزير يترك الحكومة اليوم، ليعين في اليوم التالي رئيس مجلس إدارة بنك ضخم أو شركة عملاقة، ثم لا يلبث أن يعود إلى منصبه الحكومي، متنقلاً بين المناصب الرفيعة، الحكومية والخاصة، وكأن الدنيا مزرعة أبيه، دون أن يتحدث أحد عن استغلاله لمناصبه الحكومية في تقديم خدمات خاصة من تحت الطاولة للبنوك والشركات التي يقفز إلى إدارتها.لكل ذلك لست متفائلاً على الإطلاق بحكايات الإصلاح وترصد الفساد، فالإصلاح، إن صدقت النوايا فيه، لا يتجزأ ولا يخضع لمنطق الانتقائية أو المساومة أو التقسيط المريح، وأي مواطن شريف مار في الشارع يستطيع تزويد النظام بأسماء عتلات الفساد وعناوينهم، الذين يتظاهر النظام حتى الآن بأنهم يعدون على أصابع اليد الواحدة، بينما قد تعجز كل سجون الأردن، وربما سجون جيرانها، في واقع الأمر عن استيعابهم!’ أكاديمي عربي مقيم في كنداqmdqpt

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية