هل ستضحي إسرائيل بحرية عملها مقابل تعهد أمريكي بالدفاع عنها؟

حجم الخط
1

هناك علاقات متبادلة خفية بين الانتخابات الإسرائيلية في شهر أيلول المقبل والانتخابات في الولايات المتحدة. أول أمس كتب بن مسبيت في “معاريف” أن رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو يفحص إمكانية استئناف الاتصالات بشأن تشكيل حلف دفاعي مع الأمريكيين. المنطق السياسي من وراء هذه الخطوة مفهوم: نتنياهو يستغل لصالحه علاقته الجيدة مع زعماء الولايات المتحدة، وروسيا، والهند، والبرازيل ودول أخرى، عشية الانتخابات الأخيرة. ترامب هو الأكثر سخاء منهم جميعاً بإعلانه الاعتراف بسيادة إسرائيل على هضبة الجولان الذي انضم لقراراته السابقة، والانسحاب من الاتفاق النووي ونقل السفارة الأمريكية إلى القدس.
ولكن الحاجة السياسية لنتنياهو وترامب أصبحت متبادلة اليوم. ولأن مكانته في الاستطلاعات تتراجع، يحتاج نتنياهو إلى عملية مدوية في الساحة الاستراتيجية. في حين أن ترامب يستطيع الاستعانة بنتنياهو من أجل الانتخابات كشخص يقدم توصية بالاستقامة لدى ناخبيه الافنغلستيين، الذين في معظمهم من مؤيدي إسرائيل. يمكن أن يتلخص الحلف في النهاية باتفاق دفاع عام، أو بإعلان مبادئ فقط. ولكن إذا جاء ترامب إلى البلاد قبل الانتخابات من أجل الإعلان عن ذلك فهو بذلك يقدم معروفاً كبيراً لصديقه. المواقف على قضية الحلف الدفاعي في جهاز الأمن مختلفة منذ عقدين. السؤال الرئيسي هو هل ستضحي إسرائيل بجزء من حرية عملها – مثلاً في حالة الحاجة إلى القيام بعملية مبادر إليها ضد حزب الله – مقابل تعهد أمريكي للخروج للدفاع عنها في زمن الحرب.
قبل بضعة أسابيع، تملك ذعر معين عدداً من الوزراء بسبب سيناريوهات وضعتها المخابرات حول إمكانية استفزاز إيران على حدود إسرائيل في محاولة لحث الأمريكيين على العودة إلى طاولة المفاوضات. بتقدير متمعن ولاحق، يبدو أن الخطر الأساسي يكمن في قطاع غزة بسبب تراكم ظروف خارجية وداخلية. للإيرانيين تأثير كبير على رجال الجهاد الإسلامي هناك، يمكنهم استغلال إلكترون حر وخطير لأغراضهم في القطاع – قائد اللواء الشمالي للجهاد، بهاء أبو العطا، سبق واتهمته إسرائيل بمحاولة تقويض التهدئة في نيسان الماضي. هذا الشخص يمكن أن يحاول ويقود مرة أخرى إلى تصعيد جديد لاعتباراته الشخصية أو بتوجيه من بعيد.
في هذا الأسبوع كشف الجيش الإسرائيلي عن النفق الهجومي الـ 18 الذي اكتشف أثناء العمل في بناء السور على الحدود. ويتبين كما يبدو أنه التفرع الأكثر استراتيجية منها جميعاً الذي اخترق نشطاء حماس بواسطته الأراضي الإسرائيلية واختطفوا الجندي جلعاد شاليط في حزيران 2006. قائد حماس في القطاع، يحيى السنوار، واحد من الـ 1027 سجيناً فلسطينياً الذين قررت حكومة نتنياهو إطلاق سراحهم في صفقة شاليط بعد خمس سنوات. حسب تقديرات الاستخبارات العسكرية، يواصل السنوار قيادة الخط العقلاني في حماس في القطاع، الذي يطلب تسهيلات في الحصار، وفي الوقت نفسه لا يسارع إلى الحرب مع إسرائيل.
في هذا الأسبوع نشرت في “هآرتس” تقارير عن تسهيل آخر رتبته إسرائيل سراً، زيادة عدد العمال والتجار المسموح لهم بدخول إسرائيل، من 3 آلاف إلى 5 آلاف شخص. السنوار الذي قضى 22 سنة في السجن الإسرائيلي، يتحدث اللغة العبرية بطلاقة، وهو يعتقد أنه يفهم المجتمع الإسرائيلي جيداً. في هذه الأثناء، يكتفي بإطلاق بالونات حارقة من أجل تحقيق أهدافه. أمس ظهر خطر أن تشوش حادثة محلية على جهود التهدئة، بعد أن قام جنود الجيش الإسرائيلي بإطلاق النار وقتل أحد نشطاء حماس المسلحين قرب الجدار في شمال القطاع. حسب أقوال حماس، الأمر يتعلق بخطأ إسرائيلي، والقتل استهدف إبعاد شباب اقتربوا من الجدار بدون موافقة.

تأثير معاكس

التطورات الإقليمية الأخيرة تبشر في نظر الجيش الإسرائيلي بعملية أوسع. تتراكم دلائل مقلقة في عدة قطاعات تشير إلى إغلاق الفرصة المريحة نسبياً من ناحية أمنية، التي كانت لدى إسرائيل على خلفية الهزة في العالم العربي، الحرب الأهلية في سوريا والتهدئة على حدود القطاع، التي بدأت بعد عملية الجرف الصامد في صيف 2014.
تعصف غزة مرة أخرى، منذ نهاية آذار 2018، الموعد الذي بدأت فيه حماس المظاهرات الجماهيرية على الجدار. منذ ذلك الحين تبدو ملعقة بشعرة. عادت إيران إلى خط مضاد مع الغرب إزاء الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي وتجديد العقوبات. في سوريا، رغم الهجوم الجوي الواسع ضدها، لا تتنازل إيران عن جهود التواجد العسكري لها. في الوقت نفسه، سيطر نظام الأسد من جديد على معظم الدولة وبدأ في إعادة تأهيل جيشه. روسيا توفر لسوريا بطاريتي صواريخ مضادة للطائرات متقدمة من نوع “اس300” التي ستتحدى نشاطات سلاح الجو الإسرائيلي في سماء سوريا ولبنان، إلى جانب النظام المتقدم جداً “اس400” الذي تشغله هي نفسها. في لبنان، أعاد حزب الله معظم قواته من سوريا، وعاد إلى تركيز اهتمامه بتحضير المواجهة المستقبلية مع إسرائيل (رغم أنه لا يبادر إلى مواجهة كهذه حتى الآن).
في كل هذه الساحات، تواصل إسرائيل استخدام “المعركة بين حربين”. خلال سنوات سوق الجيش المعركة بين حربين كجهد من أجل إبعاد الحرب. الهجمات المختلفة تمس بقدرة العدو وتردعه عن فتح حرب شاملة. ولكن هذا الجهد يمكن أن يؤثر أيضاً بشكل معاكس: الهجمات تعزز شعور المواجهة المستمرة، وهجوم فاشل (أو فتاك أكثر مما خطط له) قد يدهور المنطقة إلى شفا الحرب. هذا تقريباً أوشك على الحدوث مرة واحدة في كانون الثاني 2015 بعد أن نسب لإسرائيل قتل جنرال إيراني وشخصية كبيرة في حزب الله في هجوم في هضبة الجولان السورية. حزب الله رد بقتل ضابط وجندي إسرائيليين في مزارع شبعا، والطرفان وجدا نفسيهما في حرب لم يخططا لها ولم يرغبا فيها.
هذه صورة قاتمة جداً، لكن لا يمكن الفصل تماماً بين الطريقة التي تعرض بها وبين ما ينتظر وراء الزاوية: الخطة متعددة السنوات والطموحة التي يبلورها رئيس الأركان افيف كوخافي والمعركة المتوقعة مع وزارة المالية التي يخطط لها من أجل تقليص كبير إزاء العجز في الميزانية بعد انتهاء الحملة الانتخابية الثانية التي فرضها نتنياهو على الدولة. عشرات الطواقم العسكرية ما زالت تنشغل بعملية التخطيط دون أن يكون لها أي فكرة حول إطار الميزانية المتوفر لها. جزء من مصادر تمويل الخطة يمكن أن يرتكز على تحويل داخلي لموارد في الجيش الإسرائيلي. والنية هي إنشاء نظام واسع من أجهزة المحاكاة في القوات البرية، يمكن من القيام بتدريبات أكثر فعالية وأرخص، إلى جانب التدريبات الميدانية مثلما يفعل سلاح الجو منذ عشرات السنين.

في هيئة الأركان، يتولد الانطباع بأن رئيس الحكومة خبير في الخطط ومصغ لاحتياجات الجيش. ولكن نتنياهو سبق وتعهد في حياته بكثير من الأمور لكثير من الأشخاص. لا يمكن معرفة أين سيكون بعد الانتخابات وهل سيجتاز بسلام مشكلاته القضائية. في المقابل، من الواضح أن شهر العسل قد انتهى مع وزارة المالية، وانتهى سريان التفاهمات التي توصل إليها وزير المالية موشيه كحلون ورئيس الأركان السابق غادي آيزنكوت التي مكنت الطرفين في السنوات الأربع الأخيرة من الامتناع عن القيام بصراعات البازار التركي التي ميزتهما في السابق. نمو الاقتصاد ينخفض، والعجز يرتفع، ووزارة المالية تحذر من أن هناك حاجة إلى إغلاق الفجوة التي تبلغ 25 مليار شيكل في الميزانية. وزارة الدفاع ستضطر إلى التنافس على نصيبها مع وزارة الرفاه ووزارة الصحة ووزارة التعليم.
ما الذي يحدث في وحدة العمليات الخاصة
في بداية الأسبوع، نشر الجيش بصورة استثنائية بيانات واستنتاجات مفصلة نسبياً بشأن العملية الخاصة التي تعقدت في خانيونس في تشرين الثاني 2018. في حادثة قتل فيها المقدم م. وسبعة نشطاء لحماس. رجال قسم العمليات الخاصة في الاستخبارات العسكرية اعتقدوا أن ما يحدث في وحدة العمليات الخاصة يجب أن يبقى داخلها، واعتقدوا أن الجيش أيضاً يمكنه الاختفاء تحت غطاء السرية، مثلما يفعلون في الشاباك والموساد في حالات مشابهة. رئيس الأركان كوخافي ورئيس الاستخبارات الجنرال تمير حاييم قررا إعطاء التفاصيل، بذريعة أن الجيش يجب أن يبلغ الجمهور عن حدث صعب جداً ودراماتيكي، طالما أن الضرر الأمني الذي يمكن أن يسببه النشر مسيطر عليه ومحدود. هكذا ظهرت للعالم العناوين الكبيرة في صحف يوم الإثنين، التي وصفت الحادث كـ “بطولة وفشل” – شجاعة مقاتلي القوة الخاصة الذين نجحوا في النجاة بواسطة إطلاق النار بعد احتجازهم من قبل قوة لحماس، والفشل الذي يبدو عندما قتل المقدم م. بالخطأ من قبل زملائه.
فعلياً، إن الضابط الذي أطلق النار على نشطاء حماس هو الذي أصاب كما يبدو زميله في السلاح. هذا لا يعتبر فشلاً، بل هو أداء في ظروف صعبة جداً، الذي من المشكوك فيه أن يقوم شخص من الخارج بالحكم عليه. حسب كبار ضباط الجيش، إن القرار بإطلاق النار أنقذ حياة رجال القوة الآخرين ومنع سقوط بعضهم في الأسر. قريباً ستجتمع لجنة الأوسمة الخاصة بالقيادة العامة من أجل أن تقرر كم وأي الأوسمة يجب منحها للمقاتلين الذين شاركوا في العملية. وسائل الإعلام تنافست على نشر قصص جيمس بوند في العملية، لكن مهما كانت هذه الإوصاف ممتعة ومدهشة إلا أن عملية اتخاذ القرارات والإعداد للعملية أكثر أهمية. وهذه تنتمي إلى عالم كتب جون لاكارا، وليس عالم ايان فيلمنغ.
عملية القوة الخاصة، باعتراف الجيش، لم تحقق هدفها. لذلك، فإن كشف القوة والإصابات التي تلقتها تعكس فشلاً صارخاً قد يحدث هزة ستؤثر على جهاز الاستخبارات الإسرائيلية كله، وسيكون له هزات ثانوية سيتم الشعور بها لفترة طويلة. ليس صدفة أن ضباطاً كباراً يتركون عملهم الآن، من بينهم رئيس لواء الوحدة الخاصة العميد ج. وقائد في الجهاز، ضابط برتبة مقدم. وعلى خطورة الأزمة يدلل القرار الاستثنائي لكوخافي أيضاً بإعادة رئيس الوحدة، العميد احتياط أ، إلى منصبه الذي شغله إلى ما قبل ثلاث سنوات وتسرح من الجيش.
خلال سنوات، كان القطاع في أسفل سلم أولويات الاستخبارات. معظم الجهود والموارد تم توظيفها بتوجيه من نتنياهو في محاربة إيران ومبعوثيها الإقليميين وعلى رأسهم حزب الله. المعلومات الاستخبارية التي تقدم الجيش الإسرائيلي معها لعملية الجرف الصامد في 2014، مثلما كشف في تقارير صحفية وبعد ذلك في تقرير مراقب الدولة، كانت جزئية. بعد الحرب تقدم الجيش لعملية الإصلاح، لكن يبدو أيضاً أن هذه كانت مترافقة مع عمليات ذات خطر مرتفع. يمكن التقدير أن القطاع المكتظ والمغلق والشكاك تحول إلى منطقة أصعب القيام بعملية عميقة فيها مقارنة مع مناطق أخرى. ليس كل اختبار اجتزته بنجاح في مكان ما يمكن أن يحدث بالضرورة في مكان آخر. من قرر إرسال المقاتلين إلى العملية في التوقيت والمكان الذي تم اختيارهما، يبدو أنه أخذ في الحسبان هذه الاعتبارات.
من الوصف الذي أعطاه الجيش الإسرائيلي فإن م. صمد بنجاح في الـ 45 دقيقة من الاستجواب الشديد وأحياناً العنيف لرجال حماس إلى أن توصل زميله في القوة إلى استنتاج بأنه لا مناص من إطلاق النار من أجل النجاة. التحقيقات العسكرية المفصلة التي شاركت فيها جهات رفيعة في أذرع الاستخبارات الأخرى عملت في هندسة إلى الخلف في سلوك القوة، الإعداد لها ونظام اتخاذ القرارات.

بسبب الظروف الاستثنائية، سيعود المقدم أ إلى الجيش كمدني يعمل في الجيش الإسرائيلي، وبعد أن يوقع على اتفاق تضارب مصالح. بعد تسريحه من الجيش، كثيرون من خريجي الوحدة الخاصة يواصلون العمل في عالم الظلال لشركات تكنولوجية واستخبارية وسايبر. هذا مدخل محتمل لصراعات أخلاقية علينا الأمل بأن تحول هذه المرة إلى المدعي العسكري الرئيسي كي يحسم فيها بنفسه، ولن يصادق عليها من قبل مستوى متدن.

الضابط أ ضابط كبير، وله إنجازات كبيرة ومقاتل شجاع، ففي بداية العقد استُدعي لإعادة تأهيل وحدة استخبارية مختارة كانت في أزمة. ولكن في هذه الحالة من الأفضل أن نذكر: لاكارا وليس جيمس بوند. أسماء عدد من أبطال الحادثة الحالية انضمت إلى قضية أحدثت هزة في السابق، حول صداقتهم مع المقدم احتياط بوعز هرباز، وهو خريج الوحدة الخاصة والرجل الذي اعترف بتزوير الوثيقة التي نتجت عنها القضية المعروفة باسمه. من تقرير مراقب الدولة حول هذه القضية، نجوا بجلودهم بعد قيام رئيس الاستخبارات في حينه كوخافي ووقف بتصميم من أجلهم. وهذه الحقيقة يجب أن تشكل تذكيراً بأن الأمر لا يتعلق هنا بأبطال كبار أو أشخاص قديسين. مثلما يميل عدد من المقالات إلى وصفهم، بل أشخاص من لحم ودم يعملون في واقع معقد.

بقلم: عاموس هرئيل

  معاريف

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية