تعود الجذورالتاريخية القريبة للجدل حول جدوى الديمقراطية في تحقيق الرفاه للشعوب إلى القرن السابع عشر، حيث وقف الفيلسوف توماس هوبز موقفاً معادياً للديمقراطية. هوبز كان يرى أن النظام الملكي الذي كان قائماً في حينه، هو الأجدى في زيادة ثروات الشعوب. وعلى الطرف المقابل وفي نفس الحقبة التاريخية كان للفيلسوف جيمس هارينغتون نظرة مختلفة تماماً، حيث قام بالرد على طروحات هوبز، مؤكداً على أفضلية الديمقراطية والحريات العامة لزيادة ثروة الأمة وتحقيق الرفاه لها. في العصر الحديث لا زال هذا الجدل قائماً على الصعيدين الأكاديمي والتطبيقي، فالدراسات الاكاديمية منقسمة إلى قسمين، قسم منها يؤيد فكرة أن الديمقراطية لها تأثير سلبي على نمو الدخل القومي للدول، وهي النظرية التي تدعى ‘نظرية التعارض’. وفي التاريخ السياسي الحديث للعالم نماذج لزعماء اقتنعوا تمام الاقتناع بهذه النظرية، أمثال رئيس الوزراء الماليزي مهاتير محمد الذي حكم ماليزيا لـ22 عاما متواصلة، قام خلالها بنقل ماليزيا من دولة متخلفة تعتمد على الزراعة إلى واحدة من الدول الصناعية المهمة في العالم. وخلال فترة حكم مهاتير انخفض مستوى الديمقراطية والحريات العامة في ماليزيا انخفاضاً واضحاً وكبيراً، حيث أن مستوى الحريات السياسية والمدينة خلال ولايته حققت أدنى مستوياتها منذ استقلال ماليزيا عام 1957. و في ذات الفترة ارتفعت معدلات النمو الاقتصادي ومؤشرات التنمية الشاملة في ماليزيا، ليصل متوسط دخل الفرد الماليزي الى ما يقارب 10000 دولار في عام 2012. ويبدو أن الزعيم الماليزي وحزبه الحاكم، لازالا يؤمنان بهذه النظرية حتى بعد 10 سنوات من تركه للحكم، حيث أنه صرح حديثاً في كلمة ألقاها في إحدى الجامعات الفلبينية، بأنه يعترف بأن ‘ماليزيا ليست ديمقراطية ليبرالية’. وقال مخاطباً الحضور ‘لا للثورات لا للحرب الأهلية لا للربيع العربي’. تبرر نظرية التعارض طروحاتها من خلال التأكيد على أهمية الاستقرار السياسي، من أجل إقامة نظام اقتصادي مستقر قادر على جذب الاستثمارت الخارجية والتكنولوجيا المتطورة. ويضيف مؤيدو نظرية التعارض أن الدولة الأتوقراطية هي أكثر قدرة على إبقاء الأجور في مستوى منخفض، وتغييب العدالة الاجتماعية من الدولة الديمقراطية، وذلك بسبب غياب نشاط المنظمات المدنية ونقابات العمال في الأوتوقراطيات أو الدول اللاديمقراطية. تلك الأجور المنخفضة ستعني بالضرورة انخفاض معدل الاستهلاك العام وتراكم رأس المال بيد الطبقة البرجوازية، وجذبا أكبر للاستثمارات الخارجية، وزيادة تنافسية الصادرات عالمياً، بسبب انعكاس انخفاض الأجور على انخفاض أسعار السلع والخدمات المصدّرة، وبالتالي ارتفاع كبير في الناتج القومي وتحقيق معدلات نمو عالية، وهذا تماماً ما يحصل في الصين، حيث يصل معدل النمو السنوي هناك إلى 10′ حيث أن كثيرا من الشركات العالمية تقوم بتصنيع منتجاتها هناك. على الطرف النقيض تجد ‘نظرية الاتساق’، حيث تحاول هذه النظرية إثبات أن الحريات العامة والبيئة الديمقراطية، هما من أهم المحركات التي تدفع بعجلة التقدم الاقتصادي نحو الأمام، فالحرية هي الشرط الأهم للأبداع والابتكار. وتضيف هذه النظرية أن تراكم رأس المال الناتج عن انخفاض معدلات الأجور وغياب العدالة الاجتماعية ليس كافياً للنهوض بالأمم، كما يدعي أنصار نظرية التعارض، وذلك لأن كل تجارب الأمم أثبتت أن رأس المال البشري هو العامل الأهم في النهضة الحضارية، وأن رأس المال المادي لا يكفي وحده للوصول إلى الحضارة، والأمثلة الشاهدة على ذلك كثيرة ( اليابان وكوريا الجنوبية …) بين تلك الدول التي لم تقف عن حد النمو، بل وصلت إلى درجة الدولة الكاملة التقدم، وفي فترات قياسية نسبيا. وعلى أرض الواقع فإن النموذج التركي الأردوغاني يقع في خانة نظرية الاتساق. فمنذ تقلد العدالة والتنمية الحكم في تركيا تحسنت مستويات الحقوق السياسية والحريات المدينة. ففي التقرير السنوي الذي يصدره ‘بيت الحرية الأمريكي’ ارتفع مؤشر الحريات السياسية في تركيا بنسبة 100′ وازداد مؤشر الحريات المدنية بنسبة 33′ بين عامي 2002 و2012. وترافق ذلك مع نجاح اقتصادي باهر، حيث ارتفع متوسط دخل الفرد التركي من حوالي 3000 دولار إلى 10000 تقريباً خلال نفس الفترة. لا شك أن ما حققته وتحققه الدول اللاديمقراطية، كالصين أو أنصاف الديمقراطيات كماليزيا على صعيد النمو الاقتصادي الكلي مبهر حقاً. إلا أن السؤال المنطقي الذي يفرض نفسه، ماذا لو كانت الحريات السياسية في تلك البلدان اكثر مما هي عليه؟ أليس من الممكن أن تحقق هذه الدول معدلات تقدم أعلى مما حققته؟ ففي بحث تم في واحدة من أفضل جامعات العالم، جامعة مالايا الماليزية، تم التوصل إلى أن الاقتصاد الماليزي كان مهيئا ليحقق نسبة نمو أعلى بـ 1′ سنوياً مما حققه في فترة ولاية مهاتير محمد، لو أن الزعيم الماليزي أبقى على الحريات السياسية على حالها قبل توليه رئاسة الوزراء عام 1981 . ومن ناحية أخرى فإن التأمل في النموذج التركي يؤكد أن تركيا حققت تقريبا خلال 10 سنوات فقط ما حققته ماليزيا خلال اكثر من 30 سنة، وفي هذا دليل آخر لدعم أفضلية الديمقراطية من أجل التقدم الاقتصادي. مما لا شك فيه أن تطبيق أو الاقتراب من النموذج المهاتيري في الاقتصاد السياسي غير ممكن في عالم الربيع العربي، على الأقل في المدى القريب والمتوسط، نظراً للحالة الثورية التي تعيشها المجتمعات العربية في هذه الحقبة من الزمن. وبطبيعة الحال فإن التأمل في تاريخ العالم الحديث يقود إلى أن ترسيخ مبادئ الديمقراطية والعدالة الاجتماعية في المنطقة العربية سيقود العالم العربي نحو ازدهار اقتصادي سريع . نظراً لما تتمتع به الدول العربية من ثروات وطاقات بشرية تساعدها على الإقلاع نحو الحضارة. وبناء على ذلك فإن التحدي الأكبر أمام تطبيق النموذج الديمقراطي، هو المحافظة على الاستقرار السياسي والاقتصادي، وذلك بسبب التنوع العرقي والمذهبي الكبيرين في العالم العربي.