1200 من عناصر فاغنر يقاتلون في ليبيا
تواصل موسكو الحفاظ على العلاقات مع جانبي النزاع الليبي. وعلى الرغم من وجود مؤشرات على وضع روسيا لحد ما الرهان على المشير خليفة حفتر، تواصل النظر إلى ممثلي حكومة الوفاق الوطني بمثابة شركاء لها. وأكدت موسكو رسميا على مدى السنوات الماضية أنها تتمسك بموقف واحد من طبرق وطرابلس. بيد أن هناك أسئلة تدور حول أهداف وجود الشركة العسكرية الروسية “فاغنر” في ليبيا، وصحة الأنباء عن وصول مقاتلات “ميغ” و”سو” روسية لدعم أحد أطراف النزاع.
ويرى عدد من المراقبين أن اشكالية السياسة الروسية من النزاع الليبي تكمن في حقيقة أن الهيئات الروسية الثلاث التي تعمل على المسار الليبي أي وزارة الخارجية، ووزارة الدفاع، ومجموعة الاتصال الخاصة بليبيا، لديها تقييمات مختلفة بصدد الأولويات والمصالح الروسية في ليبيا، ولديها أحيانا مواقف متعاكسة بشأن بعض القضايا. وفي رأيهم إن إشارات الكرملين نفسه حول الخط الذي سيتم تبنيه فيما يتعلق بليبيا ليس واضحا بما فيه الكفاية. وبدلا من ذلك، يتم تحديد النهج الروسي للأحداث في هذا البلد من خلال الوضع القائم. وعلى خلفية العملية التي بدأها حفتر في نيسان/ابريل الماضي، والنجاحات التي كانت متوقعة له، فإن روسيا أبدت لحد ما دعمها له. ومع ذلك، ومع استمرار العملية، سيضطر الجانب الروسي إما إلى العودة إلى خط أكثر توازناً ومراعاة مصالح طرابلس، أو بالعكس زيادة مساعدته لحفتر، بما في ذلك المساعدات العسكرية.
ووفقا لتقييم كيريل سيمينوف رئيس مركز الدراسات الإسلامية، فإن هذا السيناريو الأخير يبدو أكثر خطورة. فحتى لو اتضح أن الرهان على أن حفتر سيكون هو الرابح ولا يزال قادرًا على تحقيق النصر، فإن المستفيدين الرئيسيين سيكون الثلاثي: الإمارات والسعودية ومصر، الذين استثمروا فيه أكثر بكثير من روسيا. وضمن هذا التصور، سيكون حسب سيمينوف من المفيد للجانب الروسي الحفاظ على توازن ملموس في ليبيا. ففي هذه الحالة، يمكن لموسكو توظيف بشكل أكثر فعالية علاقاتها الخاصة، والتي تمكنت من أن تحافظ عليها مع جميع أطراف الصراع الليبي. وهذا لا يمكن أن تفتخر به دول “الترويكا” التي وضعت “كل البيض في سلة واحدة”. كما ستكون لروسيا فرصة جديدة للعب دور الوسيط في هذا النزاع، من خلال الانضمام إلى جهود فرنسا وإيطاليا.
ويبدو أنه من السابق لأوانه الحديث عن تورط عسكري روسي في ليبيا بعيد المدى، على غرار تواجدها في سوريا، ولا يمكن الاعتماد بذلك على ما أكدته واشنطن من وصول 14 وحدة من مقاتلات ميغ ـ 29 وسوخوي إلى قاعدة الجفرة، فإن هذه الطائرات لا تحمل إشارات تكشف هويتها، ويرجح مراقبون أنها أما أن تكون من بقايا القوة الجوية الليبية التي قام خبراء الفريق حفتر بإصلاحها، أو أنها من إحدى الدول التي تدعم حفتر، وقد اشترتها له من بيلاروسيا. وضمن هذا السياق قال أندريه كوشين، خبير الشؤون العسكرية: إن الأنباء بصدد مقاتلات ميغ في ليبيا، التي وصفها بالمزيفة، “تهدف إلى إثارة موجة عدائية في الفضاء الإعلامي ضد روسيا، وخلق وعي لدى الرأي العام العالمي بأن روسيا تمثل العدو”. وحسب رأيه فإن الولايات المتحدة وحلفاءها في الناتو، الذين ضربوا ليبيا حينها، يريدون الآن تحميل روسيا التبعات التراجيدية التي نجمت عن حربهم ضد هذا البلد. كما نفى مسؤولون في البرلمان الروسي أن تكون روسيا قد أرسلت مقاتلات ميغ متطورة إلى قوات حفتر.
وفي ليبيا يلعب المشرفون على الشركة العسكرية الخاصة “فاغنر” على مراكز قوى مختلفة، ولا ينشطون إلى جانب خليفة حفتر فحسب، بل يؤدون أيضًا دور أداة ضغط عليه. وعلى الرغم من نفي موسكو رسميا، فإن هناك من يرى أن روسيا تستخدم “أدوات” غير رسمية من بينها الشركة العسكرية الخاصة “فاغنر” لتمرير سياستها وتعزيز مصالحها، وتقوم هي بذلك إسوة بالدول الغربية، لا سيما الولايات المتحدة التي تعتمد على الشركات الأمنية والعسكرية مثل الأكاديمية “بلاك ووتر سابقا” في تنفيذ جملة من المهام في الدول التي تقوم فيها بعمليات عسكرية. وتجدر الإشارة إلى أن وزير دفاع الاتحاد الروسي سيرغي شويغو استقبل في 7 تشرين الثاني/نوفمبر 2018 المشير خليفة حفتر في صحبة رجل الأعمال الشهير يفغيني بريغوجين، الذي غالبًا ما تصفه وسائل الإعلام باعتباره راعيًا لشركة “فاغنر” العسكرية الخاصة.
وكانت عناصر الشركة العسكرية الخاصة “فاغنر” الروسية وفق وكالات الأنباء قد انسحبت مؤخرا من مدينة ترهونة إلى مطار بن وليد. ووفقًا لتقرير قدمته الأمم المتحدة، فإن ما يصل إلى 1200 من عناصر فاغنر يقاتلون في ليبيا إلى جانب المشير خليفة حفتر ضد حكومة الوفاق الدولي، المعترف بها دوليًا. وقال التقرير إن عناصر “فاغنر” وهم من جنسيات مختلفة من جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق، يعملون في ليبيا منذ عام 2018 “لتقديم الدعم الفني في إصلاح المركبات العسكرية والمشاركة في العمليات العسكرية”. وقال التقرير “إن أعضاء الشركات العسكرية الخاصة يعملون كمسددي مدفعية وقناصين” و”يقدمون المشورة بشأن مواجهة المراقبة الإلكترونية”. وتنفي موسكو رسميا أي علاقة لها بفاغنر. وقال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في كانون الثاني/يناير الماضي، ردا على سؤال حول وجود الشركات العسكرية الخاصة في ليبيا: “إن الروس الذين يقاتلون في هذا البلد لا يمثلون مصالح الدولة”.
وبالنظر إلى أن الرعاة الرئيسيين لحفتر هما مصر والإمارات العربية المتحدة، فهناك كل سبب للاشتباه في أن حفتر لا يدفع ثمن خدمات عناصر الشركة العسكرية الروسية الخاصة، بل إحدى تلك الدول. وفي الوقت نفسه، غادر مقاتلو الشركات العسكرية الخاصة الموقع ليس بأمر حفتر، ولكن بسبب تراجع ما يسمى الجيش الوطني الليبي على جميع الجبهات.
وخلال اجتماع مع القبائل الشرقية الليبية، قال عقيلة صالح عيسى في 27 نيسان/ابريل الماضي، أنه لا يوجد سر في وجود مستشارين سياسيين روس في ليبيا. واعترف بأنهم هم الذين دعموه بعد أن أعلن حفتر أن الجيش الوطني الليبي يسيطر على جميع الأراضي الواقعة تحت هيمنته. علاوة على ذلك، أدانت وزارة الخارجية الروسية بعد ذلك كلمات حفتر حول “حكم الرجل الواحد” ونقلت وكالات أنباء رسمية عن مصادر مجهولة دعم موسكو موقف عقيلة صالح ووصفته بأنه متوازن.
وفقا لتقرير “المجلس الروسي للشؤون الخارجية” فإن أداء حفتر ضعيف للغاية بدون مساعدة المرتزقة له، وهو لذلك يضطر إلى الخضوع لضغوط الدول الراعية له. وفي الظروف الحالية، يمكن لموسكو أن “ترد” على حفتر لخطوته في كانون الثاني/يناير الماضي، عندما رفض التوقيع على اتفاق لوقف إطلاق النار أعدته روسيا وتركيا بناء على الأرجح بطلب من الإمارات العربية المتحدة. وأرسلت روسيا إشارة إلى حفتر، مفادها أن الحكم العسكري في ليبيا غير مقبول، والآن، على ما يبدو، تعتزم الاستمرار في محاولة الترويج “لخطة عقيلة صالح” التي تشارك في إعدادها.
إن انسحاب عناصر فاغنر، من طرابلس وترهونة هو أحد مظاهر استياء موسكو. أي أن الجانب الروسي هنا يمكن أن يضغط على حفتر، حتى بدأ أخيرا انسحاب القوات من طرابلس. وكان هذا بالضبط هو الشرط الرئيسي للسراج لبدء المفاوضات، والذي عبر عنه في موسكو.