الثمن الأدنى
إن نتنياهو، كما يقول أحد الاشخاص الذين تابعوه من قريب، يجد في كل يوم على طاولته طائفة من المواضيع التي تحتاج الى قرار، وهو يختار دائما الخيار الذي ثمنه هو الأدنى. إن اعلانا بتجميد البناء في المستوطنات أو تفاوضا على أساس خطوط 1967 كانا يهددان سلامة حكومته. والافراج عن سجناء حتى السجناء من مواطني اسرائيل، مؤلم لكنه غير مهدِّد من الجهة السياسية. ففضل ألماً مؤقتا على تهديد طويل، ومواجهة للعائلات على مواجهة للمستوطنين.
وهذا ما سيكون في التفاوض بعد ذلك، فستنشأ منافسة في الأسعار ومنافسة في الضغوط: وسيكون تحدي مؤيدي الاتفاق ومعارضيه أن يضعوا على طاولة نتنياهو أرخص خيار بالنسبة اليه في تلك اللحظة، وسيخيب أمل من يتوقع خطة شاملة.
إن نائب وزير الخارجية زئيف الكين متأكد من أن نتنياهو لن يوقع على اتفاق، وهو يقول ‘الفرق بين ما عرضه اولمرت وما يعرضه نتنياهو لا يمكن التقريب بينهما. ولن يوافق الفلسطينيون على قبول أقل مما عرضه اولمرت عليهم. أنا آمل واؤمن بدرجة 99 في المئة ان نتنياهو لن يبلغ الى الموضع الذي كان اولمرت فيه لأنه لا يمكن ان تكون هناك وتقود الليكود’.
وسألت: ما الذي يريده نتنياهو اذا في الحقيقة؟ ‘نتنياهو يلعب بالوقت. ستنتهي الاشهر التسعة في أيار/مايو 2014. وسيكون الجهاز السياسي الامريكي مشغولا بالانتخابات المتوسطة التي ستتم في تشرين الثاني/نوفمبر، وسيصبح اوباما بعد الانتخابات المتوسطة بطة عرجاء’.
إن نتنياهو في نظر الكين ينتمي الى ليكود الأمس والى يمين الأمس. وقد كان نصف الاصوات التي ذهبت لليمين في الماضي لما يسميه الكين ‘اسرائيل عامة’. ويوجد اليوم في نواب اليمين الستين 13 للحريديين و17 للقبعات المنسوجة و16 للروس و14 فقط للجمهور العام، فالذي يريد ان يُنتخب في اليمين لا يستطيع ذلك بغير القطاعات.
إن دخول نتنياهو الى التفاوض يُذكر الكين بفترة الانفصال ويقول: ‘يوجد فرقان، الاول أنه لا يوجد اليوم خيار للمعسكر المعتدل ليفعل ما فعله شارون ولينشئ حزب مركز. وقد كان من عناية الرب ان تجتاز كديما نسبة الحسم وتحصل على نائبين وان تكون مثالا حيا لفشل الانقسام ذاك وتذكيرا لكل من يفكر في هذا في الليكود. والسبب الثاني ان المركز مليء فلبيد يملؤه’.
قلت: لكن لا أحد يهدد نتنياهو. فقال الكين: ‘صحيح، كان لشارون نتنياهو الذي كان يمكنه ان يحل محله، وليس لنتنياهو نتنياهو آخر. وليس لليمين في الليكود زعيم. تحدثوا في الماضي عن بوغي يعلون، لكن يعلون يُخيب أمل اليمين مرة بعد اخرى.
‘إن نتنياهو غير مهدد من جهة، وهو من جهة اخرى مُعوق. فقد ثار عليه هذا الاسبوع اربعة رؤساء من المؤسسات في الليكود وهم: رئيس الكتلة الحزبية ياريف لفين، ورئيس أمانة السر اسرائيل كاتب، وأنا رئيس الديوان ورئيس المركز داني دنون، بل ثار عليه رجله أوفير ايكونيس’.
وسألته لماذا عارض إدخال عرب من مواطني اسرائيل في صفقة السجناء. أليس يرى أن حكم عرعرة كحكم نابلس، وأن حكم أم الفحم كحكم رام الله.
قال: ‘هذا صحيح، لكن يوجد فرق ما لم نضم نابلس. وان الافراج عن قتلة لا يدفع بالسلام الى الأمام’.
حينما نتحدث الى معارضي التفاوض في الليكود، يصعب أن نعلم هل معارضتهم حقيقية، أولن يأتي اليوم الذي يقولون فيه ايضا كل واحد في نوبته إن ما يرونه من هناك لا يرونه من هنا. وقد أقسم الكين أن هذا لن يحدث معه. ‘أنا نائب وزير منذ نصف سنة وما زلت أرى الامور كما رأيتها قبل ذلك’، يقول. إن الجانب الساخر في هذا الامر هو ان اولئك الساسة الذين يبذلون أقصى ما يستطيعون لافشال رئيس وزرائهم، يعملون في موازاة ذلك على إمضاء قوانين تقضي على قدرة المعارضة على كف رئيس الوزراء. وهم لا يعلمون أن القدرة على الحكم تبدأ في البيت.
أسير ضغط
في نيسان/ابريل من هذه السنة وقف اوفير ايكونيس نائب الوزير المسؤول عن الصلة بين الحكومة والكنيست على منصة الخطباء في الكنيست وقال ما يلي: ‘أنا مخول بأن أجيب عن الموقف الاسرائيلي: لا يوجد قرار اسرائيلي على الافراج عن مخربين. وآمل ألا يوجد ضغط (امريكي) لأن الضغط لن يساعد. فليست سياسة الحكومة هي الافراج عن مخربين’.
وفي هذا الاسبوع اعتذر ايكونيس في صفحته على الفيسبوك: ‘أريد أن أعتذر للعائلات الثكلى التي فهمت مني أنه لا توجد نية (للافراج عن قتلة أعزائها). ويؤسفني من أعماق قلبي أن جهات مختصة كانت مشاركة في التفاوض قد ضللتني’.
وأشار ايكونيس بعبارة ‘جهات مختصة’ اشارة خفية الى مجلس الامن القومي. فقد توجه الى رئيس مجلس الامن القومي الذي ترك عمله، اللواء (احتياط) يعقوب عميدرور، وسأله لماذا ضللوه، فقال عميدرور إن ما أُبلغ لايكونيس كان صحيحا في الوقت الذي أُبلغ فيه. وصعب على ايكونيس أن يُصدق.
حينما أبلغ رئيس الوزراء الوزراء بأمر صفقة السجناء، تحدث عن 82 سيُفرج عنهم. ولم يكن العدد صحيحا لأن اسرائيل التزمت بالافراج عن 104، وحينما طلب وزراء تفسيرا للفرق أُجيبوا بنفس الجواب وهو انه حينما تحدث نتنياهو عن 82 كان العدد 82. وزاد العدد بعد ذلك تحت الضغط الامريكي.
إن قضية السجناء اذا تجاوزنا الجوانب الشعورية والقانونية التي تصاحبها، تعرض سؤالا دستوريا وهو: هل كذب رئيس الوزراء والعاملون معه؟ وهل يجوز لهم ان يكذبوا ومتى ومن وفي أي المواضيع، ومتى لا يجوز لهم؟.
زعم أحد المقربين من أبو مازن على مسامعي هذا الاسبوع ان كل ذلك سخافات، لأنه قُدم منذ بدء التفاوض قائمة أسماء تشمل 104 سجناء منهم 14 من مواطني اسرائيل. ووضعت القائمة في جيب بدلة كيري وفي جيب بدلة نتنياهو ولم يُغير فيها اسما واحدا.
اجل، حينما ذكر بوغي يعلون فوق منصة الكنيست عدد 82 سارع احمد الطيبي الى اصلاحه بـ104 وكان الطيبي صادقا.
تزعم عناصر اسرائيلية مُطلعة على القائمة أن الرواية الفلسطينية غير دقيقة. أولا إن قائمة أسمائهم غير مُحدثة، وثانيا يوجد جدل في التاريخ الذي يؤثر في العدد، فالتاريخ صاحب القرار بالنسبة للاسرائيليين هو المراسم في البيت الابيض في ايلول/سبتمبر 1993؛ وهو بالنسبة للفلسطينيين التوقيع على اتفاق السجناء في القاهرة في مايو 1994.
وقد جدّوا وفحصوا في وزارة القضاء ووجدوا ان السجناء الـ121 هم في السجن منذ كانت اوسلو، ومكّن هذا نتنياهو من التوصل الى مصالحة مؤقتة مع سلفان شالوم ووزراء آخرين ثاروا بسبب الافراج عن الاسرائيليين. يوجد 104: ليس بينهم اسرائيليون الى الآن، وسيُفرج عن الاسرائيليين في النهاية، وحينما يُدخلون الاسرائيليين من جديد، اذا أدخلوهم، فسيأتون بالقرار لتوافق عليه الحكومة.
وأراد أحد وزراء الحكومة ان يفهم التاريخ بصورة أفضل فتوجه الى المحامي موشيه شاحل. كان شاحل في فترة اوسلو وزير الامن الداخلي وكان دافيد ليفئي وزير القضاء. وقد عينهما رابين للفحص عن قضية الافراج عن السجناء: كان في السجون آلاف السجناء الذين اتُهموا بالعضوية في فتح. وبعد ان اعترفت اسرائيل بالمنظمة لم يعد يوجد سبب للاستمرار على إبقائهم في السجون. ووجد آخرون. وطُرح للبحث 3789 سجينا.
‘طلب نبيل شعث الافراج عن مواطنين اسرائيليين’، يقول شاحل. ‘قلت، مِش ممكن. وتكمش شعث ولم يفتح فمه’.
وعندما سألت شاحل ماذا كان سيفعل الآن لو احتاج الى مصالحة مبدئية فقال: ‘اؤيد تجديد التفاوض. لو أنهم استشاروني لقلت لهم اتجهوا الى مسار تحديد العقوبة، فيحدد رئيس الدولة العقوبة ويُفرج عنهم. ولا تتجهوا الى هذا الاطار.
‘أتقولون انه يجب علينا ان نقوم بتفضل؟ لا بأس. اتجهوا الى السن. واتجهوا هنا الى الجميع’.
يتذكر شاحل جيدا متظاهري الليكود الذين بصقوا في وجه أمنون شاحك حينما جاء الى موقع عملية تفجير. ‘لو أن حكومة لحزب العمل قامت بهذه الصفقة لأنشأوا لنا احتفالا ضخما’، قال للوزير الذي توجه اليه.
واقتنع الوزير وصوت في الحكومة معترضا على الاتفاق.
يديعوت 2/8/2013