زهرة مرعي
في لبنان قراران ظنيان يتفاعلان على الساحة السياسية والإعلامية. إنهما القرار الظني المنتظر صدوره عن المحكمة الدوليةن الذي بات مؤكداً أنه مسيس كما هي حال المحكمة منذ تأسيسها، والقرار الظني الذي صدر عن المحاكم اللبنانية بحق رئيس مجلس إدارة محطة تلفزيون ‘ال بي سي’ أي بيار الضاهر. أما هذا القرار الظني فيقول بسوء أمانة من قبل الضاهر بحق القوات اللبنانية، ويقول بحقوق شرعية للقوات بهذه القناة. وهذه القضية موجودة أمام القضاء اللبناني منذ سنة 2007. أما القرار الصادر حديثاً فوصفه محامي الضاهر بالكيدي، خاصة مع وجود وزير عدل يدين بدين القوات ويحسب عليها. وزير ووزارة استماتت القوات اللبنانية في الحصول عليهما اثناء فترة تشكيل الحكومة ولم تعرف أسباب ذلك القتال في حينها. حالياً بات يتردد في الأروقة الإعلامية والسياسية وعلناً بأن القوات أرادت هذا المنصب الوزاري للوصول إلى هذا القرار القضائي. هذا القرار الذي صدر قبل حوالى الأسبوعين صار شاغلاً لبرامج ‘أل بي سي’ خاصة الكوميدية منها. إنما المنبر الأساسي الذي فتحه بيار الضاهر أمام نفسه فكان عبر ‘كلام الناس’. في هذا الحضور بدا بيار الضاهر رجل ‘البزنيس’ الناجح، فيما كانت كافة الاستعدادات الإعلامية مضافة إلى هذا المنطوق الكلامي ومساندة له وتقول بأن القوات مؤسسة عسكرية مرقطة حتى وإن لبست في لحظات لبوس السلطة المدنية.
وتحت عنوان ‘آن الآوان.. أل بي سي لمن’ فتح بيار الضاهر ناره ووثائقه وتواريخه وهواء ‘ال بي سي’ ليقول بحق سمير جعجع ما لم يقله مالك بالخمرة. فالضاهر الرائد عربياً في سبر أغوار البث الفضائي، والرائد في إدارة الإعلام الخاص المتلفز عربياً أيضاً، استخدم كل إمكانات الهواء المتاحة ليقول كلمته، وليظهر الحقيقة من وجهة نظره. فقد حرص الضاهر ليظهر نفسه رجل مؤسسات ودولة، فيما كان جعجع مغرق في ممارساته الميليشياوية. فعودة الدولة قلصت موارد القوات المالية في التسعينيات، لهذا وبحسب الضاهر كان ‘جعجع يريد عودة الدولة ظاهراً فقط’. أما كيل الضاهر فقد طفح من القوات حين أجبروا مواطناً وبقوة السلاح للتنازل عن بيته لسمير جعجع ليكون بيتاً له ولزوجته. عندها وفي سنة 1988 قدم استقالته من ‘أل بي سي’، ‘ومع سمير جعجع ما بدي اشتغل’. قالها الضاهر على الهواء.
حوالى الثلاث ساعات على الهواء في ‘آن الأوان..’ استخدمت خلالها ‘أل بي سي’ كل ما لديها من إبداع حاضر، وقدمت في صور إبداع الماضي حين كانت ‘ال بي سي’ الأولى عربياً، صارت القناة ‘فراشة ملونة’. انتهى الشريط بتعليق الضاهر ‘بدك تقلّي القوات فيا تعمل هيك إبداع’؟ في كيفية تبيان وجهة نظر الضاهر من أن سمير جعجع باعه ‘ال بي سي’ حين شعر بأن الدولة اللبنانية بدأت تتمأسس مع بداية تطبيق اتفاق الطائف، ولم يكن للقناة شرعية وكانت تعيش في أبنية مصادرة ووسط المتاريس. وحين شعر بشكل قاطع بعدم شرعية الكيان القائم للمحطة التلفزيونية قال جعجع للضاهر ‘بتشتري إل بي سي’؟ وهكذا كان تأسيس شركة جديدة اشترى فيها الضاهر الأصول والديون. وعندها صدر التعليق المدروس لمارسيل غانم ‘مثل ما سلم سلاحو العسكري سلم الإعلام’؟ ورد الضاهر: ‘لم توقع العقود والتنازلات إلاّ بعد أن تقاضى جعجع حوالى خمسة ملايين دولار’. لم يقتصر الحوار على الديو المتناغم والمعد جيداً الضاهر غانم والمدّعم بريبورتاجات على الأرض تدعم ‘شروق شمس ال بي سي وسطوعها’ في الفضاء اللبناني والعربي ‘وما في متلا’، بل صار الثنائي خماسياً مع الاستعانة بآراء قانونية، سياسية، ووظيفية عاصرت تلك المرحلة التي تمّ فيها الترخيص الرسمي للاعلام الخاص. وكذلك حضرت آراء من خارج الاستوديو جميعها أكد عدم شرعية مطالبة القوات اللبنانية بما يُسمى حقوق أو سوء أمانة في ‘أل بي سي’ ومن قبل الضاهر. فشهية جعجع لإعادة السيطرة على ‘ال بي سي’ بدأت مع خروجه من السجن في منتصف 2005. كثيرة جداً المعطيات التي أبرزها الضاهر والتي تقول بملكيته للقناة، لكن بماذا سترد القوات ومن أية قناة؟ فهل ستختار قناة المستقبل أو قناة ‘أم تي في’ الناطق الرسمي باسمها؟
والسؤال: هل سيقول القضاء اللبناني ‘المملوك حالياً من القوات اللبنانية’ بعودة سيطرة القوات على القناة فيعود إليها المارش العسكري، لأن جعجع لم يتخل عن عقليته العسكرية؟ وهل سيفتقد المشاهد اللبناني والعربي تلك الصورة التي ظهر فيها لبنان بهياً شهياً من خلال ‘أل بي سي’ بيار الضاهر العربي المميز جداً في الإعلام المرئي؟ هذا ما ستقوله الأيام.
أصحاب البلادلأول مرة نقرأ ونشاهد هذا التعريف عن الفلسطينيين الذين لم يهجروا بلادهم سنة 1948 إنهم ‘اصحاب البلاد’. حقاً هو تعريف صائب تُشكر عليه المخرجة دلال الضامن التي قدمت الخميس الماضي حلقتها الأولى من الوثائقي الذي حمل هذا التعريف، والذي يتألف من أربع حلقات تُبث على قناة الجزيرة. لقد حاروا وحرنا بتعريف هذا المليون ونصف مليون فلسطيني غير الموجودين على لوائح الشتات، بل هم من بقوا في أرض آبائهم وأجدادهم. تارة هم عرب الـ48، وتارة هم عرب الخط الأخضر، وتارة أخرى هم عرب إسرائيل، إلا أن التعريف الأشد قسوة هو بوصف هؤلاء بالعملاء حين قبلوا الجنسية الإسرائيلية التي فرضت عليهم.
دائماً حين نكون حيال وثائقي جديد عن فلسطين وأهلها نسأل ما هو الجديد؟ وقبل أن نطرق المضمون والسياق الذي حكم العمل، يكفي أن نقول بأهمية أن نرافق فلسطين لساعة من الزمن تتنقل فيها الكاميرا بحرية في أصقاعها. ساعة من الزمن نكاد فيها نتلمس التراب ونكاد نشم رائحة الصعتر والطيون. وأن نلتقي المواطنين الصامدين الصابرين على ممارسات عدو غاشم ولئيم كل هدفه محو الهوية العربية وتدميرها نهائياً.’أصحاب البلاد’ جرى وفق سياق معلوماتي واقعي وتحليلي واستنتاجي قيِّم من قبل فلسطينيين معنيين ومختصين بتوثيق الذاكرة وحفظها وتسليمها أمانة من جيل لآخر. هو وثائقي يضاف إلى الكثير غيره، لكنه يضيف إلى المعروف والمكشوف من جرائم الاحتلال جرائم جديدة. أصحاب البلاد يروون بألسنتهم ذلك الأسى الذي عاشوه حين استفاقوا على وجود كل البيئة الإنسانية المحيطة بهم وقد اختلفت جذرياً. وأقسى ما في تلك التبدلات ارغام السكان من قبل جيش الاحتلال بالسكن مع المهاجرين اليهود الجدد، وفي البيت نفسه حيث تشاركوا مع عدوهم المطبخ ودورات المياه.
روى الوثائقي ابتكارات الصهاينة في مصادرة الأراضي، حيث قال النائب جمال زحالقة ان في الدولة العبرية 25 قانوناً لمصادرة الاراضي. حكوا عن الحاكم العسكري وكيف كان يتدخل حتى في أسماء المواليد الجدد. فاسم جمال بعد بزوغ نجم جمال عبد الناصر كان اسماً متطرفاً. وحين قال المُعلم العربي لتلامذته ‘عليك مني السلام يأ أرض أجدادي، تمّ فصله من عمله’. راحت فلسطين وكانت الصدمة قوية في الوجدان العربي، هكذا قال الجزء الأول. ماذا بعد في الأجزاء المتبقية من الوثائقي؟ أكيد حكامنا مرضى نفسيونتوقعنا حلقة حامية تقول ما هو واضح وجلي في وصف الصحة النفسية لحكامنا العرب المغتصبين للسلطة تحت استفتاءات تصل لنتائج 99 بالمئة من أصوت المواطنين المقهورين. لكن تجري الرياح… فقد جاءت تحليلات الاستشاري النفسي الدكتور هاني السبكي مجانبة للحقائق. وهي تحليلات بالكاد كانت تتقدم نحو توصيفات واقعية ومنطقية. ويمكن وصف مقاربة الاختصاصي للموضوع الذي كان بصدده وكأنها من بعيد لبعيد. فهو أراد في تحليله أن يراعي جانب الحكام العرب، ومنع عنهم ما يستحقونه من أوصاف على مساهمتهم البارزة في تعميم الفساد والمحسوبية وانعدام العدالة الاجتماعية. والأهم أن هذا الحاكم يعيش مرض السلطة ويريد التمسك بها حتى آخر رمق. وقد كان لافتاً أن يقول الاختصاصي ‘انه من الصعب وجود حاكم مريض نفسياً’. في هذا الاستنتاج خرج الاختصاصي عن قناعات كافة المثقفين العرب الذين يرون في الحاكم كتلة من الأمراض، تنعكس على من حوله من فاسدين، ومن ثم تنعكس بالتدريج على سلوكيات البشر الذين يضطربون كلما تناقصت الفرص المتكافئة، وكلما انعدمت العدالة الاجتماعية.
إذاً سلسلة الأمراض والانحرافات التي يعيشها عدد من المواطنين ناتجة عن تلك القدوة السيئة التي يعطيها الحاكم.
صحافية من لبنان[email protected]