هل سيري دستور ليبيا الجديد النور وكيف؟

حجم الخط
0

محمود النـــاكوع

في العشرين من آب (اغسطس) 2007 تحدث السيد سيف الاسلام القذافي رئيس (مؤسسة القذافي للتنمية) عن قضايا عدة، شملت الاقتصاد وحقوق الانسان وحرية المنابر ومشروع دستور جديد للبلاد. ومن المعروف ان ليبيا ومنذ استقلالها عام 1951 عرفت دستورا واحدا. وضع ذلك الدستور قبيل اعلان الاستقلال، وتم صدوره بالتحديد في السابع من تشرين الاول (اكتوبر) عام 1951. ورغم ظروف المجتمع في ذلك الوقت، ورغم الصراعات الدولية التي صاحبت ميلاد دولة الاستقلال، فان ذلك الدستور جاء مناسبا وربما متقدما عن واقع الحياة الثقافية والاجتماعية والاقتصادية في تلك المرحلة. ثم جري تعديله عام 1963 ليصبح اكثر ملاءمة مع التطورات الاقتصادية والسياسية في البلاد، وبمقتضي ذلك التعديل تم الغاء النظام الاتحادي، اي نظام الولايات، واصبحت ليبيا تحكم مركزيا، بعد ان كانت السلطات موزعة ومرتبكة بين مؤسسات الولايات، ومؤسسة الحكومة الاتحادية… وفي الاول من ايلول (سبتمبر) عام 1969 انتهي النظام الملكي بكل مؤسساته بفعل حركة الضباط الوحدويين الاحرار، وانتهي العمل بالدستور… وبدأ الحكام الجدد مرحلة جديدة بشعاراتها وسياساتها ورجالها، ومنذ بداية الحكم العسكري وتطوراته السياسية لم تعرف البلاد (الدستور) بمعناه المتعارف عليه في النظم الديمقراطية. وانما عرفت مجموعة من المبادئ العامة التي وضعت من طرف من يحكم مثل الاعلان الدستوري المؤقت في بداية الثورة، ووثيقة سلطة الشعب، والوثيقة الخضراء لحقوق الانسان، والنظرية العالمية الثالثة ومصدرها الكتاب الاخضر بفصوله الثلاثة. وكل هذه المبادئ او جلها تنسب الي العقيد معمر القذافي قائد الثورة ومنظرها عبر كل المراحل التي مرت بها وحتي الآن. ومنذ سنوات قليلة بدأ الحديث عن ضرورة وضع دستور للبلاد، وانه لا يجوز ان تظل البلاد بدون دستور يحدد نوعية النظام السياسي للدولة، ويحدد جملة من القواعد العامة التي تنظم العلاقة بين مؤسسات الدولة والمجتمع، وتحدد الحقوق والواجبات، وكيفية التداول علي السلطة. وقد تشكلت بالفعل اكثر من لجنة لوضع مسودة دستور، وشارك في تلك اللجان خبراء ليبيون واجانب، وظلت تلك المسودات مطوية في مكان ما… وفي حديث السيد سيف الاسلام الاخير والمشار اليه في بداية هذه المقالة، اكد بوضوح ان هناك خطوات قد بدأت في اتجاه وضع دستور للبلاد، واشار الي عدد من المواد التي سيتضمنها الدستور الجديد واعتبرها من الثوابت، او من المواد الرئيسة، ومنها: الاسلام، ووحدة التراب الوطني، وصيانة الامن الوطني، وموقع معمر القذافي. وقال سيف الاسلام ان تلك الامور الاربعة تعتبر خطوطا حمراء، اي انه لا يجوز تجاوزها ولا المساس بها…. مسألة وضع دستور جديد للبلاد تدور حولها نقاشات كثيرة داخل البلاد، وخارج البلاد. وهي نقاشات وحوارات علنية عبر الفضائيات، ومواقع الانترنت، وفي المنتديات بمختلف مستوياتها. ويمكن تقسيم المعالجات الجارية الي ثلاثة اتجاهات، وجميعها معالجات سياسية: اتجاه يؤكد علي اهمية الدستور القديم الذي وضع عام 1951 اي قبل ستة وخمسين عاما، ويريد ان يجعل منه الوثيقة الشرعية الوحيدة، وان يبطل به كل ما حدث منذ 1969 وهو اتجاه فيه من ما زال يحن الي الملكية، وربما يرغب في ان تعود ليبيا الي النظام الملكي، بينما يري بعض من هذا الاتجاه ان يكون دستور 1951 وثيقة تاريخية قابلة للتعديل والاضافة، دون ضرورة العودة الي الملكية. وهناك اتجاه آخر يتبني الدعوة الي وضع دستور جديد للبلاد يتناسب مع الظروف الحديثة للمجتمع الليبي ومع التطورات الدستورية في العالم، وان يؤكد هذا الدستور علي الخيار الديمقراطي النابع من الشعب، عن طريق انتخاب جمعية وطنية بالاقتراع المباشر من قبل الشعب، وتكون مهمة اعضائها وضع الدستور الجديد في ظروف واجواء من الحرية والشفافية التامة، وبحضور مراقبين من المؤسسات الاقليمية والدولية المعنية بهذا الموضوع، ويري هذا الاتجاه ان الدستور القديم لم يعد صالحا، ولا يتلاءم مع العصر وما حدث فيه من تحولات كبيرة في حقوق الانسان، ووضع المرأة، والحريات العامة، والتعددية السياسية، وليس لذلك الدستور القديم اي قيمة الا القيمة التاريخية، باعتباره اول دستور لدولة الاستقلال. اما الاتجاه الثالث فهو اتجاه السلطة الحاكمة الآن في البلاد وصاحبة القرار، وهو الاتجاه الذي عبر عنه السيد سيف الاسلام الذي اصبح يحتل موقعا فاعلا في ادارة شؤون البلاد بتفويض من والده، كما قال هو في مرات عدة. وهو اتجاه يحاول ان يحافظ علي موقع مميز للعقيد معمر القذافي باعتباره قائدا، بل باعتبار انه هو المرجعية العليا في النظام السياسي القائم. وفي الوقت ذاته يسعي هذا الاتجاه الي تنظيم شؤون الدولة بحزمة من القوانين تعطي للمؤسسات الرسمية والاهلية ان وجدت هوامش وصلاحيات تمكنها من تحقيق اهداف لم تتمكن تجربة المؤتمرات الاساسية واللجان الشعبية من تحقيقها خلال العقود الماضية، ويبدو من حديث 20 آب (اغسطس)، ومن مشهد افتتاح عدد من المشروعات التنموية، ان سيف الاسلام هو الذي سيتولي قيادة عملية التحول من التجربة الشعبية الفاشلة الي تجربة اخري هدفها تطوير المؤسسات الموجودة، وربما الغاء بعضها.. وقد بدأ فعلا في ممارسة هذا الدور فأصبحت له مشروعات تعكس الي حد كبير افكاره وخياراته ومنها: فضائية (الليبية، وصحيفتان، واذاعة اف ام ) وله ايضا عدة مبادرات وطنية ودولية جعلته يتمتع بسلطات رئيس حكومة بحكم الواقع، ولكن كل هذا النشاط، وكل هذه السلطات مرهونة برضي والده، ويمكن ان تسحب منه في اي لحظة، لانه لا احد له حماية دستورية او قانونية… من هذا العرض الموجز، ومن اجواء الممارسة السياسية في البلاد، يحق لكل مواطن ليبي، ولكل مراقب ان يتساءل هل دستور ليبيا الجديد سيتم انجازه فعلا؟ وهل سيري النور قريبا؟ واي نوع من الدساتير سيكون؟8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية