على مبعدة يومين من الخامس والعشرين من تموز/يوليو تاريخ إعلان قيس سعيد قبل عامين عن ما اعتبرها في ذلك الوقت مجموعة من «التدابير الاستثنائية» التي كانت بنظره ضرورية لإنقاذ تونس من خطر داهم كان يتهددها وفقا لتقديره، ورآها معارضوه عملية انقلاب واضحة المعالم ومكتملة الأركان وخروجا بينا وصريحا على الشرعية الدستورية بهدف وضع كل السلطات بيد رجل واحد، لا يبدو أن البلاد قد بدأت بالخروج فعليا من عنق الزجاجة وباتت قادرة على مواجهة التحديات والصعوبات الاقتصادية والاجتماعية العديدة التي تتخبط فيها رغم وجود بعض المؤشرات التي قد تعطي انطباعا على أنها بدأت بقطع بعض الخطوات نحو ذلك مثل الإعلان الخميس الماضي عن التوقيع على اتفاق للحصول على قرض سعودي بقيمة 400 مليون دولار سيخصص لدعم ميزانية الدولة، والحديث عن شروع تونس في إعداد مقترح بديل لتقديمه إلى صندوق النقد الدولي لأجل الحصول على قرض قيمته 1.9 مليار دولار تم التفاوض حوله العام الماضي ولم يتم التوصل حتى الآن لاتفاق حوله بعد ان اعتبر سعيد أن «صفقات صندوق النقد الدولي لتقديم الدعم المالي لتونس غير مقبولة لأنها ستمس بالسلم الأهلي الذي ليس له ثمن» وفقا لما جاء في بيان نشرته الرئاسة التونسية. ولا يبدو واضحا في السياق نفسه ما إذا كانت مذكرة التفاهم التي جرى التوقيع عليها الأحد الماضي في قصر قرطاج بين السلطات التونسية والاتحاد الأوروبي حول الشراكة الاستراتيجية والشاملة بينهما والتي انتقدتها مختلف التيارات المعارضة بشدة، واعتبرها بيان جبهة الخلاص الوطني وهي ائتلاف معارض لنظام سعيد «مهينة» وجرت «دون إدارة حوار وطني حولها ودون إعلام الشعب الذي يدعي تمثيله بمضمونها» سوف تعطي الاقتصاد التونسي جرعة الأوكسجين الحيوية التي يحتاجها بشكل عاجل وفوري. وعلى أي حال فإن غموض الأفق على المستوى الاقتصادي بات يتقاطع بشكل كبير مع الضبابية الشديدة التي يعرفها المشهد السياسي الآن. فحتى مع إصدار سعيد في آذار/مارس الماضي مرسوما لتنظيم انتخابات المجالس المحلية وتركيبة المجالس الجهوية ومجلس الأقاليم الذي نص عليه دستوره للعام الماضي فلا أحد يعرف بعد ان كانت الانتخابات الرئاسية التي يفترض أن تجري العام المقبل ستتم في موعدها أم لا وان تمت فتحت أي شروط أو ظروف ستجري؟ وهل أن المعارضة ستشارك فيها أم أنها ستغيب عنها وستقاطعها كما قاطعت الاستحقاق التشريعي الأخير؟ وبالنسبة لمعظم التونسيين فإن تلك الأسئلة وغيرها قد لا تحتل الصدارة في سلم انشغالاتهم واهتمامتهم. وواحد من بين أقوى الاسباب التي تجعلهم لا يعتبرونها ملحة وذات أولوية قصوى بالنسبة لهم هو أن الأزمة الاقتصادية والمعيشية الطاحنة التي يكتوون بها منذ عدة شهور جعلت معظمهم يفكر وبشكل أساسي في تأمين المعاش والقوت اليومي قبل التركيز على أي شيء آخر. وتلك أكبر معضلة تواجه كل الفاعلين السياسيين على حد سواء. فهم يدورون جميعا ومنذ عامين داخل الحلقة المفرغة نفسها.
خطاب شعبوي
فيما يمضي الرئيس قيس سعيد قدما في الطريق الذي اختاره غير مبال أو مهتم بالانتقادات التي يوجهها له خصومه وغير منفتح أو مستعد لأي حوار مع معارضيه بل ومديرا ظهره حتى لمؤيديه ومن يعتبرون أنفسهم أبناء مشروعه السياسي، يواصل التعبير من جانب آخر عن غضبه وتبرمه مما يعتبرها مؤامرة تدبر لإسقاط نظامه يقودها من دأب على وصفهم مرات بالعملاء والمرتزقة وأخرى بالأطراف المجهولة التي لم يحددها بالاسم مكتفيا بالإشارة في بعض تصريحاته وخطاباته إلى انها باعت ضمائرها وتحالفت لضرب الدولة التونسية من الداخل وأن همها الوحيد هو العودة إلى السلطة بعد ان لفظها الشعب وأخرجها من التاريخ على حد تعبيره، ومشيرا مثلما فعل ذلك الثلاثاء الماضي مثلا إلى أن «التنكيل بالشعب في قوته ومعاشه وحقه الطبيعي في الماء إلى جانب التنكيل به في التعليم والثقافة ليس من قبيل الصدفة بل هو مدبر لضرب الوطن والدولة» فيما ينفي معارضوه بالمقابل أي وجود لتلك المؤامرة المزعومة معتبرين أن عجزه عن إيجاد البدائل والحلول العملية والواقعية للمشاكل الاقتصادية والاجتماعية الجمة التي تعيشها البلاد هو ما جعله يروج لخطاب شعبوي مضلل ويعلق شماعة العجز والفشل على أشباح وقوى هلامية لا وجود لها في الواقع. غير أن النتيجة في كل الأحوال هي أن التكرار المستمر للخطابين بطريقة متواترة دون أن يحصل أي تغير أو تحسن على الأرض أو يرى الناس ولو بارقة أمل واحدة في أن يحمل لهم المستقبل القريب أي علامة على قرب انفراج أوضاعهم يفاقم من إحباطهم ويصيبهم بحالة من النفور والازدراء للسياسيين عموما ويجعل ردة فعلهم مضادة وفي المطلق لأي فعل أو عمل سياسي. كما أن الأسلوب الذي يتعامل به سعيد مع الأحزاب السياسية والهيئات المدنية أو ما يعبر عنه عموما بالأجسام الوسيطة والذي يقوم على تهميشها وإضعافها بشكل تدريجي من خلال عدة طرق كالمتابعات والملاحقات القضائية لبعض رموزها وقادتها أو تغيير قواعد اللعبة الانتخابية بشكل لا يسمح لها بتقديم قوائم حزبية، تزيد من حالة العزلة المضروبة حولها. ففي حين أنه لم يلغ الأحزاب ولم يبادر إلى حظر أو حل أي واحد منها رغم أن تصوراته لما يعرف بـ«البناء القاعدي» تتعارض تماما مع وجودها، إلا انه جعل كل نشاطاتها وأدوارها تقتصر تقريبا على إصدار بعض البيانات أو القيام ببعض التظاهرات المحدودة في بعض المناسبات القليلة لا غير. وكانت الضربة الأكبر التي وجهها لها هي تلك التي استهدفت واحدا من أبرزها وهو الحزب الذي كانت لديه أكبر كتلة في البرلمان أي حزب حركة النهضة، وتمثلت في إصدار قرار بغلق مقره المركزي وكافة مقراته الجهوية في نيسان/ابريل الماضي بعد اعتقال زعيمه ورئيس البرلمان الشيخ الغنوشي، ما اعتبره النهضويون «منعا مقنعا للنشاط السياسي» للحزب حسب ما جاء في أحد بياناتهم. كما أن الطريقة التي تعاملت بها السلطة مع الحزب الدستوري الذي لطالما عرفت زعيمته عبير موسي بتنظيمها للاعتصامات ذات الطابع الاستعراضي، حدت من تحركاته وقلصت إلى حد كبير من حضوره الطاغي في وسائل الإعلام وما كان يرافق نشاطاته من مظاهر بروباغندا لافتة. ويبدو مصير المبادرة التي أعدها اتحاد الشغل وهو أكبر التنظيمات النقابية في تونس مع عمادة المحامين التونسيين والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان والمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية لاطلاق حوار مع الرئاسة والتي أشار الأمين العام للاتحاد في الأول من ايار/مايو الماضي إلى انه «قد تم تغيير اسمها من مبادرة الإنقاذ الوطني إلى مبادرة تونس المستقبل» وقال إنه «سيتم تقديمها لرئاسة الجمهورية بعد الانتهاء من بلورتها ووضع مضامينها» غامضا ومجهولا. فالصوت النقابي وصوت الهيئات المدنية والحقوقية بات خافتا جدا ولم يعد بالقوة التي كان عليها مثلا في 2014 حين قامت تلك المنظمات بلعب دور الوسيط بين الفرقاء السياسيين وأشرفت على ما عرف بالحوار الوطني الذي أفضى فيما بعد إلى استقالة حكومة علي عريض وتكوين حكومة توافقية برئاسة مهدي جمعة. كما أن الصوت الإعلامي بات يفتقد للتنوع والتعدد الذي عرف به في السنوات الأخيرة بفعل انتشار ما يعرف بالرقابة الذاتية في أوساط الصحافيين والإعلاميين جراء بعض القرارات التي أخذتها السلطة ومن بينها المرسوم 54 الذي يقضي بتسليط عقوبات مشددة تصل إلى السجن لكل من يقوم بنشر أخبار أو بيانات زائفة والذي اعتبرته نقابة الصحافيين «فصلا جديدا من فصول التضييق على حرية التعبير التي تعتبر أبرز مكاسب الثورة». والسؤال الذي يطرحه كل ذلك هو هل باتت الساحة السياسية خالية تماما من القوى التي تستطيع الدخول في منافسة حقيقية مع قيس سعيد؟ ان التشتت الواضح للمعارضات والهوة التي تتعمق يوما بعد آخر بينها وبين الشارع وافتقادها لرؤية مشتركة للتحرك لإسقاط ما تعتبره انقلابا هو ما يعطي ومن دون شك قوة دفع لنظامه ويجعل الانسداد السياسي الذي تعيشه تونس مستمرا. والرئيس التونسي يدرك تماما ذلك. فهو يعلم أن تلك المعارضات حتى وان خرج بعضها بعد غد للاحتجاج عليه والمطالبة برحيله فإنها أعجز ما تكون عن إزعاجه فضلا عن إسقاطه. والخطر الوحيد الذي قد يتهيب منه بالمقابل هو أن ينفلت عقال الشارع ويخرج عن السيطرة ان وضعت أقوات الناس على المحك. ولأجل ذلك فهو يبدو وكأنه في سباق يومي ضد الوقت حتى يطفئ أي شرارة قد تشتعل وتطلق ثورة جياع ربما تأتي على الأخضر واليابس وتنهي لا الانسداد السياسي الحالي فقط بل كل المشهد السوريالي والعبثي القائم في تونس.