هل سيشكل الانسحاب الروسي من سوريا ورطة لإسرائيل؟

حجم الخط
0

في قصر الرئيس السوري بشار الأسد ليس هناك وقت لاستبدال أدوات الطعام من كثرة الزوار الذين وصلوا في هذا الأسبوع لزيارته. في البداية كان وزير الدفاع الروسي سرجيه شفيغو، وبعد يوم هبط وزير الدفاع العراقي عثمان الغانمي ورئيس الأركان الإيراني محمد باقر، وقريباً يتوقع وصول وفود من دول عربية أخرى لبحث إمكانية دعوة سوريا لقمة الجامعة العربية التي ستعقد في تونس في نهاية الشهر.
رسمياً صرح الضيوف بأنهم جاؤوا للتباحث في استمرار القتال ضد الإرهابيين. وهذه مواضيع يمكن البحث فيها بالهاتف. ولكن الموضوع الرئيسي هو الخطوة الروسية القادمة التي تشغلهم جميعاً كما يبدو. الرئيس الروسي فلادمير بوتين أجرى يوم الأحد جلسة عمل مشتركة مع وزير خارجيته ومع وزير دفاعه شفيغو. وحسب التقارير الروسية والسورية، فقد أمرهم في البدء بسحب القوات الروسية من سوريا، وبداية سحب طائرات سلاح الجو التي تتركز في قاعدة حميميم.
أمس وردت تقارير تقول إن المجموعة الأولى من الطائرات الروسية التي تقوم بالقصف من نوع سوخوي 34، غادرت قبل يوم سوريا وعادت إلى روسيا. اليوم جاءت تقارير تفيد أن الطائرات القتالية الروسية التي عادت مرة أخرى إلى روسيا عادت إلى سوريا من أجل المشاركة في المعركة على محافظة إدلب التي يتركز فيها عشرات آلاف المتمردين. رئيس لجنة الدفاع والأمن في البرلمان الروسي، فيكتور اوزيروف قدر أن روسيا ستبقي في سوريا حوالي ألف جندي، ويبدو أن روسيا تريد التوضيح بالأساس للأسد بأن دورها العسكري النشيط يقترب من نهايته بعد أن «أنهت مهمتها وأعادت سوريا إلى سيطرته».
هذا التصريح غير دقيق تماماً لأن محافظة ادلب ما زالت تنتظر الحل. ويتوقع أن يتطور الأمر إلى معركة عنيفة إذا لم تنجح تركيا في الوفاء بتعهداتها لروسيا وقامت بطرد رجال جبهة النصرة وجيش الإسلام من أراضيها. القوتان الكبيرتان اللتان تملكان قدرات عسكرية تمنع استكمال سيطرة الأسد على سوريا. بين روسيا وتركيا تطايرت مؤخراً شرارات الغضب والتوتر، عندما طلب الرئيس التركي اردوغان من روسيا منحه فترة زمنية أخرى دون التوضيح كيف ينوي القيام بدوره في اتفاق الإخلاء، في حين أن روسيا تسعى إلى استكمال العملية أيضاً بعملية عسكرية ـ من أجل أن تستطيع الانتقال إلى المرحلة السياسية وتنهي الحرب.
من عليها أن تقلق من انسحاب روسيا المتوقع هي إسرائيل التي تعتبر روسيا الضمانة الأهم لمنع تمركز إيران، بالأساس على الحدود مع إسرائيل في هضبة الجولان. روسيا لم تقم بالوفاء بتعهداتها بإبعاد القوات المؤيدة لإيران على بعد عشرات الكيلومترات شرق خط الحدود، وقد اقترحت في آب إنشاء نقاط مراقبة على طول الحدود التي تهدف إلى منع دخول قوات أجنبية قرب الحدود. ولكن الآن فقط استكملت إنشاء نقطة رقابة واحدة يشغلها رجال الشرطة العسكرية الروسية.
حسب المعلومات الروسية، فإن خمس قواعد رقابة أخرى على الحدود ستكون جاهزة للعمل في الوقت القريب، ومن ناحية موسكو لا يوجد ما يمنع عودة مراقبي الأمم المتحدة إلى قواعدهم وإلى مهمات الدورية على طول الحدود في خط «برافو» الذي يعين حدود الانتشار العسكري السوري حسب اتفاق فصل القوات من العام 1974. فعلياً، سبق في شهر آب أن بدأت قوات «الاوندوف» بالقيام بدوريات بشكل جزئي على طول الحدود، لكن الآن يظهر أن هذه القوات ستستطيع القيام مرة أخرى بمهمتها. عودة مراقبي الأمم المتحدة ستدل على عودة السيطرة على الحدود للأسد مثلما كان قبل الحرب، وعلى موافقة إسرائيل على أن القوات السورية يمكنها الاقتراب حتى خط «برافو»، والعودة إلى اتفاقات وقف إطلاق النار التي ستجبر إسرائيل على الامتناع عن الاختراق العسكري لخط الحدود هذا، الذي استخدمه الجيش الإسرائيلي لإجراء اتصالات من أجل تقديم المساعدات لسكان المنطقة.
في إسرائيل يأملون أن خروج القوات الروسية سيستخدم كرافعة ضغط على إيران من أجل أن تسحب أيضاً قواتها، ولكن بالنسبة لإيران ليس هناك في هذه المرحلة أي إشارة على أنها تنوي تبني الخطوة الروسية.
أيضاً العلاقة الرسمية الآخذة في التعزز بين سوريا والعراق تقلق بشكل خاص على خلفية الإعلان عن نية إعادة فتح المعبر الحدودي الموجود قرب مدينة البوكمال. بين العراق وسوريا ثلاثة معابر حدودية، الأول قرب تنف الذي يسيطر عليه الأمريكيون وهدفه منع انتقال قوات إيرانية من إيران عبر العراق إلى سوريا.
الثاني هو اليعروبية في شمال الدولة والذي تسيطر عليه الآن قوات الأكراد السوريين، في حين أن معبر البوكمال يسيطر عليه النظام السوري ويمكن أن يستخدم نقطة انتقال سهلة ليس فقط للبضائع العراقية بل لمقاتلين ووسائل قتالية ستصل عبر العراق إلى سوريا.
سوريا تستخدم ضغطاً شديداً على الأكراد لتسليمها المناطق التي يسيطرون عليها، عندما تعرض عليهم خيارين ـ المصالحة أو استخدام القوة. المصالحة تعني تقديم المناطق التي سيطروا عليها في إطار حربهم ضد داعش إلى أيدي النظام مقابل التعهد بحماية مكانتهم السياسية والحفاظ على حقوقهم في النظام الذي سيقوم بعد الحرب. إذا لم يوافق الأكراد على طلب سوريا فمن المتوقع أن يفتح النظام ضدهم جبهة جديدة تعرض احتمال حصولهم على مكانة مميزة، أو على الأقل حقهم في حقوق مواطنة متساوية. هذان الخياران يضمنان لسوريا أن معبر الحدود الشمالي سينتقل إلى النظام، ومعه سيتضاعف احتمال نقل السلاح عبر سوريا ومنها إلى لبنان.
من هنا تأتي أهمية وجود القوات الأمريكية في سوريا، الضامن لأمن الأكراد من هجمات سورية وتركية، ولسيطرة الأكراد على المعبر الحدودي. السؤال الآن هو من سينجح في إقناع الرئيس الأمريكي ترامب بإبقاء جنوده في سوريا أو على الأقل تأجيل انسحابهم.

تسفي برئيل
هآرتس 21/3/2019

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية