عندما شرع السيد بوبي ساندز، الجمهوري الإيرلندي الذي احتجزته السلطات البريطانية في الثمانينات بسبب نشاطه السياسي، في الإضراب عن الطعام الذي أدى إلى وفاته، كان الساسة الأمريكيون في حينه يشجبون الموقف البريطاني الرافض لأي حوار مع المعتقلين، كما أدانوا استعمالهم للعنف ضد المعتقلين. وعند المقارنة لما يحصل في سجن غوانتانامو اليوم نجد تناقضا كبيرا، فالساسة الأمريكيون يصفقون لحكومتهم في اتباعها أساليب وحشية لقمع احتجاج المعتقلين السلمي وكسره، فماذا تغير؟ ‘لم يعد لدي أمل أن أخرج من هــنا لذلك شرعت بالإضراب عن الطعام. أريد أن أرجع إلى أهلي. فقد توصلت إلى الاستنتاج بأن لا شيء سيعوض عن حريتي. فأنا محتجز هنا إلى أجل غير مسمى من دون توجيه أية تهمة إليّ. انتظرت الحرية طويلا ولم أعد أتحمل انتهاك حقوقي’. هكذا يروي السيد نبيل حجراب، أحد موكلي منظمة ريبريف الحقوقية، السبب الذي دفعه إلى الإضراب عن الطعام يوم 8 شباط/فبراير 2013 كاحتجاج سلمي على احتجازه في معتقل غوانتانامو السيئ السمعة إلى أجل غير مسمى. ويشاركه في الإضراب ما يزيد عن مئة سجين آخر، منذ انطلاق موجة الإضراب الجماعي قبل أكثر من مئة وخمسين يوما. هؤلاء الرجال يعيشون عامهم الحادي عشر من الاحتجاز الجائر، بعيدا عن أرضهم وأهاليهم، على الرغم من أن السلطات الأمريكية نفسها قررت إطلاق سراح غالبيتهم منذ سنين، ومن بينهم نبيل الذي تلقى أوراق الإفراج عنه عام 2007، إلا أنه لا يزال يقبع في السجن. ويصرح نبيل متابعا: ‘بمضي الأيام في المعتقل أشعر بأنني سأبقى محتجزا إلى أجل غير مسمى. لم أعد أتحمل هذا العذاب اليومي. لن أعود إلى تناول الطعام إلا إذا رأيت خروج المعتقلين المقرر إطلاق سراحهم. أهم شيء بالنسبة لي هو صحتي وسلامتي…وتضحيتي بصحتي بهذا الشكل الآن تؤكد أنني جاد ومصر على المطالبة بحريتي’. يعتبر الإضراب عن الطعام أحد وسائل الاحتجاج السلمية وغالبا ما يلجأ إليه السجناء عندما تكون أوضاع الاعتقال سيئة للغاية والمعاملة شديدة القسوة وتكون سلطات الاحتجاز قد أغلقت باب الحوار مع السجناء. وكان ذلك هو الحال في منتصف السبعينات في سجن ‘مايز’ التابع للسلطات البريطانية في إيرلندا الشمالية، حيث قررت السلطات تجريم المعتقلين التابعين للمقاومة الجمهورية الإيرلندية وسحبت منهم الحقوق الأساسية، الأمر الذي أدى إلى موجتين طويلتين من الإضراب عن الطعام، مع رفض السلطات البريطانية التحاور معهم، بل أساءت معاملتهم في محاولة قمع الاحتجاج السلمي بالقوة. وفي غوانتانامو تتجاهل السلطات الأمريكية الأسباب الجذرية التي دفعت المعتقلين إلى هذا الإضراب، وهي الاحتجاز إلى أجل غير مسمى من دون محاكمة أو توجيه أية تهمة إليهم، ورفض إطلاق سراح من تمت تبرئتهم. وبدلا من ذلك تقوم السلطات بتغذيتهم قسريا ضد إرادتهم، وهي عملية وصفتها الأمم المتحدة بانها بمثابة تعذيب، وتم وصف مثل هذه الأساليب القمعية في تقرير صادر عن منظمة ريبريف، حيث يدلي فيه موكلوها بشهادات حول طرق تنفيذ التغذية القسرية كعقوبة لهم، إضافة إلى القيام بإخراجهم بالقوة المفرطة من زنزاناتهم وكذلك بتفتيش عوراتهم واستخدام الحجز الانفرادي لفترات مطوّلة. وفي حالات نادرة يقوم بعــــض المسؤولين الأمــــريكيــين بالاعتراف بنواياهم الحقيقية في كسر الإضراب. وقد صرح أحد هؤلاء المسؤولين بأن الإضراب ‘ليس محاولة انتحار وإنما هو عمل احتجاجي’ وفي تفسير أوضح لهذا الموقف صرح مسؤول آخر في عام 2006 عندما وقعت الموجة الأولى من الإضرابات عن الطعام، فقال ان تغذية المعتقلين قسريا تُنفذ لأن ‘الحال سيكون أسوأ إذا ما تحوّل أحدهم من لا شيء إلى بطل شهيد. لا نريد بوبي ساندز هنا’. يبدو أن ما تخشاه إدارة أوباما فوق أي شيء هو موت المضربين عن الطعام، ما قد يسفر عن زيادة في شعبية قضية الإضراب، وكذلك زيادة في الضغط الهادف إلى إغلاق المعتقل. كان ساندز معتقلا سياسيا في سجن مايز، وقاد الإضراب الثاني الذي بدأ عام 1981 واشتهر من خلال ذلك محليا وعالميا، كرمز للجرأة والصمود في دفاعه عن الحقوق الأساسية للمعتقلين السياسيين، وكذلك الاحتجاج على معاملتهم كمجرمين من قبل السلطات البريطانية. وكان الساسة الأمريكيون آنذاك ينددون بموقف الحكومة البريطانية الصارم تجاه المحتجين، ورفضها القاطع للتحاور معهم. واستنكارا للموقف البريطاني قال حاكم ولاية نيويورك إن ‘انعدام أية مبادرة سياسية من طرف الحكومة البريطانية سيؤدي إلى عواقب وخيمة جدا تزيد من تهافت المتطرفين من كلا الطرفين’. وشارك عدد كبير من الساسة الأمريكيين في التنديد بالموقف البريطاني، إلا أن الحكومة البريطانية بقيادة مارغريت ثاتشر تجاهلت تلك الدعوات، ما أسفر عن تصلب موقف كل من المضربين والحكومية البريطانية. وطال امتناع ساندز ورفاقه الجمهوريين عن الطعام أكثر من ستين يوما، ما أدى إلى وفاة عشرة منهم. وفي حينه شجب عدد كبير من المسؤولين الأمريكيين رفيعي المستوى موقف الحكومة البريطانية حيث صرح أحد أعضاء مجلس الشيوخ الأمريكي ‘أحث الحكومة البريطانية…على التنازل عن موقفها الرافض لأي حوار، وأن تطبق إصلاحات معقولة يمكن من خلالها تحقيق تسوية إنسانية حتى لا تتكرر كارثة وفاة بوبي ساندز’. والآن وبعد ثلاثين سنة من وفاة ساندز يعامل معظم الساسة الأمريكيين الإضرابات في غوانتانامو بالصمت إذا لم يكن التهكم. فأين هي الجرأة التي تميزوا بها إزاء الإضرابات في إيرلندا الشمالية؟ صحيح أن هناك قلة قليلة منهم قد رفعوا صوتهم ضد ما يجري في غوانتانامو إلا أنه يبدو أنهم قد تناسوا المبادئ التي استندوا إليها في تنديدهم بالموقف البريطاني في الثمانينات. زادت قضية بوبي ساندز ورفاقه التسعة من شعبية المحتجين في حملتهم ضد القمع في الحبس. أما الآن فأمريكا تواجه احتمال وفاة عدد من المضربين على حسابها وأرضها نتيجة تمسكهم بالاحتجاج السلمي إزاء ما يزيد عن الاحتجاز خارج نطاق القضاء ورفض الحكومة الأمريكية معالجة القضايا الرئيسية. إن معظم رجال غوانتانامو تلقوا أوراق الإفراج عنهم منذ سنين ويتوقون لحريتهم. ورغم كل الإساءة والإهانة التي استخدمتها السلطات الأمريكية في محاولة كسر الإضراب، الا ان هؤلاء الرجال لن يكتفوا إلا بإيفاء أمريكا بوعودها في إغلاق المعتقل. في أعقاب وفاة بوبي ساندز ورفاقه واجهت الحكومة البريطانية انتقادات حادة وسنوات من الضرر بسمعتها. ولا زال هناك وقت لتتفادى أمريكا كارثة مشابهة إذا قامت وبالسرعة المطلوبة بالإفراج عن البريئين ومحاكمة القلة الباقيين الذين عاشوا 11 سنة من دون توجيه تهمة. وكما صرح أوباما مؤخرا ‘نحن نغذي قسريا المضربين عن الطعام. هل هذا ما نحن عليه؟… إحساسنا بالعدالة أقوى من ذلك’. كقائد أعلى يستطيع أوباما الإيفاء بوعده، كما يمكن لأمريكا أن تستمر في محاولة كسر الاحتجاج السلمي لرجال غوانتانامو. لقد ألقت وفاة بوبي ساندز بظل كئيب على الحكومة البريطانية، فهل سيطل على غوانتانامو أيضا؟