هل سيلغي العلم الدين نهائيا؟

الإيمان بالحقائق الدينية لا يعتمد على العقل بل على الإرادة. وحينما بدأ العقل يشكك في كل المسلمات والمعتقدات الموروثة، انبرى رجال الدين للتصدي لهذا المد التنويري الذي أخذ بالاستفحال في أرجاء أوروبا خلال القرون الوسطى. وكان الصدام بين الدين والعلم عنيفا في بدايته، حيث اضطهد العلماء من طرف الكنيسة، قبل أن تبدأ الثورة العلمية الفعلية في أوروبا، وبعد ذلك بدأ يخف الصدام شيئا فشيئا وتقهقر الدين أمام قوة العلم، حتى تقلصت رقعته. وقد أدى ذلك بالكنيسة إلى تجديد أفكارها بما يتلاءم مع روح العصر، ونتج عن ذلك ظهور الإعجاز العلمي. وبعد أن كان الكتاب السماوي رسالة روحية موجها للبسطاء أصبح كتابا غامضا ملغما بالألغاز، يحمل تأويلات وتنبؤات علمية لا يعرفها إلا العلماء؟ وحمل رجال الدين الرسالة السماوية أكثر مما تحتمله. وسرعان ما انهار هذا الصرح مع منطق دافيد هيوم ومنهجية اسبينوزا. فقد فهم الغرب مبكرا أن التفكير الديني يختلف في طبيعته عن التفكير العلمي. ولا يمكن تأكيد أحدهما بالآخر. فالاختلاف بين طبيعة العلم والميتافيزيقا أمر جوهري، وبذلك تم فصلهما عن بعضهما بعضا بطريقة قاسية أدت إلى نفور أحدهما من الآخر، بحجة أن الميتافيزيقا تعرقل مسار تطور العلم وأنها بلا معنى تماما.

هناك علاقة معقدة نشأت بين الدين والعلم منذ القديم، وكان لها تأثير كبير في تطور مسار الفكر الإنساني.

هناك علاقة معقدة نشأت بين الدين والعلم منذ القديم، وكان لها تأثير كبير في تطور مسار الفكر الإنساني. ومن المفيد تتبع مسار العلم في القرون الأخيرة، وكيف عمل على تقليص مجال الميتافيزيقا في هيمنتها على الحياة اليومية للناس. وذلك بتقديم حقائق علمية أثبتت فائدتها عمليا، وأزالت الغموض الذي اكتنف بعض الظواهر الطبيعية الغامضة التي كانت تعد من الخوارق في زمن مضى. وبذلك بدأت مرحلة الشك الحقيقية في عصر التنوير، وانبرى بعض الفلاسفة أمثال ديكارت للدفاع عن الميتافيزيقا قائلا، بأنه لا يمكن أن نطبق على الدين مقاييس العلم نفسها ”أي الوضوح والتمييز” وابتكر فلسفته الأصيلة التي عرفت بالكوجيتو ”أنا أشك إذن أنا موجود”، ولكنه سقط في ما يعرف بالدور الديكارتي، حيث أنه يعتمد على حواسه في معرفة الخالق الذي لا يتطرق إليه الشك. ولكن لو كان الخالق كاملا، كما ادعى ديكارت لأعطانا حواس كاملة تجعلنا قادرين على معرفته بواسطتها، بحيث لا يتطرق إلينا الشك أبدا. وكان دافيد هيوم أحد أشد المعارضين للميتافيزيقا، بحيث هاجم المنطق الديكارتي بقوله إن اللجوء إلى صدقية الموجود الأسمى من أجل البرهنة على صدقية حواسنا هو بالتأكيد مداورة مفاجئة مباغتة، فلو كانت لصدقية أي علاقة بهذا الأمر أصلا، لكانت حواسنا معصومة تماما مادام من المحال أن يخدعنا. وفضلا عن ذلك فإنا إذا وضعنا العالم الخارجي موضع السؤال، تعذر علينا أن نجد الحجج التي يمكننا البرهنة بها على وجود هذا الموجود أو على أي من صفاته.
تواصل الجدال حول أهمية الميتافيزيقيا في القرن العشرين، مع ظهور التطورات العلمية الكبرى التي غيرت مجرى التاريخ، وقد تجلت هذه التغيرات في فلسفة العلم وتطبيقاته، حيث ظهرت جماعة فيينا بقيادة مجموعة من الفلاسفة متأثرين بآراء برتراند راسل وفتشجنشتين وقامت بتطبيق مبدأ الاستقراء الذي اعتمده دافيد هيوم على العلم للتحقق من صدق النظريات، وفعلت الشيء نفسه مع الميتافيزيقا، فتوصلت هذه الجماعة إلى أن الميتافيزيقا لا معنى لها، وسمي هذا المبدأ بمعيار القابلية للتحقق من صدق القضايا العلمية. قدمت هذه الجماعة اقتراحا بأن تكون هناك قضية لها معنى ولنسميها (ق) ، وهي نتيجة صادقة توصلنا إليها من خلال قضايا أخرى بسيطة مستمدة بالملاحظة، ويمكننا عن طريق الملاحظة تحديد قيم هذه القضايا البسيطة، وبهذا النحو يمكننا التحقق من صدق (ق) . وإذا طبقنا ذلك على الميتافيزيقا صارت خالية من المعنى، حيث أننا لا يمكن أن نستدل على صدق القضايا التي تخبرنا بوجود الله مثلا. وينجم عن ذلك أن تصير قضايا الأخلاق أيضا بلا معنى، ولكن جماعة فيينا تلقت نقدا لاذعا من طرف الفيلسوف كارل بوبر، الذي استطاع أن يعطي للميتافيزيقا معنى من خلال مبدأ قابلية التكذيب الذي استعمله بدلا من مبدأ القابلية للتصديق للتحقق من صدق القضايا. فعلى سبيل المثال يمكن أن نتحقق من صدق وجود غراب أبيض عن طريق رؤية غراب بهذا اللون. ولكن لا يمكن تكذيب أنه لا يوجد غراب أبيض، مهما بلغ عدد الغربان التي نشاهدها وأيا كان لونها.

هناك دائما حد فاصل بين العلم والميتافيزيقا، ولكنه غير حاسم. وهناك حالات متداخلة وحالات غير محسوسة.

إذا كان للميتافيزيقا معنى فهذا يدل على أنها كانت مفيدة في تكوين مفاهيمنا اليومية، بما في ذلك العلم فقد أفادته في بعض الحالات. فالتنجيم مثلا كان له أثر مفيد على مسار الفكر العلمي، بحيث اعتقد بطليموس وأبو معشر (جعفر بن محمد البلخي) أن القمر يؤثر في مياه البحر، وتوج هذا الاعتقاد لدى نيوتن في مفهومه للجاذبية، إذ أن كل جزء من المادة له تأثير على بقية الأجزاء الأخرى، مهما بعد ووفقا للعلاقة التربيعية العكسية. وقد تأثر كل من ماكسويل ودالتون بنظرية المذهب الذري، الذي عرضه لوقيوس ثم أحكم صياغته من بعده ديموقريطس من القرن الخامس قبل الميلاد، حيث تقول النظرية إن الذرة وحدة متجانسة غير محسوسة، غير متناهية العدد، متناهية الصغر، وهي الجزء الذي لا يتجرأ من المادة، أزلية ومتحركة بذاتها، وتتشابه الذرات من حيث طبيعة المادة وعدم قبول القسمة، لكنها تختلف من حيث الشكل والوضع والترتيب. ومن خلال ترتيبها وحركتها تكتسب كيفياتها من لون ورائحة وحرارة. وقد ساعدت هذه النظرية دالتون في وضع فرض يفسر بعض الوقائع المتعلقة بالتركيب الكيميائي، كما أنها أرشدت ماكسويل إلى محاولة تفسير العلاقات الملاحظة لضغط حرارة الغازات وحجمها ودرجتها.
كان للميتافيزيقا أيضا تأثيرها السلبي، بوقوفها حجرة عثرة أمام تقدم العلم وتقدم مساره في أوجه عديدة. ومن بين الأفكار الميتافيزيقية التي ساهمت في ذلك، نظرية بطليموس في الفلك، حيث أن الأرض هي مركز الكون وكل الكواكب تدور حول الأرض، بما فيها الشمس، وظلت هذه الفكرة راسخة لألفي سنة، حتى أتى كوبرنيكوس بنظريته الجديدة التي أثبت من خلالها أن الشمس نجم والأرض كوكب له مداره وجاذبيته. وكانت آراء ديكارت حول طبيعة المادة بمثابة حجرة عثرة وقفت في وجه التقدم العلمي. وشكلت عقبة أمام قبول نظرية نيوتن في الجاذبية فاعتقد ديكارت أن (جزءا) من المادة لا يمكن أن يؤثر في جزء آخر منها إلا من خلال الاتصال المباشر. فالتأثير عن بعد لم يكن مقبولا وهذا عكس مبدأ نيوتن في الجاذبية.
هناك دائما حد فاصل بين العلم والميتافيزيقا، ولكنه غير حاسم. وهناك حالات متداخلة وحالات غير محسوسة. فالميتافيزيقا لها مجالها الذي تعنى به، كما أن للعلم أيضا مجالاته، ولا يمكن الاعتماد على الاستقراء وحده للوصول إلى نتيجة مرضية، بل نحتاج أيضا إلى الحدس. فالاكتشافات العلمية تتم أحيانا عن طريق تخمينات وحلول مؤقتة لمشكلاتنا، وعن طريق حدوس افتراضية وتوقعات غير مبررة أو كصدفة كما حدث مع ألكسندر فيلمنج عندما اكتشف البنسلين. وقد أثبت تاريخ العلم أنه لا توجد مبادئ لم يطح بها العقل من قبل. وهناك أفكار كنا نعدها بعيدة التحقق ولكنها أصبحت واقعا علميا . فالتماس بين الميتافيزيقا والعلم دائما ما يتم في العقل عن طريق اللاوعي ويتجلى ذلك من خلال حدوسنا التي تقودنا إلى الحلول والنتائج المرضية، أو توقعاتنا الصائبة بما نعتقده صحيحا من خلال تفكيرنا الخاص.

٭ كاتب وروائي جزائري
..

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية