ترامب جعل الانقسام المتأصل في المجتمع يظهر إلى السطح
تبدأ رئاسة جو بايدن من نقطة محفوفة بالمخاطر في التاريخ الأمريكي. إذ تواجه الأمة وباء أودى بحياة ما يقرب من 400 ألف أمريكي، وأزمة اقتصادية مع عشرات الملايين عاطلين عن العمل، واستياء عميقا من الظلم العنصري وعنف الشرطة، فضلا عن حالة انعدام الثقة في العملية الديمقراطية التي خلفها دونالد ترامب وخطابه الخبيث منذ أن خسر محاولة إعادة انتخابه.
ولا يزال جزء كبير من الشعب يتساءلون عما إذا كان الرئيس بايدن قد تم انتخابه بشكل شرعي، على الرغم من عدم وجود دليل على تزوير الأصوات الانتخابية، والعديد من الدعاوى القضائية غير الناجحة وجهود ترامب المختلفة لتقويض نتائج الانتخابات. وفيما يعتقد 65 في المئة من الأمريكيين أن بايدن انتخب بشكل شرعي كرئيس، إلا أن ما يقرب من ثلث الأمريكيين (31 في المئة) لا يعتقدون ذلك، بعد أن استسلموا لجهود ترامب لزرع الشك في نزاهة العملية الانتخابية، وفقا لآخر استطلاع أجرته شبكة “بي بي إس” الأمريكية.
وبينما يرى 7 من كل 10 أمريكيين أن الولايات المتحدة ستظل منقسمة سياسيا خلال السنوات الأربع المقبلة، فإن الغالبية تؤمن أن بايدن سيفعل المزيد لتوحيد البلاد.
الخروج من أزمة كورونا
ترى لارا براون، مديرة كلية الدراسات العليا للإدارة السياسية في جامعة جورج واشنطن، أن إدارة بايدن يجب أن تركز على الوفاء بوعودها بإعادة بناء الثقة مع الشعب وسط السياسات الحزبية السلبية.
وتقول براون: “عندما لا يثق بك الناس، لا يهم ما تقوله. عليك أن تفعل الأشياء”.
إحدى الخطوات الحاسمة لإعادة بناء تلك الثقة ستكون الطريقة التي يقود بها بايدن الأمة للخروج من جائحة فيروس كورونا، تقول براون. فقد أصاب الفيروس معظم الأمريكيين على المستوى الشخصي، إذ قال 72 في المئة إنهم أصيبوا بالفيروس أو يعرفون شخصا مصابا به، وفقا لاستطلاع “بي بي إس”. وقال 32 في المئة إنهم أو أحد أفراد أسرتهم فقدوا وظيفة أو دخلا بسبب الوباء.
بعد فوز بايدن في الانتخابات، كان أحد إجراءاته الأولى إنشاء لجنة استشارية لكوفيد- 19 حتى يتمكن الخبراء من إطلاعه وفريقه على آخر تطورات الفيروس، وحالة الموارد المتاحة وكيفية الاستجابة للأزمة المستمرة بشكل أكثر فعالية.
تعهد بايدن أيضا بالعمل بسرعة لجعل الاختبار المجاني متاحا للجميع وتحسين توزيع اللقاح بعد أن كان الطرح الأولي أبطأ مما كان متوقعا. وفقا للاستطلاع “بي بي إس” فإن وصول اللقاحات إلى المواطنين هو أهم أولويات الأمريكيين.
وظيفة شبه مستحيلة
عندما فاز ترامب في انتخابات عام 2016 لم تعتقد الخبيرة بولا ماكلين، نائبة رئيس جامعة ديوك، أنه يشكل تهديدا للديمقراطية الأمريكية على الرغم من مخاوفها بشأن مزاعم التحرش الجنسي ضده، وافتقاره إلى الخبرة في الحكم. إلا أن اقتحام مبنى الكونغرس، في 6 كانون الثاني/يناير الجاري جعلها تعيد التفكير في كل ذلك.
وتضيف ماكلين “إن ديمقراطيتنا ليست هشة فحسب، بل يمكن تدميرها بسرعة!. كيف تجعل الناس يؤمنون بفكرة الديمقراطية مرة أخرى؟ سيتعين على إدارة بايدن محاولة الإجابة على ذلك، بينما يتساءل الأمريكيون عما إذا كان بايدن يستطيع تسلق مثل هذا التل الكبير”.
لا يختلف الكاتب سولومون جونز مع رأي ماكلين، إذ يقول في مقال نشرته “فيلاديلفيا انكوايرر” إنه لا يعتقد أن مهمة بايدن هي إعادة توحيد البلاد، مشيرا إلى أن رؤية مدى سهولة “جعل سيادة البيض تبدو عادية، وسحق الضمانات الحكومية، وتورط الشرطة في الانتهاكات ضد السود بوتيرة تنذر بالخطر” تركه يتساءل “عما إذا كان الأمريكيون متحدين في المقام الأول”. وأضاف “إذا كانت وحدتنا، كما أظن، مجرد وهم، فإن وظيفة بايدن شبه مستحيلة”.
ويرى جونز أنه قبل أن يتمكن الأمريكيون من الشفاء بشكل تام، سيتعين على بايدن تحديد ما أوصلهم إلى وضع سمحت فيه كلمات ترامب التحريضية بغزو الغوغاء مبنى الكابيتول.
وأضاف “لكن ذلك لا يعني الكثير الآن، عندما يقف الأمريكيون يوميا في صفوف الطعام. المساعدة الملموسة هنا فقط هي التي يمكنها إحداث التغيير”.
أسطورة الوحدة
يرى كثيرون أن الانقسام الأمريكي لم يبدأ مع دونالد ترامب ولن ينتهي بمغادرته البيت الأبيض، وأن ترامب جعل الانقسام المتأصل في المجتمع الأمريكي “يظهر إلى السطح لا أكثر”.
يقول عالم الاجتماع في جامعة كولومبيا، تود جيتلين، “لطالما كانت أمريكا منقسمة. أعتقد أن تسمية الدولة الموحدة هي أسطورة. كانت المعتقدات الأمريكية محل نزاع منذ البداية. اختر لحظة في التاريخ لم نكن فيها منقسمين بشدة”.
ويضيف جيتلين “خلال تاريخها البالغ 244 عاما، عانت الولايات المتحدة من انقسامات عميقة بين أحزابها السياسية. متى لم نكن منقسمين بعمق؟”. ويوضح قائلا: “لسنا مجرد أمة عادية تأسست على اتفاق حول قصة وطنية أو إجماع وطني. أمريكا موحدة بواسطة عقيدة أيديولوجية. إعلان عن إيمان وليس الهوية”.
وترى الخبيرة القانونية جانيت البرشتسن أن مغادرة ترامب المسرح لن يعالج الانقسامات السياسية المتأصلة في الولايات المتحدة، حيث كان الاستقطاب بين اليسار واليمين قائما قبل وصوله إلى السلطة.
وتشير إلى أن زعيما مثيرا للجدل مثل ترامب “لا يسقط من السماء”. إذ إنه “نتاج حزب جمهوري فشل في فهم أيديولوجيته الضيقة”.