هل صنع المخرج فيلمه وعينه علي المشاهد الغربي؟

حجم الخط
0

هل صنع المخرج فيلمه وعينه علي المشاهد الغربي؟

الجنة الآن لهاني ابو اسعد:هل صنع المخرج فيلمه وعينه علي المشاهد الغربي؟د. عماد عبد الرازق لم يفوت المخرج هاني أبو اسعد الفرصة فور اعلان فوز فيلمه الجنة الآن بجائزة غولدن غلوب كأحسن فيلم أجنبي لكي يعلن لدي تسلمه الجائزة أن المغزي السياسي وراء الفوز هو أنه يبين أن الفلسطينيين يستحقون الحرية والمساواة دون أي قيد أو شرط! وكأنما جدارة الفلسطينيين بالمساواة والحرية لم تكن قائمة من قبل وولدت مع فوز فيلمه بالجائزة؟ فإن كان يقصد أن قرن فوز الفيلم باسم فلسطين ككيان سياسي يشير الي اعتراف ضمني بـ الدولة التي يحلم بها كل فلسطيني، أو أن فوز الفيلم بالجائزة يعد اعترافا بجدارة هذه السينما ودورها في التعبير عن طموحات شعبها في الحرية والمساواة، فلنا أن نفترض انه لم يكن موفقا في التعبير او أن فرحة الفوز استغرقته. وله كل العذر. ولكن ماذا عن اختلاط الرؤية أو اضطرابها في الفيلم ذاته؟ أول عناصر هذه الرؤية يتمثل في الزعم بأن إحدي مقولاته الأساسية هي ان العمليات الانتحارية/ الاستشهادية سببها الاحتلال. فإن كان الفيلم قد قال ذلك فهو تحصيل حاصل ولم يأت بجديد. قد يكون المخرج قد اشار الي ذلك في معرض تعليقاته او شروحاته للفيلم، لكن هذا ما لم نره في الفيلم ذاته. فلم نر تجسيدا حقيقياً لمعاناة الفلسطينيين تحت الاحتلال بأي درجة يمكن ان تدفع المشاهد ـ خاصة غير العربي ـ للتعاطف مع أبطال الفيلم. بمثل ما اننا لم نر ايا من العمليات الانتحارية أو تأثيرها أو ضحاياها، ولم نر بالتالي رد الفعل الاسرائيلي والذي غالبا ما يتمثل في عقاب جماعي، وتلك هي أبعاد الدائرة الجهنمية من العنف والعنف المضاد، العمليات والردود الانتقامية التي تعقبها عمليات أخري والتي يدور فيها الصراع الفلسطيني الاسرائيلي طوال السنوات القليلة الماضية. اين الفيلم من كل هذا؟ بل إن التغطيات الإخبارية لذلك الصراع والتي تبثها شاشات التليفزيون حول العالم علي مدار الساعة وعلي مدار العام، تحوي صورا ومشاهد لا حصر لها من هذه العواقب الكارثية لدائرة العنف والعدوان ومعاناة الفلسطينيين التي لا تنتهي في ظل الاحتلال. وهذه الصور ذاتها هي التي أكسبت الفلسطينيين تعاطفا عالميا وهي التي دفعت شخصيات عالمية للتعبير عن تفهمها عن حالة اليأس التام الذي يدفع إليه الفلسطينيون وينتج عنها إقدامهم علي العمليات الانتحارية. (هذا ما قالته شيري بلير، حرم رئيس الوزراء البريطاني، وامبراطور الاعلام الأمريكي، تد تيرنر، ووزير الخارجية البلجيكي السابق، علي سبيل المثال لا الحصر). الفيلم إذن لم يؤسس هذا الترابط بين الاحتلال ودفعه الفلسطينيين الي اليأس والعمليات الانتحارية بمنطق الدراما (ولا حتي بمنطق تسجيلي او وثائقي)، فكل ما شاهدناه من ظلم الاحتلال وعسفه وقهره، بضع نظرات وقحة او مريبة يوجهها جندي اسرائيلي علي حاجز امني للفتاة العربية اثناء تفتيشه حقيبتها. (المدهش حقا ان الفيلم ناله بعض من هذا العدوان الاسرائيلي كما تقول التقارير الاخبارية عنه، حيث تعرضت مدينة نابلس للقصف الصاروخي كما انفجرت عبوة ناسفة قرب احد مواقع التصوير فضلا عن اختطاف أحد العاملين الأجانب في طاقم الفيلم بواسطة مسلحين فلسطينيين. اما كان حريا بالفيلم ان ينقل لنا مثل هذه الوقائع كدليل دامغ علي القهر الذي يعيش تحته الفلسطينيون؟ الم يكن هذا ليصبح اجتراح الفيلم الأكثر تأثيرا وعمقا باندماج موضوع الفيلم وشكله علي نحو حيوي لا ينفصم، حين يجد أولئك الذين جاؤوا لتصوير عسف الاحتلال وقهره ـ إذا كان هذا هدفهم حقاـ الي متلقين لبعضٍ من هذا العسف؟ الم يكن هذا تحديدا ما فعله المخرج الأمريكي أوليفر ستون اثناء تصويره فيلم شخص غير مرغوب فيه قبل سنوات قليلة؟ أولم يفعلها الاسرائيليون مرارا وتكرارا بقتلهم نشطاء أجانب عمدا ومع سبق الإصرار والترصد في نفس لحظة احتجاجهم السلمي علي ممارسات الاحتلال؟ وماذا عن الوقائع الأحدث كاختطاف مسلحين فلسطينيين لأجانب جاؤوا خصيصا لمساعدة الفلسطينيين في مشاريع شتي تعبيرا عن تضامنهم وإيمانهم بعدالة قضيتهم.؟ افلا يجسد كل هذا جزءا من صميم الحالة الفلسطينية وواقعها الكافكاوي، والمأساوي؟ أين الفيلم من كل هذا؟ من ناحية أخري، هناك خلط في تصوير الدوافع الشخصية أو الإيديولوجية للأشخاص الذين يقومون بتنفيذ العمليات الانتحارية. بطلا الفيلم، الشابان سعيد وخالد، صديقان منذ الطفولة يعيشان في مدينة نابلس ويعملان بشكل غير منتظم في ورشة لإصلاح السيارات. الاثنان أخذا علي نفسيهما عهدا بأن يظلا اصدقاء أبد الدهر وألا يفرقهما شيء سوي الموت، وليكن ذلك من خلال قيامهما بعمليتين استشهاديتين سويا في نفس اللحظة، حينما يحين موعد تلبيتهما النداء. الفكرة في حد ذاتها تبدو غريبة حد العبث أو اللامعقول، ولكن لنا ان نفترض أنها من افرازات الواقع الفلسطيني العبثي اليومي ـ الذي لم يرنا المخرج من ملامحه شيئا يذكر باستثناء مشهد صاحب السيارة الأخرق الذي يصر علي ان يري حاجز الصدمات في السيارة معوجا رغم اعتداله. مثل هذه التفصيلة علي رمزيتها لا تشي بالكثير، وهناك عشرات الأمثلة كهذه في الحياة اليومية للمجتمعات العربية الفقيرة التي ترزح تحت صنوف مختلفة من القهر (عبّارات تغرق بمن عليها وقطارات ومسارح تحترق بمن فيها وما لا حصر له من اشكال الموت المجاني واليأس والبؤس، ولم نر حني الآن اصدقاء دفعهم اليأس الي الانتحار المزدوج).ومع ذلك لنعمل مبدأ تعليق الشك الذي يحكم علاقة المشاهد بالعمل الفني، ولنمشِ مع الفكرة الي نهايتها المنطقية : ها قد حان وقت تلبية طلب الشهادة أخيرا وجاءهما ضابط الاتصال من التنظيم ـ الذي لا نعلم له هوية سياسية محددة سوي انه يجند أناسا ليسوا اعضاء فيه لتنفيذ عمليات انتحارية/ استشهادية! هكذا معطي آخر مجاني في الفيلم ـ ليجهزهما للمهمة في غضون ثماني واربعين ساعة. هذه الفكرة الرئيسية التي تحدد شخصيتي بطلي الفيلم مقدمة لنا كمعطي مجاني. فالبطلان ليسا بالضرورة علي درجة من التدين، ولا رأينا أي دليل علي التزامهما إيديولويجيا أو حتي تنظيميا، فهما يقضيان ايامهما علي نحو عادي جدا بين شرب الشاي والتدخين وسماع الموسيقي والعمل كلما كان متاحا، أو كلما عنّ لأيّ منهما. حياتهما خالية من الاثارة ليس فيها آمال كبار ولا طموحات، ولكنها أيضا ليست مدلهمة السواد ولا في منتهي اليأس. لا هذا ولا ذاك. ليس هناك إذا دوافع إيديولوجية أو دينية قوية تدفعهما للاقدام علي تنفيذ عمليات استشهادية. ولنا أن نفترض أن من يقدمون علي تنفيذ هذه العمليات إنما يخضعون لنوع من التدريب والاعداد الذهني، وهم غالبا منضوون في تنظيمات تزرع فيهم تلك القناعات وتشحذهم وجدانيا وروحيا، وتؤهلهم لتلك اللحظة التي سيضحون فيها بحياتهم من أجل قضية يؤمنون بها. كلا لم نر شيئا من هذا لدي اي من البطلين. بدلا من ذلك، نجد أن أحد الشابين، سعيد ، مدفوع بإحساس عميق بالذنب يطارده منذ الطفولة بسبب أن أباه كان متعاونا مع العدو الصهيوني وقد دفع الأب ثمنا لذلك، ولهذا فالابن يكابد طوال الوقت احساسه الدفين بالخزي، وإقدامه علي التطوع لتنفيذ عملية انتحارية يصبح معادلا لخلاصه الروحي، بصرف النظر عن اقتناعه بجدوي العملية. هذا التحليل او التبرير قد يبدو متسقا مع بناء الشخصية دراميا لكنه يختزل من ناحية أخري مفهوم العمليات الانتحارية/الاستشهادية علي نحو مخل تماما، بل إنه يفقد هذه العملية التي يقدم عليها البطل في نهاية الفيلم بالذات مبررها الاخلاقي. فهي تبدو كعقاب للاسرائيليين او انتقاما منهم علي تعاون أبيه معهم! هذه المكابدة تكبر بداخل سعيد كنتيجة لمشاعر الحب التي تتبرعم في قلبه تجاه سهي التي تتردد علي ورشة السيارات التي يعمل فيها لإصلاح سيارتها، ففي اللحظة التي توشك حياته البائسة أن تكتسي بعضا من معني جميل، يحين موعد الوعد الذي كان قد قطعه علي نفسه مع صديق طفولته أن يموتا سويا شهداء للوطن. ظهور الفتاة سهي من شأنه أن يطيل أمد الصراع داخله ويعقده حين تحتدم المواجهة بينهما وتحاجج هي ضد العمليات الانتحارية علي اساس انها ليست من العدل في شيء ولن تجلب عدلا، كما يقول هو، بل إنها لا تخرج عن كونها نوعا من الانتقام خاصة وانها غالبا ما تطال اناسا أبرياء علي الطرف الآخر. لكن نقطة ضعف الفيلم هنا تكمن في أنه لا يرينا هذه المحاججة سينمائيا ولا دراميا، فالشخصيات تكتفي بالثرثرة حولها وكل يبدو مستمسكا بقناعته. العجز وحده ليس كافيا هل هي كوميديا سوداء ام معالجة تهكمية لظاهرة العمليات الانتحارية؟ هنا ايضا نجد قدرا غير قليل من الخلط. إذا قلنا أن من يقدم علي قتل نفسه وآخرين مدفوعا بشعور عميق بالعجز كما يقول المخرج في تصريحاته، فتلك بالتأكيد تيمة مأساوية يصعب تناولها بخفة أو بمزيج من التظرف والتهكم، علي النحو الذي جاء في بعض مشاهد الفيلم. علي سبيل المثال تتعطل كاميرا الفيديو التي سيتم بها تصوير رسالة الوداع التي يسجلها كل انتحاري قبيل مضيه الي مصيره المحتوم، فيفقد سعيد صبره ويحتد علي المصور صارخا: شو حاتروح تجيب مرتك تشغلها؟ . وفي نفس المشهد نجد ضابط الاتصال المكلف بتجهيزهما للعملية يتابع أداء الانتحاري للقسم فيما يقضم ساندويتشا ضخما، واحدا من السندويتشات التي اعدتها أم الانتحاري له ولأصدقائه قبل مغادرتهم المنزل بعد ان قضوا ليلتهم سويا. ويتابع الانتحاري شبه مدهوش الزملاء وهم يلتهمون السندويتشات في برود اعتيادي فاضح لا يخفي حتي نهمهم. هو نفسه يخرج عن سياق التسجيل بعد تلاوته لآيات قرآنية، ليوجه نصيحة أخيرة لأمه تذكرها كي تشتري زجاجات المياه من بائع آخر يبيعها بثمن أرخص. هذا المشهد بكامل تفاصيله مقدم بأسلوب تهكمي لا يتفق بالمرة مع الطابع المأساوي للموقف ولتيمة العمليات الانتحارية برمتها. كما أنه يكشف طابعا ارتجاليا او عشوائيا من الصعب ان يصدق المرء أنه يحكم علاقات أعضاء التنظيمات التي يقدم أفرادها أو أتباعها أو مجندوها، أيا كانت الصفة التي يصلون بها او عن طريقها الي تلك اللحظة الانتحارية/ الاستشهادية. نعتقد ان التناول الواقعي للظاهرة كان يفترض أن يقدم المخرج نموذجا منواليا أي أكثر شيوعا لواحد من أولئك الأفراد الذين يسلكون الطريق المعتاد الي العمليات الانتحارية وكيف يتم اعداده وحشده وتربيته عقائديا ونفسيا لذروة اللحظة التراجيدية، علما بأنها قد لا تبدو كذلك لشخص توحد بالفعل بقضيته وقطع هذا الشوط من الإيمان التام بفكرة، علما بأن البطلين ليسا علي نفس المسافة من الفكرة، كما أن دوافعهما تختلف وإن جمع بينهما رباط وجداني بحكم الصداقة وتلك الفكرة الخرقاء بأن يفارقا الحياة سويا كما عاشوها، وينعكس ذلك جليا حين تطرأ تعقيدات تطرأ علي عملية التنفيذ. أما إذا كان المخرج قد قصد أن يقدم تناولا فانتازيا لظاهرة العمليات الانتحارية فإن ذلك قد لا يستقيم مع تصريحاته بأنه أراد أن يبين أن الشعور بالعجز هو الذي يدفع الفلسطينيين الي تنفيذ تلك العمليات. وهذا أيضا ليس اكتشافا ولا اجتراحا من المخرج، فاليأس بلا جدال هو القاسم المشترك الأعظم وراء عمليات الانتحار، لكنه لا يمكن أن يفسر وحده ظاهرة ترتبط عضويا وتاريخيا بحركة نضال شعب ولها جذور عقائدية في صلب ثقافة ذلك الشعب. وهذا ايضا ما لم يتعرض له الفيلم الذي يقول مخرجه انه كعمل سينمائي يكتفي بعرض وجهات نظر مختلفة. فلم تكن هناك اصلا مناقشة للظاهرة بل إنها عرضت مبتورة تماما، حيث نفاجأ بهذين الشابين وقد انتقلا بين ليلة وضحاها من حياة رتيبة مملة، ونعم تخيم عليها سحابات يأس، الي خضم لحظة وجودية من الطراز الأول علي وشك ان يلقيا بنفسيهما الي التهلكة. ان عنوان الفيلم يشي بنصه المضمر، وفحواه أن أولئك الذين يقدمون علي تنفيذ العمليات الانتحارية/ الاستشهادية إنما يفعلون ذلك هروبا من الجحيم الذي يصلونه علي الأرض وطمعا في الجنة التي تنتظرهم في النعيم الأبدي. لكن الفيلم فشل في أن يرينا هذا الجحيم الذي يدفع ساكنيه للهروب منه الي فردوس مأمول. وهو فردوس لا يبدو ان البطلين يؤمنان به حقا حين يسأل أحدهما عما يحدث بعد تفجيرهما نفسيهما فيخبره ضابط الاتصال أن ملاكين يأتيان ليحملانهما الي السماء فيسأل ثانية هل أنت متأكد ؟ ولا ندري هل هذا علي سبيل التظرف او التهكم؟ هذان البطلان نفساهما يتصرفان كمراهقين حينما يريان قائد الفصيل الفلسطيني الذي أوكل إليهما تنفيذ العملية لأول مرة وكأنما التقيا بنجمهما السينمائي المفضل وهما لا يصدقان انهما يريانه بشحمه ولحمه . هل هما علي هذه الدرجة من السذاجة؟ أم أن تلك إشارة تهكمية من المخرج من المفهوم برمته. أم أنها إشارة لنوعية غسيل المخ الذي يخضع له منفذو تلك العمليات، وهو ما لم نر شاهدا ولا دليلا عليه في الفيلم. هذا القائد نفسه مقدم علي أنه قبضاي يسير في شوارع نابلس محاطا بالأتباع واسلحتهم مشهرة، ونحن نعلم ان الطائرات الاسرائيلية لا هم لها سوي اصطياد المقاتلين الفلسطينيين بصواريخها ليل نهار. هل صنع المخرج فيلمه وعينه علي الجمهور الغربي؟ هل لهذا علاقة بتمويله؟ هذه اسئلة مكررة ولا جدوي من طرحها لأنه لا ينبغي معاملة العمل الفني بالنيات، فلنا أن نحكم عليه فقط في حدود ما يعرض امامنا علي الشاشة. وقد شاهدت الفيلم مع اصدقاء فلسطينيين وكان أكثر ما ساءهم افتقاره للدقة والموضوعية في تصوير الواقع الفلسطيني، حتي اللهجة التي يتحدث بها ابطال الفيلم ليست لأبناء غزة والضفة الغربية بل لفلسطينيي الداخل. فهل هو نوع من الاستسهال أو الاستغفال طالما أنهم كلهم فلسطينيون في عيون المشاهد الغربي (وكله عند العرب صابون)؟نقول ذلك وقناعتنا أنه لا ينبغي للجدل السياسي المثار حول الفيلم أن يؤثر علي حكمنا عليه كعمل فني في المقام الأول والأخير. 0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية