هل صنع حاتم علي مسلسلاته؟ لماذا تكريم حسين نازك في دمشق… صفوت الشريف مات لكن «السيطرة» باقية

حجم الخط
1

مات صفوت الشريف، رجل المخابرات والوزير المصري العابر لأزمنة وعهود سياسية هي تاريخ مصر المعاصر. مات، فترحّمَ الناس لا عليه، بل على ضحاياه. حكايته الأشهر كانت في عمله على توريط الفنانين وابتزازهم بأحطّ الأساليب للعمل لمصلحة المخابرات (من بينها حكاية سعاد حسني) قبل أن يطرد منها في إطار ما عُرف بقضية «انحراف المخابرات» في عهد جمال عبدالناصر. لكنه رغم تلك الحكاية ظلّ يصعد من منصب إلى آخر، حتى بلغ رئاسة «الحزب الوطني» الحاكم، ووزير إعلام لأكثر من عقدين.

صفوت الشريف ليس فرداً، ولا مجرد مسؤول طويل اليد، إنه جوهر النظام المستمر منذ حوالى سبعين عاماً، ولذلك ليس من المتوقع أن تفرَدَ الملفات كلّها على الطاولة، فنظامه لم يمت بعد

من يصدّق أن الشريف كان مجرد خطأ نافر في عهود زعماء مصر الثلاثة! كيف استطاع هذا «الخطأ» أن يحظى بكل هذه السيطرة المديدة (و«السيطرة» هي اسم القسم المخابراتي الذي عمل فيه على ملفات التوريط إياها)! حتى تلك الإدانة الوحيدة لـ «انحراف المخابرات» هناك من يفسرها على أنها تبييض وجه للنظام الحاكم بعد هزيمة حزيران/يونيو. عدا عن أن الحديث عن مجرد «انحراف» يوحي بأن كل شيء آخر على ما يرام في دولة المخابرات تلك!
صفوت الشريف ليس فرداً، ولا مجرد مسؤول طويل اليد، إنه جوهر النظام المستمر منذ حوالى سبعين عاماً، ولذلك ليس من المتوقع أن تفرَدَ الملفات كلّها على الطاولة، فنظامه لم يمت بعد. وربما قد لا نجد تفسيراً لهذا الامتثال الاستثنائي من معظم الفنانين المصريين لنظام السيسي أوضح من أن «السيطرة» ما زالت مستمرة منذ تأسيس دولة المخابرات.

حاتم علي

يقول المخرج السوري حاتم علي، في مقابلة تلفزيونية أجريت منذ سنوات، عندما يُسأل عن خياره في الانتقال من التمثيل إلى الإخراج، إنها «محاولة الإمساك بخيوط العمل، على اعتبار أن الممثل جزء من العملية» ويتضح من كلامه التالي أنه يقصد أن الممثل ليس صاحب قرار وقول في العمل الفني، لذلك أراد أن يكون هو صاحب المشروع لا مجرد جزء منه، أي صاحب القول والكلمة، لكنه مع ذلك يصل إلى استنتاج مخيب: «مع الأسف نكتشف بعد كل هذه التجربة.. إلى أي مدى المخرج هو فعلاً صانع عمله!».
علي، ليس محقاً وحسب في كلامه، بل وكذلك بدا متواضعاً، لم يدّع للدراما التلفزيونية دوراً ليس لها، رغم الجماهيرية الكبيرة لمسلسلاته، وهو الخبير بكواليس هذه الصناعة.
هناك شبه إجماع على أن الدراما التلفزيونية السورية هي صناعة النظام. علاقة النظام بهذه الصناعة أكثر من مجرد هيمنة، على ما ذهب الكاتب حازم الأمين عندما شبّه الأمر بهيمنة محرر صحافي على مواد صحافية بغرض تكييفها مع المحاذير الرقابية. ما من صناعة في ظل هذا النظام الاستبدادي تنجو من تدخّله، هذا صحيح، لكن مع الدراما كان الأمر أكثر من تدخّل، فبإمكان الدراما أن تحمل رسائل لا يقدر عليها سواها. وعلى رأسها رسائل السياسة.

كيف يفسر المبخِّرون مشروع حاتم علي الأخير «سفر برلك» والذي يتناول تحديداً آثار تلك الحقبة في السعودية، ألم يكن المشروع استجابة لنزاع سياسي مع تركيا، هل كان «سفر برلك» مشروع المخرج، خياره وطموحه وتطلّعه الخاص؟!

في إمكاننا أن نتخيّل كيف سيكون حال هذه الدراما إذا أضفنا لتوجيهات النظام وتدخّلاته مراعاة مختلف الرقابات العربية. ما الذي يبقى من أفكار المبدعين وتطلّعاتهم بعدها! دعونا نتذكر عملاً واحداً، هو «بقعة ضوء» شَغَلَ السوريين لسنوات، وعوّلوا كثيراً على جرأته، فيما حمل في بعض حلقاته موضوعات وأفكاراً مسمومة.
هذا لا يعني أن ليس في الإمكان أن تمرّ مسلسلات من غير رسائل سياسية، ولا تعني سيطرة النظام على الصناعة الدرامية أن ليس هنالك مبدعون أرادوا أن يكونوا خارج السرب.
أعمال حاتم علي هي جزء من هذه الصناعة، تشبهها غالباً، خاضعة لكل متطلباتها وقيودها، وفي أحيان قليلة متقنة بحدود، ولنعد إلى اعتراف المخرج نفسه، شكِّه في إمكانية بأن يكون المخرج فعلاً صانعاً لمسلسله. من أين إذاً كل تلك المبالغة، إلى حدّ التقديس لأعمال المخرج الراحل؟! والتي قد يلخصها قول فيصل القاسم: «لماذا ننسى أعمال حاتم العظيمة التي كل حلقة منها تساوي آلاف المظاهرات وآلاف المنشورات وآلاف الشعارات الثورية؟ لقد سبقنا فنانون كثيرون إلى الثورة ضد الظلم والطغيان والطاغوت بعقود وعقود؛ لقد قالوا بطرقهم الفنية الخاصة ما قلناه أثناء الثورة وأكثر بكثير، لقد كانوا سباقين إلى فضح الطواغيت وبخاصة الطاغوت الأسدي بسنوات وسنوات»!
إن واجب الترحّم والشعور بالحزن (وهو مستحق على مخرج في قمة عطائه) لا يلغي وضع التجربة في سياقها، نقدها وتقييمها ومناقشتها.
وبالمناسبة؛ كيف يفسر المبخِّرون مشروع حاتم علي الأخير، الذي كان في صدد تصويره في بدايات الشهر الجاري في مصر (بات الآن بين يدي الليث حجو) ويتناول فترة «السفر برلك» يتناول تحديداً آثار تلك الحقبة في السعودية، ألم يكن المشروع استجابة لنزاع سياسي مع تركيا، هل كان «سفر برلك» مشروع المخرج، خياره وطموحه وتطلّعه الخاص؟!

حسين نازك

وددنا أن نصدق أن تكريم الموسيقي الفلسطيني حسين نازك في دمشق، بتقديم أعماله من قبل أوركسترا الموسيقى الشرقية على مسرح دار الأوبرا «دار الأسد» جاء حقاً بسبب إبداعه، لا لأسباب أخرى. كيف نصدق نظاماً لا يكفّ عن الإساءة للمبدعين السوريين، وسواهم أحياناً، ممن لا يقفون في خندقه!

ليس الإبداع هو المقصود بالتكريم، ولا فلسطين التي لطالما أهينت على يد النظام الأسدي، إنهم يكرّمون شبّيحتهم

فجأة استحقت أغنيات العاشقين الفلسطينية «والله لازرعك بالدار» «فلتسمع كل الدنيا» «يما مويل الهوى» «يا عود الندّ» إلى أعمال سواها لنازك، إعادة توزيعها والاحتفال بها، بعد تكريم حظي به الفنان في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي على الخشبة ذاتها، من قبل وزيرة ثقافة النظام لبانة مشوح.
لكن نظرة لمواقف نازك وتصريحاته قد تبطل العجب، فهو واحد من عبّاد حافظ الأسد، إذ كتب في صفحته على فيسبوك «هنالك زعماء جعلوا للعرب قيمة واحتراماً، عبد الناصر وبومدين وحافظ الأسد» كما لم يقصّر مرة في التبشير بانتصار الأسد الابن، بل وأشاد بقاسم سليماني إلى حدّ المطالبة بواحد، سليماني، فلسطيني. ولعه بالمتوحشين وصل إلى كوريا، فلم يتردد حتى في مديح كيم جونغ إيل.
ليس الإبداع هو المقصود بالتكريم إذاً، ولا فلسطين التي لطالما أهينت على يد النظام الأسدي، إنهم يكرّمون شبّيحتهم!

 كاتب فلسطيني سوري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية