د.
أحمد رفيق عوض
لم يفت الكاتب الروائي الاسرائيلي أ.
ب يعوشوع في مقالته ان يشير الى ان الجماهير الفلسطينية تعيش حالة من الهدوء العجيب رغم كل المخاطر والتهديدات التي يعيشها هذا الجمهور.
فالحياة في الاراضي الفلسطينية المحتلة حياة ثقيلة وصعبة، فالقرى ليست آمنة من هجمات المستوطنين، والطرق غير مضمونة بسبب حواجز الاحتلال العسكرية الثابتة والطائرة والعرضية والتي عادة ما تكون بهدف الاذلال ليس إلا، وهناك معابر حقيقة بكل معنى الكلمة تجعل من الوطن الواحد أوطاناً، والفلسطيني لا يأمن على نفسه حتى وهو في عقر داره، الى درجة ان لا يشعر المرء برجولته لانه لا يستطيع ان يحمي زوجته وأولاده، ووصل الانتهاك والاذلال والاهانة الى المساجد والحقول والبيوت وحتى العورات، هذا واسرائيل تدعي انها الديموقراطية الوحيدة في هذا الاقليم، ورغم ذلك تجد من يصدقها ومن يدرجها في قوائم الدول الديموقراطية وهذا من آيات النفاق الكبرى، والكاتب الروائي الاسرائيلي يتعجب ضمناً من صمت الجمهور الفلسطيني، وهو تعجب يدفع الكاتب الاسرائيلي الى القول ان الجمهور ينتظر لحظة تتحول فيها البلاد كلها الى دولة واحدة حتى ولو كانت عنصرية. واذا كان الاسرائيلي يتعجب من صمت الجمهور الفلسطيني، فقد سبقه الى ذلك فلسطينيون آخرون.
فغياب الحشود الكبيرة عن الاحداث والمناسبات التي يتوجب ان تتواجد فيها تلك الحشود يثير أسئلة كثير، صعبة ومؤلمة.
و قبل الاستسلام الى الرغبة الطبيعية في التحليل أو حتى الفذلكة، فإن الجمهور- كل الجمهور- هو قوة غامضة، لا يمكن توقع ردات فعله، أو التنبؤ باتجاهاته، الجمهور هو مارد لا يشبه مارد علاء الدين الذي يأتمر بأمره، الجمهور لا يقول لأحد شبيك لبيك، الجمهورساذج في لحظة ما، وهو عميق الى درجة لا يمكن سبر اغواره، وهو في حالة ما نار تحرق البيت، و في حالة اخرى هو النارالتي تنضج العظام. اذن نحن نتحدث عن قوة لا مفاتيح لها ولا ممرات آمنة. ثورة الجماهير أو اندفاعها تحتاج الى عوامل متعددة، كالظروف المناسبة والشرارة المناسبة واللحظة المناسبة والقائد المناسب، ولكن التاريخ ليس كريماً الى الحد الذي يجمع فيه كل هذه العناصر، فقد رأينا في ثورات كثيرة اجتماع بعض هذه العناصر دون عناصر اخرى، فتفشل تلك الثورات أو يتم حرفها أو انحرافها. ولان التاريخ لا يشبه علم الفيزياء والكيمياء، فإن اجتماع العناصر قد لا يؤدي الى حدوث التفاعل، ففي التاريخ هناك ما لا يمكن توقعه. وعلى عكس منطق ارسطو الدنيوي والعقلي، فإن توفر المقدمات لا يقود الى النتائج، وعلى عكس المنطق الماركسي أيضاً الذي لم يتقدم كثيراً عن منطق ارسطو نفسه، فالثورات فيها ما هوغامض وسحري لا يمكن توقعه. وهذه فذلكة تقود حتماً الى اعتبار ان التاريخ الهي، ورغم خطورة هذا الاستنتاج وربما خطئه، الا ان ذلك يفسر- بشكل جزئي على الاقل- ان ليس هناك قوانين ثابتة لمسيرة الشعوب وسيرتها. هناك ‘سنن’ كما ذكر القرآن الكريم، وهي سنن تتقاطع في قليل أو كثير مع النظريات الكبرى التي قدمها منظرو الحضارات ابتداء من ابن خلدون وانتهاء بصمويل هانتنغتون وفوكوياما أو حتى سمير أمين.
وفي حالتنا الفلسطينية، فإن الجمهور الفلسطيني العظيم والطيب والعميق والمفاجئ، تراجع كثيراً عن اعجازاته الكبرى التي رأيناها منذ العشرينات في القرن الماضي وحتى يومنا هذا. لا أريد أن أعترف ان هذا الجمهور قد تم تدجينه بالقروض وبطاقات الائتمان وتسهيلات الدفع، أو تم تطويقه بدواعي المتعوية والاستهلاكية، أو تم استبعاده بعد أن طولب بالسكوت والهدوء، أو تم تغيبيه والانابة عنه في المحافل والهيئات البعيدة، أو تم احباطه من خلال قطف ثمار جهوده ودمه ودموعه، أو انه تعب من سرديات وأدبيات الاحزاب التي بهتت وذهب بريقها، أو انه ارتعب من محتله الذي يعمل ليل نهار من اجل تطويقه بالجدران الاسمنتية والشائكة والكهربائية والمغناطيسية.
الجمهور الفلسطيني العظيم والطيب والعميق والمفاجئ، وجد نفسه يرى مسيرة طويلة من المفاوضات بلا نتيجة، ويعيش حالة من الرعب الدائم من الاستيطان الذي يبتلع كل شيء ويلمس احتلالاً عنيداً وغبياً، ومجتمعاً احتلالياً لا يعترف به ولا يراه، ومحيطاً عربياً واسلامياً مختطفاً أو مغيباً أو غارقاً في اهتماماته، وانقساماً يفرم قلبه ولحمه، واحزاباً شائخة لم تعد تقدم اجابات شافية، ومجتمعاً دولياً منحازاً ومنافقاً، واقتصاداً لا رحمة فيه لفقير أو ضعيف، ووطنا يضيق ويضيق حتى يصبح اصغر من مساحة غرفة.. المقدمات كافية وربما أكثر من كافية.. السؤال هو.. متى نرى النتيجة؟!