هل غادر الشعراء ربيع الشعر؟
هل غادر الشعراء ربيع الشعر؟ لا يحتاج المرء إلي كثير عناء كي يميز بين الشعر واللاشعر، وبين الكلام المنظوم والكلام غير المنظوم. وإذا كان للنقد دوره في هذا المضمار، للتمييز بين هذا وذاك، وبين الغث والسمين، فإن مجال الإحساس والذوق، أو كما يسميه الدكتور عبد الرحمن محمد القعود صاحب مؤلف الإبهام في شعر الحداثة بالمنبع الشعوري النفسي، محددان أساسيان لمعرفة ما إذا كان القول المنظوم شعرا أم لا، علي اعتبار أن هذا الجنس الأدبي الرفيع الذي هو الشعر، له من القيمة الفنية والأدبية والمعنوية، ما جعله يتبوأ المكانة الأولي ضمن الأجناس الأدبية الأخري، حيث اعتبر ديوان العرب، ولا ندري هل ما زال كذلك أم لا.إن الساحة الثقافية العربية تعج بأسماء كثيرة لكتاب من مختلف الأنواع والأشكال والحقول، ففيهم الحقيقيون وفيهم المزيفون والمتزلفون، ولعل المجال الأكثر ابتلاء بهذا هو الشعر، فالكثير أضحي بين ليلة وضحاها شاعرا، حيث أصبح الانتساب إلي هذا الجنس الأدبي مستباحا بدون تأشيرة، الأمر الذي أثر تأثيرا خطيرا علي مستواه، ودفع ببعض النقاد المعتمدين طبعا،إلي دق ناقوس الخطر إنذار للمستوي الذي وصل إليه ديوان العرب.والمتأمل للمنتج الشعري في زماننا هذا، ونحن هنا لا نتحدث عن أنصاف الشعراء ولا عن زعانفة الشعر، بل عن الذين يعدون ضمن رواد الحداثة الشعرية في المغرب.فحينما تقرأ بعض قصائدهم ،لا ينتابك أي إحساس بالشعرية الصادقة،حيث الإغراق في الذاتية وانعدام التناغم في الموضوع وذيوع التجريد والتعمد في ترك مساحات بيضاء ووضع علامات الترقيم بعشوائية وبطريقة تثير الضحك أحيانا، وتضيع لك فرصة التغني بالقصيدة والانتشاء بروح الشعر الصادق النابع من الوجدان، كما نجد ذلك عند الرواد أمثال نازك الملائكة والجواهري والبياتي والأخطل الصغير وعمر أبو ريشة ونزار قباني وغيرهم..رحم الله الشاعر الكبير نزار قباني حينما قال واصفا حال الشعر في زماننا حيث أصبح في نظره مرتجلا.. مستوردا.. وأعجمي الوجه واللسان.. فما له بداية ولا نهاية.. ولا له علاقة بالناس.. أو بالأرض.. أو بمأزق الإنسان فهل طلق هؤلاء الشعراء الحداثيون جدا القضية وهموم الوطن والأمة؟ أم أن الأمر يشمل فئة قليلة ضخمتها وسائل الإعلام وقام بالدعاية لها نقاد المصالح.إن شعراء القضية موجودون رغم قلتهم، ورغم التجاهل الذي يشمل بعضهم من طرف المؤسسات والمنظمات المهتمة بالشعر، وكذلك من طرف وسائل الإعلام.وقد قال يوما الشاعر العراقي كاظم غيلان إن الخارطة الثقافية تحكمها المافيا والمؤتمرات والملتقيات، ليتم توزيع بطاقات الدعوة لها بشكل لا يقل ابتذالا عن كواليس السياسة العربية .رحم الله أيام زمان حينما كانت للشعر جولاته وصولاته في الحرب والسلم والسياسة والاجتماع، هل تتذكرون قصائد لا تصالح لأمل دنقل و المهرولون لنزار قباني و هؤلاء رجال الله لعمر الفرا، وقصائد أخري ألهبت مشاعر الشعوب وأربكت حسابات أهل الحكم.ولعل من تداعيات المستوي المنحط والهجين الذي وصلت إليه بعض الأشعار في زماننا هذا، هو التشدق بقشور الحداثة الشعرية ، ظانين بأن هذه الحداثة تعني الانسلاخ عن الجذور والقيم، وقد صدق الشاعر الفلسطيني الكبير سميح القاسم حينما قال إن الحداثة تنشأ من الجذور، والمتنبي عنده شعر حديث أكثر من شعراء حداثة اليوم، وأنا ضد الحداثة المفتعلة المبنية علي الشعور بالنقص تجاه الأجنبي، وأضاف بأن الحداثة الحقة هي أن نكون شركاء في إنتاجها وليس مجرد مستهلكين لها .إننا نحتاج اليوم إلي من يعيد للشعر هيبته وقداسته ويعود بحق كما كان ديوانا للعرب، ولا مكان اليوم لأنصاف الشعراء ولزعانفة الشعر. مصطفي زيانرسالة علي البريد الالكتروني6