خليل قانصو
سؤال مركزي، ولكنه بالقطع مغيب خلف السجال والتراشق اللذين تحفل بهما وسائل الإعلام العربية، يوجب علينا أن نواظب ونجتهد في استقراء الأمور، علنا نتمكن من استشفاف النتائج التي قد تنجم عنها. إنه السؤال حول المستقبل. وبكلام أكثر وضوحا وصراحة، هل يجوز أن يبقى اللاجئون الفلسطينيون في المخيمات، ستين سنة أخرى؟ وهل أن النهج الذي تسلكه أنظمة الحكم يقود إلى حل القضية الفلسطينية من جهة، وإلى ضمان أمن الشعوب العربية، وتوفير الظروف الملائمة للعيش والتقدم والنمو؟
ان ما يحمل على طرح هذه المسألة هو بالطبع التقلبات التي تطرأ على مسار القضية الفلسطينية، منذ أن تعهدتها ‘سلطة فلسطينية’ قبل ممثلوها الإقامة في ظل الاحتلال، واستبدلوا المقاومة بكل اشكالها ووسائلها سبيلا إلى التحرير، بالمفاوضات بينهم وبين المحتلين بحثا عن تسوية ترضي الطرفين. ولما كان هذا البحث كطلب بَيـْض ِ الأنوق، فلقد توالت الاجتماعات، وعقدت المؤتمرات ونظمت الحوارات وتتابعت الضغوطات وانهالت العطيات واختلفت الإغراءات، طيلة أربع عشرة سنة. ولكن هذا كله ذهب سدى، بل سارت الأوضاع في فلسطين وفي الأقطار التي تحيط بها، من سيئ إلى أسوأ، وازدادت تعقيدا. وكأن المحتلين أرادوا استخدام السلطة الفلسطينية ونجحوا، إذ أدت أجهزة الأمن في الضفة مهمتها في شل المقاومة، وضُرب الحصار حول قطاع غزة، الذي صار في نظر الإسرائيليين كيانا معاديا، يختلقون بين الفينة والفينة الذرائع لإعلان ‘الحرب’ ضد شعبه، ويستخدمون فيها كل ما في ترسانتهم من سلاح، ولو كانوا في مواجهة مع دولة لما فعلوا أكثر من ذلك، لكي يجعلوا الحياة فيه مستحيلة، هذا من ناحية، أما من ناحية ثانية، فإن الاقتتال على السلطة والمفاوضات وتعثرها ثم استئنافها، منحت جميعها، الإسرائيليين وقتا ثمينا لكي يحولوا الاحتلال، الى استعمار استيطاني يتمدد باطراد كما تنتشر النار في الهشيم، لا تردعه مقاومة ولا يعرقل تقدمه اتحاد وتضامن. جاء في وثائق الدبلوماسيين الأمريكيين، بتاريخ حزيران/يونيو 2009، أن ايهود باراك وزير الدفاع الإسرائيلي، الذي قاد حرب ‘الرصاص المسكوب’ على سكان قطاع غزة، معجب بالإنجاز الذي حققه الجنرال الأمريكي دايتون، المكلّف (من الذي كلـفه؟) بتأهيل قوات الأمن الفلسطينية، وبالدور الذي يـؤديه السيد سلام فياض رئيس الوزراء الفلسطيني.
ومواجهة المستقبل تبدأ بالنظر الى ما هي عليه الحال في الحاضر. هذا يعني، باقتضاب شديد الاستدلال الى المشكلات ومسبباتها من جهة، وتقييم القدرات والمعوقات من جهة ثانية، تمهيدا لوضع الحلول الناجعة وايجاد السبيل إليها. واغلب الظن أنه لو كان النقاش في دنيا العرب، يدور حول هذه الموضوعات، لما تردّت الأوضاع الاجتماعية إلى الحضيض ولما استزرى حكام العرب بشعوبهم إلى حد يكاد أن يوازي ما بلغه النخـّاسون في الماضي.
وليس من حاجة إلى الإطالة، فإن السمة الغالبة على هذه الأوضاع هي، بلا جدال أو مبالغة أيضا، الهشاشة، بحيث ان الاعتقاد بقرب الانهيار النهائي، كانهيار سد مأرب في القرن الثامن قبل الميلاد بات الاعتقاد السائد. والدليل على ذلك هو تصرف الكثيرين، في بلاد العرب، وما يهمني هنا هي بلاد المحور الممتد من مصر إلى الخليج العربي، كونها الميدان الأساسي الذي تتقدم فيه جحافل المستعمرين. وهو كتصرف الذين أحسوا بالكارثة، فتدافعوا لا يلوون على أحد، يريدون النجاة بأنفسهم، وتصرف الذين علموا بأن القحط زاحف فاستأثر القوي منهم بما بقي من غلال، أو الذين أيقنوا أن الهجرة مصير محتوم، فباعوا ما لهم وما لغيرهم، من أملاك وحقوق وأودعوا أثمانها في المؤسسات المالية العالمية. وما أود قوله، هو ان فصول الكارثة تتابع في هذه البلاد، ولا يبدو أن هناك بوادر عمل جمعي حقيقي للحد من أضرارها، ولإصلاح ما هدمته، بل على العكس، إن ما نراه يشبه إلى حد كبير ما يتناهى الينا، كلما ضرب إعصار مدينة في الولايات المتحدة الأمريكية، أو انقطع التيار الكهربائي عنها بسبب عطل طارئ، عن أعمال السرقة التي تقع في مثل هذه الظروف. بمعنى أنه تبيـّن أن جل الذين يمسكون بالسلطة، تحولوا بمناسبة الهجمات الاستعمارية التي تتوالى على المنطقة العربية، وتحت جنح ظلمة الجاهلية التي عادت متسترة، إلى زعماء عصابات من النهابين.
من البديهي ان الإعداد للمستقبل، في مثل هذه الظروف يبدو أمرا غير واقعي. وإذا صحت هذه المقولة، فإنها برهان على أن الشعوب العربية، انساقت عن وعي أو عن لاوعي، إلى مأزق خانق. ومهما يكن فإن المشكلة كبيرة في الحالتين. ولكنني أزعم أنه بالإمكان دائما احياء الأمل، إذا ما اتضحت الأمور وتلاشت الأوهام، وامتلأت القلوب بالمحبة الصادقة والإخلاص، للأجيال القادمة التي من حقها أن تنعم في وطن. ومن نافلة القول، ان هذا الموضوع ذو تشعبات يصعب تناولها في هذا الفصل. لذا لا يسعني هنا إلا أن أكمل بالتمهيد له متوسلا مقاربة أوحت بها بالطبع الأحداث التي تتزاحم وتتسارع على الساحة العربية، وخصوصا في لبنان على وجه التحديد. أبدأ بالتساؤل، من منظور علماني ويساري، عن العوامل والأسباب التي أوجدت في لبنان مقاومة مسلحة، قاتلت الإسرائيليين عندما كانوا يحتلون جزءا من جنوب لبنان، ثم اصطدمت بهم بعد انسحابهم، في عدد من المعارك، كان آخرها في تموز/يوليو 2006، حربا حقيقية استمرت أزيد من الشهر، كانت غاية الإسرائيليين منها، القضاء على هذه المقاومة أو نزع سلاحها، ولكن حملتهم العسكرية باءت بالفشل. وهل أن هذه العوامل والأسباب، هي نفسها التي جعلت في قطاع غزة أيضا مقاومة يشن الإسرائيليون ضدها هجمات وغارات، من دون هوادة، تطورت في مطلع 2009 إلى حرب دامت 22 يوما، ألقى الإسرائيليون خلالها على بقعة لا تتجاوز مساحتها 350 كلم، وحيث الكثافة السكانية هي الأعلى في العالم، أطنانا من القنابل الفوسفورية، ومن المواد الشديدة الانفجار. ورغم ذلك فإنهم لم يحققوا أهدافهم. وبالمقابل ما هي العوامل والأسباب التي منعت نهوض مقاومة في الأردن (لا نستطيع القول انه ليست هناك مقاومة في سورية، لأن المقاومين يعترفون بأنهم يتلقون الدعم منها) هذا من ناحية ومن ناحية ثانية هل أن هذه العوامل والأسباب مماثلة، لتلك التي قضت على المقاومة أو تكاد، في الضفة الغربية. من المحتمل أن تسلط الإجابات على هذه الأسئلة الضوء على المواقف المتشنجة التي يتبارى اصحابها في وسائل الإعلام. ولكن ليس مستبعدا، أن ما يخفونه هو أعظم مما يصرحون به وانهم يكذبون على الناس. والغريب أن الناس، يعرفون أنهم يكذبون ولكنهم يفضلون أن يتغشـوا بالاكاذيب، ولو إلى حين لان ذلك أسهل وأنفع لهم في الراهن من سلوك نهج النضال ضد المستعمر الصعب والطويل، حيث لا تـُدرك الثمار، إلا في المستقبل. إذا كان المنطق يبرر العداوة المستحكمة بين المستعمرين من جهة والمقاومة من جهة ثانية، فإنه لا يبرر، على الإطلاق، العداوة التي تواجـَه بها هذه المقاومة، من قبل بعض الأطراف، ليس في لبنان وفي فلسطين وحسب، ولكن في الكثير من الدول العربية أيضا، وهي عداوة، لا تختلف في جوهرها عن الأولى. وبكلام أكثر وضوحا وصراحة، ما هي الأضرار التي تجلبها المقاومة، على هذه الأطراف العربية؟ إن ذرائع أعداء المقاومة من الأنظمة العربية ومن أنصارها، ومن الذين استجابوا للتحريض، ضد الأصولية الدينية في مكان، وضد حركية دعاوية شيعية في مكان آخر، لا تصمد أمام المعطيات الماثلة على الأرض، ولا امام المعطيات التاريخية، إذ لا ننسى أن الجميع كانوا عروبيين في الفترة الناصرية، ولم تكن الحدود بين الطوائف والمذاهب ظاهرة كما هي عليه اليوم. ولكن الأمور تبدلت، منذ ان صارت الولايات المتحدة الأمريكية هي الراعية، ومنذ أن ساد الاعتقاد بين الناس بأن أموال النفط تحول السراب إلى حقيقة.
ومهما يكن، فما من شك في أن للعصبية القبلية، التي تخفت في هذا الزمان بعباءات الدين والطوائف والمذاهب تارة وبعباءات الحزبية السياسة تارة أخرى، دورها الأساسي بما هي علة تنخر أجسام المجتمعات العربية وأدمغتها. ومن المرجح أنها جعلت هذه المجتمعات لا تبارح طور الطفولة. تتحاسد طوائفها، كما يتحاسد الأطفال. فإن أصاب إحداها مكروه، ألقت باللائمة على الأخرى، وجرّمتها تلقائيا، وان نزلت النعمة على واحدة، اعتبرت الثانية ذلك انتهاكا للعدالة. وجملة القول، ان مجتمعا أبت طوائفه أن تجتمع وأن تنصهر، لا يستطيع أن يبني وطنا. لانه مجتمع لا يعمل ولا ينتج ولا يقاوم دفاعا عن نفسه. تعيـّن كل طائفة على الطوائف الأخرى، امام السلطان وأمام المستعمر.’كاتب لبناني