لم تمر وقتها تسعة أشهرعلى انتخاب باراك أوباما حتى أعلن معهد النرويج عن فوزه بجائزة نوبل للسلام. البعض اعتبر الأمر مجرد سخرية للتاريخ، غير أن البعض الآخر رأى في سرعة التتويج هدفا ضمنيا لنسيان وطي صفحة السياسة الخرقاء لجورج بوش. على نفس المنوال انتخب الراهب الأرجنتيني ‘خورخي ماريو برغوليو’ الذي اختار لقب فرانسيس – نسبة إلى فرانسيس الأسيري أحد معلمي الكنيسة المدافع عن الفقراء والبساطة والسلام – يوم 13 اذار/ مارس2013 كحبر أعظم للكنيسة الكاثوليكية. وبدوره لم تمر غير تسعة أشهر حتى ارتقت مجلة ‘تايم’ الأمريكية إلى مرتبة أهم شخصية دولية للسنة التي ودعناها فأضيف اسمه إلى قائمة رموز دينية أخرى كبيرة سبق لها أن حظيت بالتقدير ذاته مثل: مارتن لوثر كينغ والخميني ويوحنا بولس الثاني. هذا البابا الجديد، غير الأوروبي والمنحدر من أمريكا اللاتينية، معول عليه كي يصلح تركة سلفه بندكتس السادس عشر وان يعيد الثقة بين المسلمين واليهود ويحرك من خلال ذلك عجلة الحوار بين الديانات الثلاث. لدينا ابن مهاجر إيطالي،عمل موظفا بسيطا في قطاع السكك الحديدية واصبح أول رجل دين غير اوروبي يشغل كرسي البابا منذ 1200سنة بعد غريغوري الثالث المنحدر من سوريا الذي تولى هذا المنصب بين سنوات 731 و741. لقد تجاوزت مفاجأة فوزه استقالة سلفه بندكتس السادس عشر التي ما زالت حقيقتها غائبة حتى الآن: استقالة حقا أم إقالة؟ البابا الألماني الذي اتسم مقارنة مع الحالي بشخصيته الانعزالية حيث انه كان منكبا فقط على قضايا مجردة دينية وفلسفية وإبقائه على أفق الكنيسة في ظل نفس نقاش القضايا الكلاسيكية بالمواقف ذاتها مثل الشذوذ الجنسي والإجهاض وزواج المثليين – وبخرجاته الإعلامية غير المحسوبة لا سيما نحو الإسلام ونبيه محمد مما تسبب في تأليب الرأي العام الإسلامي ضد الكنيسة الكاثوليكية والتي كان سبق لها أن حققت مستوى متقدما من الاحترام والتوقير خلال حقبة البابا البولندي يوحنا بولس الثاني بفضل حكمته ونضجه وتسامحه. كما أنه مع عهد بندكتس غدت صورة الكنيسة مرادفة للفساد الأخلاقي خاصة وفي طليعته الإعتداء الجنسي على الأطفال. لذا يقال بأن دور البابا الجديد البالغ من العمر 76سنة يكمن في إشرافه على عمليتي بيريسترويكا وغلاسنوست تشبهان ما حققه غورباتشوف فترة الثمانينات في الإتحاد السوفييتي فتموضع في قلب النقاش المعاصر يساجل الأسئلة والمستجدات المطروحة. هذه الكنيسة، في رأيي، تمتلك اليوم رسالة حضارية حقيقية تنظر أبعد من حدودها إلى العالم بأسره، فتتلمس أكثر فأكثر جوهر فكر المسيح، أو ما عبر عنه البابا يوحنا بين طيات رسالته الموجهة إلى الكنيسة بمناسبة الألفية الثالثة:’غوصوا إلى العمق’. يرفض البابا فرانسيس إدانة التطورات الاجتماعية كما فعل السابقون عنه، مما يحدث حوله أحيانا جلبة نتيجة انتقاد الأوساط المحافظة، ويخوض في مناقشة القضايا الآنية كالفقر والثراء والنزاهة والعدالة والشفافية ودور المرأة وتشجيع الحوار والتواصل بين الثقافات، بحيث بدا مختلفا وأكثر استيعابا لسياقات العولمة، ثم انتباهه إلى الدور الحساس الذي تلعبه وسائل التواصل الحديثة. هذا التوظيف يصبح فاعلا وناجعا زيادة إذا علمنا أن هذا البابا، المرشح لتحيين خطاب الكنيسة، يتقن ما يقارب سبع لغات هي: اللاتينية، الإسبانية، الإيطالية، الفرنسية، الألمانية، الإنكليزية والأوكرانية، مما يمنحه إمكانيات تواصلية هائلة للإقناع والتعبئة والاستقطاب. منذ الوهلة الأول ابتغى تكسير الإطار النمطي المحيط دوما برمزية طقوس البابا، فعلى غير المعتاد امتطى يوم تنصيبه عربة مكشوفة ثم طلب من الجموع المحتشدة لرؤيته بأن تصلي له بدل قيامه هو بمباركتها كما التقليد المتوارث. في موقع آخر، ظهر وهو يغسل قدم صبية سجينة، فكان الوحيد كما تذيع المزحة، الذي جعل الناس في روما يتداولون كلاما، غير فضائح برلسكوني. يريد البابا فرانسيس الانتقال بالمؤسسة الكنسية من التركيز على العقيدة إلى تقديم الخدمة والمعونة والتي هي رسالتها المبدئية كي تكون للجميع، فلا أحد، مهما تنوعت مرجعيته الدينية، سينازع في نبل لتحقيق المشاريع الخدماتية للمرضى والضعفاء والمتسولين والمسجونين والمجانين وغيرهم من المحتاجين في إطار برنامج يصبو نحو تجسيد العدالة الإلهية على الأرض. هكذا وانسجاما مع رؤيته تلك والتي تتوخى تجاوز العقائدية الجامدة، وبالرغم من موقفه الرافض رفضا صارما للشذوذ وزواج المثليين، فقد صرح ذات مرة، مجيبا على سؤال بهذا الخصوص: ”من أنا لأحكم عليهم؟’ مما أثار حوله سيلا من انتقادات فريق المحافظين الكاثوليك. نزوعه الحداثي الذي يصطدم لا محالة بتقليد كنسي تليد، تريد منه الجهة المناصرة أن يحدث تغيرات تهم زواج الكهنة وسياسة نسائية واضحة ثم تخفيف القيود المتعلقة بالإجهاض وشرعنة الموت الرحيم، وهذه كلها إشكالات ملحة تقض مضجع أ كثر من مليار كاثوليكي مؤمن وتفرض على الحبر الأعظم – الذي درس الكيمياء والعلوم الإنسانية والفلسفة ثم حصل على دكتوراه في اللاهوت وهو القارئ النهم لنصوص بورخيس ودوستويفسكي وصاحب العديد من الدراسات أهمها: تأملات للرهبان(1982)، تأملات حول الحياة الرسولية(1986) وتأملات الرجاء(1992) تفرض عليه وتقتضي منه جوابا يعيد باستمرار الإشكال القديم- الجديد المتعلق بالعلاقة بين الدين والعلم وثم درجات تداخل الديني والدنيوي. تواضعه ووداعته ونمط عيشه المتجرد من أي تباه ورفضه لمظاهر الترف ولعولمة اللامبالاة المتمددة على إمبريالية المال، اختلاطه بالمهمشين، زيارته إلى جزيرة لامبيدوزا تعبيرا عن تضامنه مع اللاجئين الأفارقة، إعلانه يوما كونيا للصلاة من أجل تحقيق السلام في سوريا ودعوته الدائمة إلى تجسيد قيم العدالة،إلخ، كلها خصال دفعت البعض نحو التشكيك في هويته الظاهرة وتأكيدهم في المقابل أنه ماركسي العقيدة يتخفى وراء جبة دينية مجسدا بهذا أحد رموز تيار لاهوت التحرير، المعرف بانتشاره الواسع في أمريكا اللاتينية، الموطن الأصلي للبابا فرانسيس. أكان ذلك أم لم يكن، المهم أن الرجل يحاول إيجاد موقع بديل لكنيسة مترهلة وسط عالم سريع جدا يتغير في الساعة الواحدة أكثر من مرة. سعيـد بوخليـط