هل فقدت الدانمارك عذريتها؟
منير عبد المجيدهل فقدت الدانمارك عذريتها؟ ما حدث في الدانمارك ليس حدثاً عرضياً، بل حالة لها علاقة بالتطورات العالمية، سواء أكانت الخريطة الجيو ـ سياسية الجديدة، ونمو الحركات الأصولية، أم التغيرات الديموغرافية السكانية، مروراً بغول العولمة.تفاصيل ما حدث في العالم خارج المملكة الدانماركية لا حاجة للبحث فيها هنا، لدرايتي ان القارئ الكريم علي معرفة مسبقة بها.لكن دعوني أسوق عرضاً لبعض المنعطفات التاريخية في البلاد، والتي تُوجت بوصول حزب يميني متشدد، اتهم بالعنصرية غير مرة، باحتلال كرسي صاحب القرار، كونه يشكل القاعدة البرلمانية للحكومة اليمينية الحالية.دخل الاسلام البلاد بوفود ووجود العمال الأتراك والعرب منذ منتصف الستينات من القرن الماضي. هؤلاء جاءوا بسبب الحاجة الماسة الي اليد العاملة الأجنبية حينذاك. ولا جديد هنا في المسألة، لان موجة الهجرة هذه غطت اوروبا الغربية عامة.تغيرت صورة الشارع الدانماركي علي نحو مفاجئ، بحضور عائلات هؤلاء العمال. وكانت هذه الحجر الأساس في تكوين المجتمع متعدد الأعراق، الذي بدوره أثار ذعر اليمين الدانماركي.وبالرغم من ان انشاء حزب التقدم، بزعامة المحامي مونس غليستروب، في بداية السبعينات ودخوله الصاعق الي البرلمان، لم يكن في البداية سوي حركة احتجاج علي ارتفاع نسبة الضرائب، في مجتمع الرفاه الدانماركي، الا انه سرعان ما جعل الاسلام والمسلمين في الدانمارك عدوه الأول.موجة الهجرة الثانية جاءت في مطلع الثمانينات، نتيجة الحرب الأهلية اللبنانية والحرب العراقية ـ الايرانية، ومن ثمة حرب البوسنة واقليم كوسوفو والصومال. وهو ما عُرف بموجة اللاجئين.معاداة المغتربين واللاجئين ازدادت بزيادة عدد هؤلاء (200 ألف مسلم يشكلون نسبة 3% من اجمالي عدد السكان)، خاصة بعد ان نسخت الأحزاب الاخري الكبيرة بعضاً من برنامج حزب التقدم المتطرف، مما دفع بمونس غلسيتروب (زعيم الحزب) الي المغالاة والمزايدة واستعمال نبرة لم يسبق لها مثيل في تاريخ البلاد. يجب ارسال المحمديين (هكذا يدعو المسلمين) الي الخارج، تماماً كما نرسل نفاياتنا . احدي عباراته الشهيرة عام 1990.انشقاق بيا كيرسكو عام 1995 عن حزب التقدم وتشكيلها حزب الشعب الدانماركي أفقد البلاد عذريتها الي الأبد. هنا يختصر مونس كامره (ممثل البرلمان الاوربي عن حزب الشعب الدانماركي) سياسة حزبه علي هذا النحو عام 1999 المسألة هي ان الاسلام يعادي مجتمعنا، وهدفه تخريب نظامه ، ويضيف الي ذلك العام 2001 ما يلي: المسلمون يتغلغلون في كل الدول الغربية ـ بعضهم يتحدث الينا بنبرة لطيفة، ولكنهم ينتظرون الوقت المناسب حتي يصبح عددهم كافياً كي يقتلوننا .في العام 2001، وبعد هجمات 11 ايلول، شهدت البلاد عودة اليمين الي صدارة الحكم وهزيمة الحزب الاشتراكي الديمقراطي. وعودة اليمين لم تكن لتتحقق دون مساعدة بيا كيرسكو (نال حزبها 13% من أصوات الناخبين) التي تترك بصماتها بقوة علي أي قرار أو خطوة تتخذها الحكومة.والحكومة هي تآلف من الحزبين الليبرالي (الذي يتزعمه رئيس الوزراء اناص فو راسموسن) وحزب المحافظين. هذا التآلف شكل حكومة أغلبية بعد ضم أصوات حزب بيا كيرسكو.اثر هذا التحالف، الذي يذكر بتحالف يورغ هايدر اليميني المتطرف والمحافظين في النمسا منذ عدة سنوات، مرر حزب الشعب الدانماركي عدداً كبيراً من القوانين التي وُجهت مباشرة ضد الجالية المسلمة في البلاد. أذكر منها تشديد قانون اللجوء، حيث أغلقت بوابات الدانمارك في وجه طالبي اللجوء، ثم تشديد انظمة لم شمل الأسر، صعوبة الحصول علي الجنسية، وتحديد سن الزواج من الأجانب الذين يرغبون بالانتقال الي الدانمارك.رافقت كل هذا نبرة حوار غريبة علي المستوي الرسمي ـ الاعلامي، ان لم ننس مستوي الشارع أيضاً. انتقادات فظة وعنصرية موجهة ضد الاسلام والمسلمين شبهها الكثيرون بتلك التي كانت سائدة في ألمانيا النازية.مناخ البلاد السياسي ولغة الخطاب التي سبقت الرسومات الشهيرة المسيئة الي النبي محمد (ص)، بدت وكانها تحصيل حاصل، وتطور طبيعي للحدث. من كان يتصور في العام 1900 ان يتحول حي كبير في كوبنهاغن، وأحياء اخري في مدن عديدة عام 2005 الي مرتع ومأوي لاناس ينتمون الي طبقة حضارية متدنية. اناس جاءوا بتقاليد مرعبة، مثل الاقدام علي القتل لغسل العار، الزواج القهري، الذبح الحلال وجرائم الدم. هذا ما حصل تماماً. هناك عشرات وعشرات الآلاف من الذين، وكما يبدو، يعودون حضارياً وثقافياً وروحياً الي العام 1005 وليس العام 2005، لقد جاءوا الي بلد تجاوز القرون الوسطي منذ مئات السنوات . علي هذا النحو وصفت بيا كيرسكو العام الفائت الوضع في أحياء المدن الدانماركية الرئيسية، مشيرة الي الجالية المسلمة التي تتجمع في الغيتوات.كما ذكرت، أريد هنا اعطاء القارئ صورة عن وضع البلاد، ولا أقصد صب المزيد من البنزين علي النار. وأعود الي السبب الذي دفعني لكتابة هذه الأسطر. الرسومات المسيئة لكل المسلمين في صحيفة يولاندس بوستن .أري ان الموقف الرسمي الدانماركي المتردد في ادانة هذه الرسومات هو الذي أدي الي هذا التصعيد الحاد. فمن جهة لا يمكن للحكومة التدخل في تحديد وتقزيم حرية الصحافة. هذه نقطة حساسة تغيب، مع الأسف، عن أذهان الكثيرين، خاصة الذين ما زالوا يطالبون الحكومة، لا بل الملكة، بتقديم الاعتذار ومعاقبة الصحيفة. حرية الصحافة هنا لا حدود لها، والحكومة لا تستطيع بتاتاً التدخل ومنع صحيفة أو مقال ما، حتي لو أدت ممارسة هذه الحرية الي المس بمشاعر فئة من الناس وديانتهم. هناك نظام قضائي، الذي هو بدوره مستقل تماماً، يبت في مثل هذه التجاوزات. ومن جهة اخري فان رفض رئيس الوزراء استقبال ممثلي البعثات الدبلوماسية الاسلامية كان خطيئة، حاول الأخير الاعتذار عنها بحذر في خطابه للأمة عشية اعياد العام الجديد. وهو يحاول جاهداً الآن التركيز علي ان خطوة الصحيفة لا تعكس سياسة الحكومة، أو الموقف الرسمي الدانماركي، وذلك في عدة مناسبات خلال الأيام القليلة الماضية. وفي استقباله السلك الدبلوماسي المعتمد مؤخراً أوضح موقفه الشخصي من هذه الرسومات، وقال انه لن يقوم بما قامت الصحيفة به. وسواء جاء هذا الرد متأخراً أم لا، فانه يعبر عن الموقف الدانماركي الرسمي. الحكومة النرويجية، علي سبيل المثال، سارعت علي الفور بادانة نشر الرسومات ذاتها في صحيفة نرويجية.تحالف الحكومة مع حزب الشعب الدانماركي المتطرف، الذي يصعب أحياناً تجرعه، يرتبط بأصول اللعبة الديمقراطية علي الطريقة الغربية، والرغبة في الوصول الي السلطة، حتي لو اضطر الأمر الي التحالف مع الشيطان عينه في بعض الأحيان، وهو ذاته الذي يسمم المناخ العام في البلاد، ويفوت الفرصة لدمج الجاليات المسلمة لتصبح جزءاً لا يتجزأ من لحمة المجتمع الدانماركي، وهو الذي أدي الي تطاول الصحيفة الي هذا الحد.وتطاول الصحيفة يبدو وكانه بات بداية تحقيق نبوءة صامويل هنتينغتون الشهيرة بمقولة تصادم الحضارات (الغرب والاسلام)، أو هذا ما يريده البعض علي الأقل، بعد ان أقدمت العديد من الصحف في كل انحاء اوروبا الغربية بنشر هذه الرسومات الكاريكاتيرية، في خطوة لم يسبق لها مثيل.عدم نشر الرسومات هذه في الصحف الأمريكية ليست محاباة للاسلام أو الخشية من رد الفعل الاسلامي، فمتي كانت أمريكا تعير ذلك بالاً؟ بل هي بعد نظر (أعترف بذلك)، واستفادة من تجارب سابقة، أذكر منها انتهاك حرمة الدين الاسلامي غير مرة في معتقل غوانتانامو (لماذا لم يتحرك الشارع العربي حينذاك، كما يفعل الآن، ضد أمريكا؟).لكن دعوني أضيف ان الصورة في البلاد ليست قاتمة تماماً، فالي جانب الانتقادات التي تنهال علي الحكومة الدانماركية من كل الجهات، هناك في الداخل حركة لا يستهان بها، تقودها طليعة المثقفين الدانماركيين الذين يطالبون الرأي العام باستعمال لغة تخاطب ونبرة نقاش حضارية عوض تلك البدائية السائدة الآن. أما من الخارج فهناك انتقادات مستمرة من الدول الاوروبية وبقية الدول الاسكندنافية (خاصة من السويد)، تستغرب حدة الهجمة الشرسة، بقيادة حزب الشعب، علي الأقليات الدينية والعرقية في البلاد، ومدي قبول الحكومة الحالية هذه النبرة. البضائع الدانماركية تُقاطع في كل مكان، استجابة لمقاطعة الدانمارك اقتصادياً. وأضيف هنا ان هذه المقاطعة لن تكون وبالاً علي اقتصاد البلاد، كون اجمالي الصادرات يبلغ فقط 1.1% من مجمل الصادرات الدانماركية.والسؤال هو حالياً، ان كانت هذه الخطوة هي الصحيحة، في حل أزمة مستعصية كهذه؟صحيح ان اوروبا استعملت سلاح المقاطعة الاقتصادية بنجاح كبير ضد النظام العنصري في جنوب أفريقيا منذ عشرين سنة. أما مقارنة هذه الحالة (المقاطعة الآن) بمقاطعة جنوب أفريقيا فاجحاف وخطأ يتميز بنقص النظر. الدانمارك، ما زالت، تعد من طليعة الدول في العالم حين يتعلق الأمر بمساعدة الدول الفقيرة. لاحظوا مثلاً المساعدات الكبيرة التي تقدمها الي السلطة الفلسطينية. ومن الغريب حقاً، ان نري، علي نحو يومي، شباناً من قطاع غزة يهددون ويتوعدون بالقتل والتدمير لكل ما هو دانماركي، ويحرقون الأعلام الدانماركية المحاكة علي نحو رديء، بدل ان يعبروا عن سخطهم واحتجاجهم علي الصحيفة بأساليب أكثر تحضراً.قد يكون الضغط باستعمال الأقنية الدبلوماسية هو الحل الصحيح، والذي يليق بالدول التي تحترم نفسها. وقد تكون المقاطعة الاقتصادية شديدة الفعالية، لكن الأمر السيئ في هذا السياق هو من شقين: الأول هو ان هذه المظاهرات المتشنجة، تدفع بالدانماركيين، والغرب عموماً، الي أحضان اليمين المتطرف. وهذا بدوره يؤذي بشكل مباشر ملايين المهاجرين المسلمين في اوروبا. وكي لا يسيء أحد فهمي هنا، أقول ان التظاهر ضد مسألة ما حق مشروع، لكن استعمال لغة التهديد والقتل، وحرق السفارات والقنصليات لا تعطي أية نتيجة، وهي ردات فعل همجية وبدائية مُسيرة من قبل الراديكالية الاسلامية، والتي لا تختلف أجندتها، من حيث المبدأ، عن أجندة اليمين الدانماركي المتطرف. التظاهر باستعمال لغة العقل والاقناع هو ما نريده، وهي اللغة الوحــيدة التي يمكن ان نقنع بها العالم. الأمر الثاني هو المناداة بمقاطعة مهرجان ثقافي متعدد الأبعاد خُصص لتقديم الشرق الأوسط باسم صور من الشرق الأوسط . المشاركة في هكذا مهرجان تأكيد علي ان في بلادنا حركة ثقافية عميقة عمق تاريخ المنطقة. ومن ينكر ان وجه حضارة أمة هو ثقافتها؟دعونا نُري الدانماركيين ثقافتنا.ہ ناقد سوري مقيم في الدانمارك8