هل كانت تجربة الشعوب العربية مريرة بما فيه الكفاية لكي تتعظ؟

حجم الخط
0

عمدما فاجأ القذافي العالم في يوم 1 سبتمبر من العام 1969 بالثورة التي سميت ثورة الفاتح، فقد أدخل البهجة والسرور على قلوب الجماهير العربية التي رأت حكم الملك محمد إدريس السنوسي على أنه حكم استبدادي موالٍ للغرب، ويتيح له الفرص لنهب الثروة النفطية الليبية. هذا ما قاله لنا الأستاذ جمال مدرس الرياضة البدنية، عندما دخل إلى غرفة الصف وأعلن بهذه المناسبة إعفاءنا من الجري الذي استعاض عنه بإعطائنا حصة في العلوم السياسية، كان ذلك في فلسطين عندما كنت في الثالثة عشرة من العمر.

لم يتوقع أحد أن يقوم هذا القائد الذي تغنى بالوحدة العربية ورفع الشعارات الوطنية النارية، أن ينقلب إلى نظام شمولي يستأثر بالحكم ويحول بلاده إلى زنزانة عازلة للصوت، حتى أصبح وحده الذي يتكلم دون سواه، ويعامل الشعب الليبي كقطيع من الأنعام يسوقه بعصاه إلى الوجهة التي يريد.

من المفارقات العجيبة أن القذافي لم يكن وحده الذي أخذ هذا المنحى، بل أن كل الزعماء العرب الذين وصلوا إلى الحكم عن طريق الثورات أو الانقلابات انحرفوا عن المسارات المعلنة لثوراتهم، وارتدوا في النهاية إلى نفس المسارات التي سار عليها الذين كانوا في الحكم من قبلهم، لا بل أنهم تفوقوا عليهم في الظلم والاستبداد حتى كادوا يؤلهون أنفسهم.

ونحن إذ نتساءل عن الأسباب التي جعلتهم يتصرفون على هذا النحو، فإننا نفاجأ بأن عملية البحث تقودنا إلى الشعوب نفسها وليس لأحدٍ سواها، وكيف ذاك؟

الواقع يؤكد أننا مشتركون في جرائم كبيرة بحق أنفسنا عندما مارسنا الرياء والنفاق، ونحن نبالغ بكيل المدائح للقائد الملهم، والملك المفدى، والزعيم الخالد، وما إلى ذلك من العبارات والألقاب التي لعب تكرارها دوراً رئيسيا في عملية غسلٍ لأدمغة هؤلاء القادة بطريقة ممنهجة مع أنها لم تكن إرادية، ولكنها نجحت في إصابته بداء العظمة، وجعلتهم يصدقون فعلاً أنهم الأعلون، وأن من سواهم هم الأدنى، وبالتالي فإنهم مدينون لهم بالماء الذي يشربون والهواء الذي يتنفسون والمساكن التي تأويهم. إذا كنا نقر ونشهد بأن (لا إله إلا الله)، فلماذا نؤله من سواه؟

حتى لو كان القائد بطلاً وضحى فعلاً بالغالي والنفيس من أجل الوطن، فهل تعطيه بطولته الحق في أن يتحول إلى صنم يستحق أن تقدم له القرابين البشرية، قتلاً وصلباً وتعليقاً في الزنازين؟

هل تعطيه هذه البطولة الحق في الالتفاف بالأمة مئة وثمانين درجة ليجعلها تذل وتخضع لأعدائها الذين نهبوا خيراتها وقتلوا أبناءها؟

لم يكن معمر القذافي ومبارك وبن علي وغيرهم من القادة المصابين بداء العظمة إلا دليلاً دامغاً على درجة الانحطاط الفكري والأخلاقي لهذه الأمة في تلك الحقبة التي ساد فيها أمثال هؤلاء الحكام.

عندما سأل الأعرابي الخليفة الراشد عمر بن الخطاب عن السبب الذي جعل حصته من القماش تكفي لخياطة ثوب كامل له، بينما لم تكف حصص الآخرين لحياكة مثله مع أنهم أقصر من عمر. فقد أجابه عمر بأن ابنه قد تبرع له بحصته فحاك من القطعتين هذا الثوب، وقال.. أحمد الله أن جعل فيكم من يقوم عمر إذا أخطأ.. ليرد الأعرابي قائلاً.. والله لو رأينا فيك اعوجاجاً لقومناه بسيوفنا!

هذا المواطن لم يخاطب عمر بألقاب السيادة والجلالة، مع أن عمر أحق بالثناء من أي زعيم من زعماء عصرنا الذين نكيل لهم المديح والتبجيل، رغم أن عهدهم تميز بوقوع الغزو والاحتلال للأرض، وتعرض أبناء الأمة للقتل والإذلال، بينما تقف جيوشه موقف المتفرج من فلسطين التي اغتصبت ولا زالت تغتصب، ويتم تهويد قدسهم، وأقصاهم يئن ويستغيث، بينما آلعدو يحفر تحت قواعده ويسعى إلى هدمه لبناء الهيكل المزعوم على أنقاضه.

العقيد معمر القذافي يعيش في كوكب آخر صنعه من نسج خياله الذي استوحاه من نفاقنا وتملقنا وشهوتنا الجامحة للوصول إلى المناصب عن طريق إرضاء الزعيم المزيف، الذي لم يتمكن من تزييف حكمه إلا لأن الأمة تخلت عن قيمها وقامت هي الأخرى بتزييف نفسها.

أعلم أنني قسوت على شعوبنا الحبيبة التي دفعت أثماناً باهظة في تلك الحقبة المظلمة من تاريخها. ولكن الحقيقة مرة وقاسية، ولا ترحم، وهي حَرية بأن تذكر بشكلٍ تجريدي بدون مواربة حتى لا تنسى، ولأننا نريدها أن تبقى شاخصة في أعماق وجداننا لكي نتعلم منها كيف نرسم خارطة طريقٍ لمستقبلنا الذي لن يكون مشرقاً إلا إذا أعدنا تعريف مفهوم القيادة ومفهوم المواطنة على نحو يسمح للمواطنين بالتعامل مع القادة بصفتهم أصحاب الملك، بينما القادة موظفون يعملون عندهم بعقد يحدد طبيعة المهمات المنوطة بهم، ويحدد الزمن الذي ينتهي بموجبه عقدهم.

يشهد الله أن القلب يتقطع حزناً ويتراقص فرحاً في آنٍ واحد.

فبينما نحزن لفراق هذه الكوكبة الشابة من الشهداء الذين بذلوا دماءهم لأجل كرامتنا وحريتنا واستقلالنا، فإننا نفرح لأنهم أثبتوا لنا أن ضمير هذه الأمة لم يمت وإن كان قد تخدر لوقت طويل، ولأنهم أسقطوا أكبر العوائق التي وقفت في وجه وحدتنا التي أراها تتوثب في الصفحة التالية لتلك التي تشرق اليوم في حياتنا.

نحبك يا شعبنا العربي الليبي البطل، ونشتم ريح البنفسج من تلك الدماء الشابة الزكية التي أضاءت شموع فجرنا الوليد.

ها هو الفجر الذي اشرق بتونس الخضراء قد تألق بأرض الكنانة وتجلى بليبيا الحبيبة ليثلج صدر والدنا واستاذنا الشيخ المجاهد عمر المختار.

دورة النور ستكتمل بإذن الله، ولا بد للمشرق العربي أن يغتسل بنفس الأنوار التي اشرقت من المغرب هذه المرة، مع أن شعوب المشرق العربي تبتهل وتحتفل وتتوثب، وهي قاب قوسين أو أدنى من إشعال المصابيح التي ستجمع شمل النورين بشمس واحدةٍ موحدة إن شاء الله.

زياد علان العينبوسي نيويورك[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية