هل كان الرئيس الراحل فرانسوا ميتران صديقا للفلسطينيين؟

حجم الخط
0

هل كان الرئيس الراحل فرانسوا ميتران صديقا للفلسطينيين؟

د. محمد عجلانيهل كان الرئيس الراحل فرانسوا ميتران صديقا للفلسطينيين؟ مضي عشر سنوات علي غياب الرئيس الفرنسي الراحل فرانسوا ميتران بكل هفواته واخطائه وانجازاته، والبعض يعتبره اليوم من الرؤساء الفرنسيين الأكثر شعبية حتي من الرئيس الراحل شارل ديغول مؤسس فرنسا الحديثة، وبالطبع ميتران كان اول رئيس اشتراكي يمكث اطول فترة في الحكم، بدون بالطبع ان يغير أسس وقواعد نظام الجمهورية الخامسة، والتي كان قد وعد بتغييرها في حال استلامه للحكم، ولكنه لم ينفذ وعده. علي جميع الاحوال، ما يهمنا من الرئيس الراحل هو سياسته العربية وبشكل عام تجاه الفلسطينيين وقضيتهم العادلة، لانه عندما تسلم ميتران الحكم في ايار (مايو) 1981 انتابت الاوساط العربية حالة من الهلع والخشية والخوف، وخاصة ان الرجل كان معروفا بصداقته الاسرائيلية وغولدا مئير وموشي دايان، وصداقاته اليهودية العميقة حتي داخل فرنسا جورج دايان وجاك اتالي، ولدرجة انه لم يزر اي دولة عربية قبل استلامه للحكم ما عدا مصــر، بينما زار اسرائيل العشرات من المرات.لكن الرئيس ميتران عندما استلم الحكم ارسل برسائل حملها معهم موفدون الي الدول العربية لطمأنة العرب والفلسطينيين، وعين كلود شيسون وزيرا للخارجية والمتعاطف مع الشعب الفلسطيني وصديق نعيم خضر ممثل فلسطين في بلجيكا والذي اغتالته اجهزة المخابرات الاسرائيلية. ورغم زيارته لاسرائيل ومطالبته من علي منبر الكنيست بدولة فلسطينية، هذه الزيارة التي اغضبت جدا الفلسطينيين، ورغم تعطيله للتحرك الاوروبي باتجاه الفلسطينيين، الا انه وقف وقفة حازمة وقوية عندما حوصر الفلسطينيون برئاسة عرفات في بيروت عام 1982، وطلب من الرئيس الامريكي عدم القضاء علي منظمة التحرير الممثل الرئيس بالنسبة لميتران والمخول التكلم باسم الفلسطينيين، وحذر كذلك من اغتيال عرفات، وارسل سفنا وبواخر فرنسية لاجلاء عرفات وقواته من بيروت، نفس الامر فعله ميتران عندما حوصر الفلسطينيون هذه المرة في طرابلس بلبنان من طرف قوات عربية وشقيقة.هذا الموقف الميتراني لم يمر بشكل مجاني، بل كافأ الفلسطينيون الرئيس ميتران والقيادة الفرنسية بالقبول بالتعاون وبشكل كامل امنيا مع الاجهزة الامنية الفرنسية، وبحكم خبرة الفلسطينيين الامنية فقد ساعدوا الفرنسيين علي تجنب عمليات ارهابية ضد مؤسسات فرنسية خارج فرنسا، وكذلك الامر بالنسبة للأراضي الفرنسية.واصبحت ابواب باريس مفتوحة امام الشهيدين ابو جهاد وابو اياد اللذين لم يترددا في اعطاء معلومات دقيقة وواضحة وثمينة ضد التحركات المعادية لفرنسا.واصبح للفلسطينيين مصداقية كبيرة لدي الفرنسيين، الذين زودوهم بدورهم بمعلومات هامة عن جواسيس تعمل لصالح اسرائيل ومتمركزة داخل الجسم الفلسطيني.وتوج هذا التعاون الفرنسي ـ الفلسطيني بزيارة الأخ الشهيد ياسر عرفات الي باريس واستقباله من طرف ميتران في شهر ايار (مايو) 1989، واعلانه من باريس بالتخلي عن الارهاب والقبول بدولتين فلسطينية واسرائيلية، واعتبار الميثاق الفلسطيني والفقرة المتعلقة بتدمير اسرائيل ملغاة.وامتد هذا التعاون الفرنسي ـ الفلسطيني ليشمل تنسيقا كاملا بين الطرفين علي مستوي الازمات العربية وخاصة الازمة العراقية ـ الكويتية، وأزمة الرهائن الفرنسيين في بيروت، والعلاقات الفر نسية ـ العربية.وان لم يكن للفرنسيين دور في مفاوضات اوسلو بسبب قربهم من الموقف الفلسطيني، الا ان الفلسطينيين اطلعوهم علي فحوي وتقدم هذه المفاوضات. ولكن السؤال المطروح هو ما الذي جعل ميتران صديق اسرائيل والاسرائيليين يتحول في مواقفه تدريجيا ليقترب اكثر بأكثر من الفلسطينيين!في حقيقة الامر وعلي عكس التحليلات الاخيرة، فان العامل الرئيسي الذي اقنع ميتران بعدالة القضية الفلسطينية كان عن طريق الاشتراكية الدولية، ورسالة الأخ الشهيد عصام السرطاوي الي هذا التجمع الدولي العزيز علي قلب ميتران والذي طالب فيه بالتعايش السلمي بين الفلسطينيين والاسرائيليين، وهذا الموقف الفلسطيني الشجاع ايقظ ميتران من سباته اليهودي والاسرائيلي، وجعله يدرك بأن هناك فلسطينيين لا يرغبون بتدمير اسرائيل كما صور له ذلك وانما هناك فلسطينيون شجعان يرغبون بالعيش بدولتهم بشكل سلمي وعادل.برونو كرايسكي ومنديز فرانس واولف بالمة اصدقاء ميتران كان لهم بدورهم تأثيرهم علي ميتران الذي اصبح في آخر ايامه مقتنعا بعدالة القضية الفلسطينية، وبأن الفلسطينيين هم الشعب المعتدي عليه، وخاصة انه شهد بداية الانتفاضة السلمية الفلسطينية في عام 1987 وكيف ان جنود الاحتلال كسروا عظام الفلسطينيين علي مرأي من شاشات الاعلام المرئية.لقد ربح الفلسطينيون معركتهم الاعلامية علي الساحة الفرنسية بعد ان قدموا الشهداء والتضحيات الكبري من محمود الهمشري الي فضل الداني وباسل الكبيسي مرورا بالشهيد عز الدين القلق، ويا ليت يقام نصب تذكاري لضحايا القضية الفلسطينية في قلب باريس عاصمة الحرية والنور.ہ كاتب من سورية يقيم في باريس8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية