■ كان «سبارتاكوس» أشهر شخصية ارتباطا بالحرية والثورة ضد الاستبداد والظلم في العالم القديم وأحد أكثر الأسماء بروزا في التاريخ الأوروبي.
كانت روما في القرن الثاني قبل الميلاد قد بدأت تتحول إلى القوة العظمى في أوروبا، حيث سيطرت تماما على البحر الأبيض المتوسط بعد أن سحقت جميع منافسيها، خاصة قرطاجة، وبذلك استطاعت روما امتلاك أعداد هائلة من العبيد وصلت إلى عدة ملايين واستخدمتهم لخدمة المتطلبات الاقتصادية المتعددة، خاصة الزراعية، ولذلك ازداد الإنتاج الاقتصادي بشكل كبير، وأصبح العبيد لا يقومون بالأعمال الشاقة اللاإنسانية فقط، بل الأعمال المكتبية أيضا، وأصبحوا معلمين وأطباء وحدادين وأصحاب مهن أخرى. وبسبب بقاء ذلك النظام القاسي لفترة طويلة، فإن أجيالا عديدة من عائلة العبيد تبقى سجينة هذا النظام، ولكن هذا النظام اعتمد بشكل أساسي على قابلية الدولة الرومانية على فرضه بالقوة الغاشمة، ولذلك ما أن ضعفت الدولة بعض الشيء بسبب الصراعات الداخلية، حتى بدأت بوادر الاضطرابات بالظهور، فأصبحت القرصنة أكثر انتشارا في البحر الأبيض المتوسط، إلى درجة أنها شكلت خطرا حقيقيا على النشاط التجاري الروماني في البحر الأبيض المتوسط، وأخذ العبيد يتمردون على أسيادهم بشكل فردي ومجموعات، سرعان ما تطور إلى ثورات.
وكانت أول ثورة للعبيد قد حدثت عام 135 ق.م. وأخمدت بالقوة وتبعتها أخريان ولكن الأخطر كانت الأخيرة التي قادها عبد بلغاري تحول إلى أسطورة في التاريخ الغربي، وهو «سبارتاكوس». وعن هذه الأسطورة أنتج عام 1960 أحد أشهر الأفلام في تاريخ هوليوود باسم «سبارتاكوس» ووظفت في إنتاجه مجموعة من أبرز النجوم في هوليوود، حيث كان الممثلون الرئيسيون كيرك دوغلاس (الذي كان المنتج أيضا) وتوني كرتس، والمخرج ستانلي كوبرك. وكان الفيلم قد اقتبس من قصة الكاتب هوارد فاست، وحاز الفيلم على نجاح تجاري وفني منقطع النظير ونال استحسان النقاد وأربع جوائز أوسكار. حدث هذا في فترة كانت الأفلام عن الرومان قد أصبحت آخر صرعات السينما، حيث حاز فيلم «بن هر» (1959) على نجاح كبير، وكذلك فيلم «كليوباترا» وأفلام أخرى.
كانت أول ثورة للعبيد قد حدثت عام 135 ق.م. وأخمدت بالقوة وتبعتها أخريان ولكن الأخطر كانت الأخيرة التي قادها عبد بلغاري تحول إلى أسطورة في التاريخ الغربي، وهو «سبارتاكوس».
تعود أحداث الفيلم بنا إلى القرن الأول قبل الميلاد وجمهورية روما، ركز الفيلم على عبد معين لدى الرومان يدعى «سبارتاكوس» (كيرك دوغلاس) كان يعمل في المناجم في ظروف وحشية، وعرف برفضه لواقعه واشتراه مالك لمدرسة للمصارعين (بيتر يوستينوف) وجعله يتدرب على رياضة المصارعة المميتة الرومانية. وبعد ذلك اشتراه «كراسوس» (لورنس أوليفييه) أغنى رجل في روما، الذي كان يطمح إلى أن يصل إلى قمة السلطة في الدولة. وكان «كراسوس» ساديا ويستمتع بمشاهدة العبيد يقتلون بعضهم بعضا في مصارعة يكون مصير الخاسر فيها دائما الموت. ولذلك فقد نازل «سبارتاكوس» عبدا إفريقيا فاقه قوة ومهارة بحضور «كراسوس» وضيوفه وانتصر الإفريقي عليه، ولكن هذا رفض قتل «سبارتاكوس» وبدلا من ذلك هاجم الجمهور، فلقي حتفه على يد «كراسوس» الذي قطع رأسه بنفسه. وفي اليوم التالي ينجح «سبارتاكوس في الهروب مع مجموعة من رفاقه الذين ينتخبونه قائدا لهم، وأخذوا يغيرون على منازل أغنياء الرومان خارج المدن، وانضم إليهم عبيد آخرون ومنهم «أنتونينوس» (توني كيرتس) وزاد عددهم حتى أصبحوا جيشا، وانتشر صيتهم في جميع أنحاء البلاد، وكان هدف «سبارتاكوس» الحرية والقضاء على نظام العبودية، ولكن رغبة العبيد كانت مغادرة الجمهورية الرومانية والعودة إلى ديارهم لا أكثر. ولذلك قام «سبارتاكوس» بالاتفاق مع قراصنة للقيام بهذه المهمة ولكن «كراسوس» يرشيهم لنكث اتفاقهم معه. وفي روما استغل «كراسوس» الموقف محاولا تحشيد القوات المسلحة الرومانية تحت قيادته لدحر جيش «سبارتاكوس» والسيطرة على روما. ولكن عضو مجلس الشيوخ الروماني «غراكوس» (تشارلز لوتون) عرف بنوايا «كراسوس» وخشي أن يحكم روما كديكتاتور، فحاول مساعدة سبارتكوس بالخروج من الإمبراطورية الرومانية ولكنه فشل. وحاول كسب تأييد حاكم روما الشاب «يوليوس قيصر» ولكن هذا انضم إلى خصمه «كراسوس». وأثار جيش «سبارتاكوس» رعب مجلس الشيوخ الروماني، فقام بتعيين «كراسوس» حاكما مطلقا وكلفه بالقضاء على «سبارتاكوس». ونجح الجيش الروماني في نهاية المطاف في حصار العبيد، وبعد معركة دامية انتصر فيها الرومان وقُتِلَ أغلب العبيد فيها، وقرر الرومان صلب الباقين منهم على طول الطريق إلى روما، ولكن الرومان لم يعثروا على جثة «سبارتاكوس»، وأعلنوا أن من يتعرف عليه سيعفى عنه ويعاد إلى العبودية، ولكن العبيد رفضوا ذلك وصاح كل واحد منهم «أنا سبارتاكوس». ومع ذلك يتعرف «كراسوس» على «سبارتاكوس» ويقبض عليه وعلى زميله «أنتونينوس» ويأمرهما بالقتال حتى الموت، أما المنتصر فيصلب. ويقوم «سبارتاكوس» بقتل زميله كي ينقذه من عذاب الصلب وصلب هو نتيجة لذلك. وفي هذه الأثناء تنجب زوجة «سبارتاكوس» طفلا ويطلب «غراكوس» من صاحب مدرسة المصارعين إنقاذها وطفلها من أسر «كراسوس» وإخراجها من الأراضي الرومانية، وينجح هذا في تنفيذ المهمة. وفي طريقها إلى وطنها تشاهد الزوجة «سبارتاكوس» مصلوبا فتقف أمامه وتحمل طفلهما نحوه، حيث يمثل الطفل الحرية، وبهذا الشكل يبقى الصراع من أجل الحرية حيا. وهذه نهاية فيلم «سبارتاكوس».
على الرغم من النجاح الكبير للفيلم فإن دقته التاريخية كانت في وادٍ والحقائق التاريخية في وادٍ آخر، على الرغم من تعيين مؤرخ إيطالي معروف مستشارا للفيلم، ولا نعرف مدى تأثيره على الفيلم. ولتصوير مشهد المعركة الشهير في الفيلم اضطر المخرج أن يذهب إلى إسبانيا والاتفاق مع الحكومة الإسبانية لاستعمال ثمانية آلاف وخمسمئة جندي إسباني في تمثيل المعركة، حيث اعتقد أن العدد الكبير من المشاركين سيكون من الصعب إخراجه بدون انضباط عسكري حقيقي، بينما صورت مشاهد القتال الفعلي التي تظهر صراعا بالسيوف بين الرومان وجيش «سبارتاكوس» في هوليوود. ولكن ملابس الجنود وتسليحهم وطريقة القتال كانت غير دقيقة تاريخيا، على الرغم من الاستعراض الرائع للألوان والأزياء والقتال. واختلق الفيلم شخصيات لم تكن موجودة مثل عضو مجلس الشيوخ «كراكوس»، وكذلك «أنتونينوس» زميل «سبارتاكوس». ولم يذكر الفيلم شيئا عن القائد الروماني الشهير «بومبي» الذي قام في الحقيقة بدور مهم في الإطاحة بجيش «سبارتاكوس».
كان الفيلم دقيقا في تصوير الحياة المرعبة داخل مدارس المصارعين، حيث يتم التعامل معهم كالحيوانات المتوحشة. وقد أظهر الفيلم أن الرومان كانوا أشرارا بينما كان «سبارتاكوس» ذو المبادئ السامية يدعو إلى الحرية ومحاربة العبودية.
وفي الوقت نفسه بالغ الفيلم في دور يوليوس قيصر الذي لم يفعل شيئا مهماً في تلك الفترة، حتى أنه لم يكن حاكم مدينة روما آنذاك على عكس ما ورد في الفيلم. وادعى الفيلم كذلك أن والد وجد «سبارتاكوس» كانا أيضا من العبيد لدى الرومان، ولكن المؤرخين القدماء الذين كتبوا عنه ذكروا أنه وُلِد حرا في بلغاريا، وكان في البداية جنديا في الجيش الروماني، إلا أن شيئا ما حدث جعل الرومان يعاقبونه باستعباده وبيعه على الأغلب في سوق العبيد. وكان قد هرب من مدرسة المصارعين عام 73 ق. م. بعد معركة قادها ضد حراس مدرسة العبيد وهرب منها مع أربعة وسبعين منهم باتجاه جبل فوزيفيوز، وأخذوا يغيرون على الممتلكات، وانتشرت سمعتهم بسرعة غريبة في البلاد، ما شجع الكثيرين من فقراء وعبيد المناطق الريفية على الهروب من مالكيهم والانضمام إليه، وتحولت مجموعته إلى جيش بلغ تعداده سبعين ألفا. ولم يرش «كراسوس» القراصنة الذين كلفهم «سبارتاكوس» بنقل العبيد حيث كانت هذه الواقعة من خيال مؤلف قصة الفيلم، ومع أن «سبارتاكوس» كان قد دفع فعلا أموالا إلى قراصنة للقيام بتلك المهمة، ولكنهم نكثوا وعدهم ولم يعيدوا إليه الأموال، فهم في نهاية المطاف عبارة عن قراصنة ولم تكن الاستقامة من شيمهم.
لم تكن هناك معركة واحدة فقط بين الجانبين، كما ادعى الفيلم، بل عدة معارك وكان النصر حليف «سبارتاكوس» في البداية، نظرا لصغر الجيوش الرومانية التي أرسلت ضده، حيث لم يأخذه الرومان مأخذ الجد في البداية، ولكن حظه أخذ يتغير عندما وجد نفسه يواجه أفضل الجيوش الرومانية، وكان ذلك عام 71 ق. م، ولذلك خسر المعركة الأخيرة وقتل فيها، بعد أن قاتل باستبسال، وقد أقر الرومان بأنه كان قائدا شجاعا جدا. وكان سبب هزيمته في نهاية المطاف حجم وخبرة وانضباط الجيش الروماني، وكذلك انشقاق جيشه نظرا لوجود قادة منافسين له. وقام الرومان بصلب حوالي ستة آلاف عبد على طول الطريق بين منطقة كابوا وروما أي مسافة مئتي كيلومتر.
كان الفيلم دقيقا في تصوير الحياة المرعبة داخل مدارس المصارعين، حيث يتم التعامل معهم كالحيوانات المتوحشة. وقد أظهر الفيلم أن الرومان كانوا أشرارا بينما كان «سبارتاكوس» ذو المبادئ السامية يدعو إلى الحرية ومحاربة العبودية. ولكن «سبارتاكوس» في الواقع لم يهتم بإلغاء العبودية، بل إن الجميع كان مؤمنا بوجود العبيد كشيء طبيعي في المجتمع. وعلى الأغلب لم يكن هو سوى رجل شرس وجريء نجح في مغامرات خطيرة ساعدته فيها الظروف، وقام بقتل الكثيرين من سكان المناطق التي كان يهاجمها.
والسؤال الذي يتبادر إلى الذهن هو ماذا كان سيحدث لو كان «سبارتاكوس» هو المنتصر في تلك المواجهة، وتم القضاء على روما وحولها إلى أطلال. لم تكن الحضارة الرومانية خالية من العيوب، بل إن عيوبها كثيرة ولكنها كانت الأكثر تقدما وتحضرا في العالم آنذاك بينما كان «سبارتاكوس» ورفاقه أسوأ منهم بكثير. والقضاء على الحضارة الرومانية كان سيعني العودة بالعالم إلى الوراء، فلم يمتاز هو أو جيشه بأي عوامل تؤهلهم لتأسيس حضارة تعادل الحضارة الرومانية.
قُتِلَ «سبارتاكوس» وتحولت ذكراه إلى أسطورة في تطور دائم، وأخذت الحركات الفكرية والسياسية تتبنى هذه الأسطورة الخاصة بعد تحويرها لخدمة أغراضها. وبدأ ذلك في منتصف القرن الثامن عشر، حيث أخذ اسمه بالبروز كرمز للثورة والحرية في فرنسا، قبيل الثورة الفرنسية، عندما بدأت بوادر الضعف في الدولة الفرنسية بالظهور وحدثت بضع ثورات للعبيد في مستعمراتها، ثم تبنته المنظمات اليسارية الأوروبية، حتى أن كارل ماركس نفسه خصه بالذكر كبطل في صراع البروليتاريا، وهو مفهوم لم يفقه عنه «سبارتاكوس» الحقيقي شيئا. وقام الرئيس الأمريكي رونالد ريغان بذكره كرمز للحرية في الثمانينيات، ولكن المفهوم الشعبي الحالي لـ«سبارتاكوس» كان من اختلاق الفيلم، فتأثير الأفلام السينمائية على مخيلة الشعوب هائل وسيظل «سبارتاكوس» خالدا في ذهن الجمهور وهو مصلوب ويحدق في ابنه الرضيع.
٭ باحث ومؤرخ من العراق