عزت القمحاوي
في اذار (مارس) من عام 2002 لبي وفد أدباء من ثماني دول نداء الشاعر محمود درويش الذي أطلقه من تحت الحصار في رام الله. وكان للزيارة أثرها المعنوي الكبير علي الشعب الفلسطيني وأثرها الإعلامي العالمي المذهل، حيث ضم الوفد اثنين من حملة نوبل هما وول سوينكا وجوزيه ساراماغو الذي امتلك شجاعة مقارنة ما يحدث للفلسطينيين بما اقترفه النازي. كما ضم نجوماً آخرين مثل خوان غويتيسولو الذي شبه دمار غزة بدمار سراييفو الذي راح ضحيته الآلاف.
الوفد الذي لبي نداء زميل الكلمة درويش أعلن أن زيارته تعبير عن تضامن لغوي جميل مع الفلسطينيين في الأمكنة المرتفعة روحانيا (رام الله) التي يشن عليها مخطط الإذلال الإسرائيلي حرباً قاتلة للكلمة. وقد كتب أعضاء الوفد وأعطوا مقابلات لوسائل الإعلام العالمية كل بطريقته، كما سجل الزيارة في فيلم حمل عنوان كتاب الحدود المخرج المصري المقيم في باريس سمير عبدالله مع الفرنسي جوزيه رينيه، كان له أثره الكبير حين عرض في باريس بعد الزيارة بعام. وكان من الممكن البناء علي هذه الخطوة الثقافية الكبيرة، لكنها للأسف ظلت نقطة معزولة وسط سياق من الانحياز لأكاذيب إسرائيل، لأن من يمتلك الرغبة في النضال الثقافي من مثقفينا لايمتلك الوسائل أو الاتصالات التي تؤهله لذلك، ومن يمتلك الوسائل مشغول بمشروعه الشخصي، بعد أن تحول رضا مؤسسات الترجمة وهيئات تحكيم الجوائز الغربية إلي هاجس يحيا به الكثيرون. وقد ربطت هذه المؤسسات ألسن الكثير من كتابنا إلي حجر ثقيل، فإذا ما سئل عن الأوضاع في فلسطين ثأثأ وفأفأ وقرأ من كتالوغ الجوائز: إنني ضد العنف أياً كان مصدره.
وها هي النتيجة بعد أربع سنوات من زيارة الضمير: يبدو قتل الكلمة قد أنجز دون أن تتوقف الحرب، بل ازدادت رقعتها لتدخل معسكر العدوان إلي جانب إسرائيل أمريكا وأوروبا؛ بل والأمم المتحدة التي أعلن أمينها العام كوفي عنان أن موظفي منظمته ينبغي لهم أن يحصلوا علي إذن مسبق قبل إجراء أية اتصالات مع الحكومة الفلسطينية. إنهم نفس الفلسطينيين في ذات الأماكن المرتفعة روحانياً، من يتعرضون لحرب إبادة إسرائيلية وحرب تجويع يحق أن نسميها عالمية طالما دخلها برمزية مؤسسته الهشة والخانعة كوفي عنان.
ـ ـ ـلا شيء تغير سوي أن الفلسطينيين أعلنوا حقهم في معاقبة فساد الحكم في دولتهم الوليدة واختاروا فصيلاً سياسياً آخر ليدير شؤونهم. وعروا باختيارهم هذا مزاعم الديمقراطية الغربية المشروطة التي تستبعد اليوم حماس بوصفها تيار عنف ديني، دون أن تجد من يتصدي لها، ويكشف مساندتها إجرام دولة الاحتلال المؤسسة علي الدين، ذلك لأننا أصبحنا مهذبين إلي درجة الخوف من إزعاج العالم الذي اختار لنا الموت علي صليب الفساد. ولا ينبغي أن نعارض هذه الميتة المتحضرة ونستبدلها بوحشية الاستشهاديين، الذين يحولون لحمهم إلي قنابل مدمرة بينما يريد له العالم المتحضر أن يكون كباباً يشوي علي نيران الاحتلال!
جريمة هذا الشعب أنه أعلن إنهاء عروض مسرح العبث في الواقع الفلسطيني؛ حيث يستشهد الأطفال بينما تخرج القيادات الراشدة علي الفضائيات تستنكر بوجوه موردة مستريحة وقمصان من حرير (للأسف لم تنجح الفضائيات في نقل روائح العطور الفاخرة عبر بثها المباشر للمقابلات من الأرض المحتلة). ولا صوت يعلو فوق صوت الغرب المتحضر، والشعب الفلسطيني الذي يرفض الخيار الحضاري الفظ يقف وحيداً في زنزانة خانقة بحجم العالم الضيق وكل جريمته أنه اختار قيادات مثله تعاني الفقر ومثله تحمل أرواحها علي أكفها في تناغم يليق بشعب تحت الاحتلال.
واستمرار الصمت الثقافي العربي علي ما يحدث في فلسطين خوفاً من الغرب أو طمعاً ليس سوي الحلقة الأكثر خزياً في سلسلة من ضيق الأفق عزلت المثقف عن الشارع بسبب برغماتيته التي سمحت بإغماض العين عن التعذيب في سجون السلطات العربية الساقطة طالما أن زبائن هذه السجون من الإسلاميين الخطرين علي حرية التفكير والإبداع.
ـ ـ ـالمبدأ لا يجزأ، والكلمة يجب أن تبعث من جديد. ولا نستطيع أن نطلب من أدباء العالم أن يحاربوا معاركنا وحدهم، بينما يتقدم الأدباء العرب في تراجعهم خطوات أبعد؛ فالحديث عن المقاومة الفلسطينية الذي كان في حكم المكروه صار اليوم حراماً، وقد أصابهم رعب الاتهام بالدفاع عن حماس رغم أننا نعرف أن حماس ليست المشكلة بل التكئة. بدليل المؤامرات الأمريكية المستمرة إلي اليوم ضد يسار أمريكا اللاتينية. وللذكري فقط، فإن مئات الآلاف من الثوار الذين أزهقت أمريكا أرواحهم في بلاد القارة السمراء لم يكن بينهم من ينتمي إلي تنظيم القاعدة أو الجهاد الإسلامي، كما أن هوغو شافيز الذي تتآمر الــولايات المتحدة علي حياته بمعدل مرة كل أسبوع ليس الزرقاوي.