عزيز بلال احساس بليغ بالمرارة والالم ينتاب الانسان وهو يطرح هذا السؤال الغائر في الحزن في زمن يشهد حراكا غير مسبوق في العالم العربي، احساس عميق بالخيبة والخذلان يتملك المرء وهو يطرح مثل هكذا سؤال في حين تختط فيه اوطان مجاورة سبيلها نحو افاق ارحب في الممارسة السياسية؛ لكنها لعبة الاقدار التي تجعلنا اليوم نبسط الحديث حو ل هذا السؤال ومن جديد: هل مازال حقا مشروعا في عرف السياسة وشريعتها ان نحلم بالتغييرالحقيقي في المغرب؟.
ان الذي يدفعني دفعا غير رفيق الى بعث هذا السؤال من مواته هو ماشهده المغرب منذ خطاب تاسع مارس الى اليوم.
فقد كان الخطاب لاشك لحظة فارقة في تاريخ الامة المغربية لاباعتباره يمثل ـ كما روج البعض ـ قفزة الى الامام ولكن باعتباره تثويرا سياسيا الى تفويت لحظة المصالحة مع التاريخ ومع المستقبل، وآية ذلك ان يتم تعيين وتوظيف لجنة تعد الدستور بمنأى عن الخيار الاكثر ديموقراطية والاكثر وجاهة سياسيا (الجمعية التاسيسية المنتخبة) والاكثر ايلاما للقلب ان تنخرط النخب السياسية في التطبيل والمزايدات الجوفاء التي لم تكن في واقع الحال الا انحرافا بهذا الوطن عن المسار الاصوب والاسلم الا وهو بناء ملكية برلمانية حقيقية بعيدا عن بدعة نحت ملفوظات سياسية لا قبل للمعاجم السياسية والقانونية بها… ومر الوطن بلحظات عصيبة كثر فيها اللغط والدجل السياسي الذي انتهى بنا الى اثقال كاهل الخطاب الاعلامي والسياسي بكلمات واصطلاحات تزيد الضلال ضلالة من قبيل التأويل الديمو قراطي للدستورو التنزيل السليم للدستور، ولك ان تسجل معي انها عبارات تمتح من الخطاب الديني بقوة بما يتناغم مع أعتد ركائزشرعية الحكم في المغرب.
ونحن ههنا لم نتوقف ولن نتوقف عند الكيف الذي به قد تم تمرير الوثيقة السياسية الاساس بنسبة لم تحد عن سوابقها بتطبيل اعلامي وتزمير في مسار تكريس الاستثناء المغربي (وإنه لاستثناء حقا وصدقا). وجاءت بعد حين من الزمن انتخابات الخامس والعشرين من تشرين الثاني التي اعتبرها البعض ثورة للصناديق ـ ان كان لابد من ثورة ـ ولست اريد في هذا المقام ان اجادل في النتائج ولا ان ادعي ماقد يكون تم من تعاقدات لا تخفى على لبيب بين المؤسسة الحاكمة وبين الحزب الذي وظف امينه العام على رأس الحكومة. وظل قطاع غير قليل من الشعب يتطلع الى واقع في الحال السياسي يرتقي بقليل اوكثير عن الممارسات السابقة، فماذا اثمرت لنا التجربة ياترى؟
حتى نفهم طبيعة ومذاقات هذه الثمارالسياسية يلزمك ان تقرأعلى نحو حصيف وسليم سلوك الفاعلين السياسيين.
فقبيل تشكيل الفريق الحكومي غير المتجانس، قامت المؤسسة الملكية بعملية استباقية جبارة لاتتخفى وراء حجاب تمثلت في استقطاب رفيع لفريق المستشارين وكانت إشارة بينة واليمة الى ان لاشيءسيتغير وان الواقع لن يرتفع قيد انملة، فقد كان المستشارون ممن لايخفى ماضيهم ولا حاضرهم عن عامة الشعب فبالأحرى نخبه؛ فأن يكون (الهمة) ضمن هذا الفريق وهو الذي رفع الشارع في حقه عبارةً’ ارحل’ ففي هذا ما لا يخفى من اشارات الى بن كيران واخوانه.
ولكن مارافق هذا هو الاكثر سخرية ومرارة اذ لم يفوت رئيس الحكومة فرصة الا وتحدث فيها عن شخص الملك بطريقة اثارت سخرية البعض وشفقة اخرين؛ فقد كان سلوكا ماكرا وخبيثا من بنكيران لتحييد النقاش عن مساره السليم اذ الموضوع لم يكن له علاقة بشخص بل بمؤسسة واختصاصات هذه المؤسسة(الملكية) بحثا عن توازنات جديدة تتيح امكانات ارحب للتغيير المنشود.
وطبعا فان ما رافق تشكيل الحكومة من تجاذبات كان دالا على شيء اساسي ان اياد سحرية عتيقة لازالت تمارس بمكر لعبتها القديمة العتيدة بما يكرس الرؤية الواحدية للمؤسسة الملكية ووتحكمها الاليم في مفاصل الحكم.
فالحقائب الوزارية منها ماتنازل عنه بن كيران طوعا ومنها ما تنازل عنه كرها، ومنه ما اعطي له منا واكراما… لقد كانت هذه اللحظة السياسية وحدها قادرة ان تميط اللثام عما نحن مقبلين عليه من تركيز القرار في يد مؤسسة الحكم لاالحكومة، ولكن ظل الامل مع ذلك قائما في اذهان البعض تغذيه التصريحات الدعائية والسلوكات السياسوية لموظفي حزب العدالة والتنمية في الوزارات المختلفة ليس وقوفا عند نشر لوائح اذونات النقل من عزيز الرباح ولا تهديد الخلفي بالاستقالة حال عدم تصريف مضامين دفاتر التحملات في القطاع الاعلامي، وطبعا – في كل مرة-كان المرء الملاحظ يستشعر عي وعجز الوزراء عن الفعل امام سطوة التعليمات والتوجيهات، فكثيرة ومخزية هي تلك اللحظات التي تم فيها تسفيه الحكومة اخيرها وليس اخرها تعيين الولاة والعمال في ما وسمه احمد بن الصديق بديموقراطية الركوع، وهي حقا كلمة جامعة لمعاني السلوك السياسي المطلوب من الشركاء سلوكه في التعاطي مع المؤسسة الملكية التي تحتكر صفة الرشاد والحكمة والعبقرية السياسية بما يجعل الغير ثانويا حد الانمحاء.
فهل ما زال التغيير ممكنا في المغرب؟
اقول لاتغيير ممكن البتة اذا ظلت المؤسسة الملكية ترى قوتها في حرق الاحزاب والنخب، فهذه المؤسسة ـ كانت وما زالت ـ تعتبر ان وجود شركاء حقيقيين فاعلين في الحقل السياسي هو تهديد لوجودها وتطاول على مساحات وسيعة جدا من اختصاصاتها؛ وبالتالي تسعى الى توريط المنافس السياسي في متاهات الحكم وشركه. دون ان تمكنه من اليات وادوات حقيقية للفعل السياسي الناضج والمثمر. مما يركز في ذهن ومخيال المجتمع ان لاخير يأتي الا من المؤسسة الملكية، اما الاحزاب وغير الاحزاب فهم ثلة من الانتهازيين وسماسرة السياسة، وطبعا لست هنا في موضع ادانة او تبرئة من يتهالك على حب السلطة، رغم ماشهدته اعيننا وسمعته اذاننا من خطابات سوقية تهريجية تفضح ما يترجرج في حنايا صاحبها من تنكر للمبادئ والاصول الايديولوجية.
اقول، ان التغيير ممكن اذا اصطلحت النخب من جهة والمؤسسة الملكية من جهة اخرى على ميثاق يكون مضمون اول بنوده اقرار شجاع وصريح بان نص الدستور الحالي ليس سوى نسخة شوهاء للدساتير السابقة المكرسة توكيدا لتحكم الملك في مفاصل الحكم في البلاد، مع الاعلان الواثق بضرورة انتهاج سبيل الملكية البرلمانية نظاما للحكم (الملكية البرلمانية كما هو متعارف عليها كونيا)، مع القطع مع بدعة الاستثناء المغربي لأن سنن الله في كونه جارية على الخلق جميعا هذا مع امتلاك الارادة الحقة للتغيير ما دامت كل عوامل الا صلاح تصبح لاغية ما لم ترافقها الارادة السياسية العتيدة.’ كاتب من المغرب