هل مصر مقبلة على الانقلاب؟.. نحو رئيس شكلي لدولة فاشلة

حجم الخط
0

د. يحيى مصطفى كامل

عنفٌ وعبثٌ وفوضى وغموض… ليس أفضل من تلك الكلمات مجتمعة يصف الوضع الراهن في مصر، بل ويستطيع من يشاء أن يقرن بين أيٍ منها ولن يجانب الصواب ولو بقدرٍ ضئيل، كأن يقول مثلاً أن العنف عبثي أو أنه غامض أو أن دائرة العنف ما تني تتسع وتزداد فوضويةً وهلم جرا… لكن سؤالاً يظل شاخصاً كالجبل يحتل المركز من حياة الناس رابضاً على القلب كالهم الثقيل؛ سؤالٌ وحيد يتخذ صيغاً مختلفة لكن لا يدانيه أي همٍ آخر ولا يملك أي شخصٍ أو فصيل أن يتجاهله: ماذا ستحمل الأيام من أحداثٍ ومفاجآت؟ إلى أين تمضي بنا مجريات الأمور تلك بما يثقلها مما اسلفنا من عنفٍ وعبثٍ وفوضى؟ متى تنزاح هذه الغمة فيستعيد الناس شيئاً من العادية والاستقرار ونمطاً مفهوماً من الحياة قابلاً للتكرار ويمكن التنبؤ به؟! وهي كلها أسئلةٌ تصب في مجرى القلق والخوف من مستقبلٍ بات يلفه الغموض وفضول لمعرفة شكل مصر الجديدة فيما يتعلق بشكل السلطة وقاعدتها وانحيازاتها.

لن أدعي في هذا المقال أنني لا أشاطر إخواني المواطنين حيرتهم وقلقهم أو أن لدي رداً أو تصوراً مكتملاً عما يحدث أو أزعم بعنتريةٍ أن القلق والتخوف مما هو آتٍ لا يتسربان بشدة إلى نفسي إلا أنني إذ أجبر عقلي على البحث عن خيطٍ يربط الأحداث وشيئاً من المعنى (كما ينبغي لأي مراقبٍ جاد…) لا أجد محيصاً سوى التجريد والتنقيب وراء الظواهر المتنوعة و الفاقعة اللون عن الدوافع و العوامل الأكثر ثباتاً في محيطٍ سائلٍ باتت سمته الظاهرية التغير السريع. بناءً على ذلك أبحث عن المستفيد من هذه الفوضى وهذا العنف… عن الأطراف الموجودة على الساحة وحجم نفوذها وما تمثله من طبقاتٍ وشرائح اجتماعية، أستحضر التاريخ لأفهم طبيعة علاقاتها ببعضها البعض ومسار تطورها وما شهدته من التقلبات؛ أدرس مشاريعها التاريخية في محاولةٍ لفهم أهدافها وخاصةً تلك التجمعات والتشكيلات السياسية المستترة وراء رطانةٍ ثوريةٍ كاذبةٍ خادعة، ولما كان المجلس العسكري والسلفيون يحتلون الصدارة ويشدون كل الاهتمام هذه الأيام بعد أحداث العباسية وما ذهب ضحيتها يتعين علينا التركيز عليهما ومحاولة الفهم. خلاصة ما توصلت إليه بعد طول تفكير، وبعيداً عن نظريات المؤامرة، هو أن أغلب ما شهدناه طيلة الفترة المنصرمة من عمر الثورة لم يحدث اعتباطاً وإنما مخططٌ ومدبرٌ من قبل قوى الثورة المضادة بهدف امتصاص وتحجيم المد الثوري ثم الانقضاض عليه وتمزيقه… أما الباقي الأقل فيأتي نتيجة تصدى قوى الثورة وتصميمهم على الاستمرار بما يفرض على أعدائهم المناورة والنكوص التكتيكي أحياناً أو أنها مجرياتٌ تتطور وفق منطق الأحداث الخاص بها وتفاعلاتها.

أولاً، لا بد لنا من التأكيد على حقيقة أن المجلس العسكري والسلفيين يتفقون في كونهم ليسوا ثوريين ولم يكونوا في أيي يومٍ من الأيام.

لنبدأ بالسلفيين فأمرهم أبسط… لم يعد يخفى على أحد أنهم تاريخياً صنائع النظام استفاد من تعدد فصائلهم بما يضفيه عليهم من انعدام مركزية واستعدادٍ للتناحر والتنافر، كما أن العديدين منهم كانوا يحرمون الديمقراطية والاشتغال بالسياسة… هم كثرة عددية تتميز بالغباء السياسي المدهش والرعونة وانعدام المراس في مضمار السياسية الجديد عليهم نسبياً، فهم لا يمتلكون أية رؤية علمية وموضوعية لطبيعة المجتمع والحراك الاجتماعي، ولذلك تجد خطابهم يتسم بتبلدٍ مدهش فيما يتعلق بالقضايا الاجتماعية أو أنهم حين يتصدون لها يتبرعون بحلولٍ غاية في السذاجة كمبادرة الشيخ حسان التي لم تفلح حتى في الاتصاف بخفة الظل؛ ولا نبالغ إذ نؤكد أن النظام في عهد مبارك وجد فيهم ضالته، فهم من ناحيةٍ لعلها الأهم يحجمون من تأثير الإخوان الأذكى والأمهر والأوفر خبرةً ذوي التنظيم المركزي بامتياز والأفضل بمراحل، ومن ناحيةٍ أخرى يحرمون الخروج على الحاكم، أي أنهم بطبيعة أفكارهم وتنظيمهم يحتكرون قطاعاتٍ عديدة من الشعب معرقلين تطورها نحو خيار الثورة الموضوعية العلمية، وهو تحديدا الدور الذي الذي أُنيط بهم بعد الثورة… لقد استغلهم النظام كما فعل دائماً… استغلهم في تفتيت قوى الثورة وإشاعة الخوف لدى الجمهور الأعرض من غير مريديهم من البديل الإسلامي؛ ليس ذلك فحسب وإنما أحرقهم أمام ذلك الجمهور بكشفه انتهازيتهم وعنفهم وإفلاسهم… أنا لا أستبعد مطلقاً أن تكون أغلب تحركاتهم منذ قيام الثورة تصدر عن تفاهمٍ ما أو أخذ ٍ ورد مع النظام يتم في الأروقة الخلفية بعيداً عن الأنظار، تفاهمٌ بمثابة الوجه الآخر من العملة لتحالف النظام الأشهر والأوضح مع الإخوان، أما الباقي فتحركاتٌ عفوية رعناء من أتباعٍ يشعرون بشكلٍ غامض بأنهم استغلوا وأن الفرصة تفلت من يدهم بعد ان أفاقوا على واقعٍ مفاجىء أذهلهم قبل غيرهم يتمثل في حضورهم الطاغي على الساحة، ولن يعدم الأمر فصيلاً، كأنصار أبي إسماعيل، تكون تطورات ما بعد الثورة صورت لهم أصالةً ما لدورهم فالتبس عليهم الأمر فصدقوا أن تغييراً ديموقراطياً حقيقياً قد حدث فتأججت أطماعهم وتمردوا على دورهم التقليدي في تطورٍ ينتج عن المنطق الداخلي للأحداث بما يفسر صدامات العباسية… كما نرى إذن فالسلفيون يعانون من التباسٍ وضبابيةٍ ليس في الرؤى وحسب وإنما في تقييم الواقع ودورهم فيهم!

لكن الوضع مختلفٌ تماماً مع النظام.. فهو يدرك ويفهم تماماً أن مصر لم يتغير وجهها فحسب وإنما تزلزل باطنها أيضاً، كما أنه يعرف ما يريده تحديداً… يريد استنفاد المد الثوري والحفاظ على شبكة المصالح الاقتصادية المحلية والإقليمية والعالمية في منطقةٍ هي الأخطر والأهم في العالم بما يستتبع ذلك من عدم المساس بالانحيازات الطبقية وبتركيبة النفوذ وموقع منظومة الأمن والمال المتميز فيها، ولئن كانت الكثير من تحركاته يشوبها التخبط وانعدام الاتزان نظراً لجدة الواقع وغرابة مفرداته فإن الهدف الأساسي لا يغيب عنه أبداً… و في سبيل تحقيق ذلك أشاع الفوضى وسهل أو غض البصر عن الانفلات الأمني وأطلق البلطجية على المجتمع والمعتصمين بالأخص وروج للخراب الاقتصادي الوشيك… فضلاً عن تحالفه مع الإسلاميين واستغلاله لهم… إن النظام يستثمر في مشروع الدولة الفاشلة وينشده بتصميم لكي يكفر الناس بالثورة ويقبلوا بالعودة إلى الوراء، إلى ما كان الحال عليه قبل قيام الثورة.

لن أتعجب مطلقاً إذا أجريت الانتخابات في وقتها، إلا أنني على يقين من أن الرئيس المقبل لن يكون إلا شكلياً باهتاً وأن عصب النظام الأمني وعقد النفوذ والمصالح فيه ستعمل على استشراء الفشل وتفاقمه… لذلك فلست أستبعد نيةً مبيتةً من قبل العسكر على الانقلاب بحيث يطرحون أحدهم منقذاً ومخلصاً من الفوضى المستشرية والفشل الذي سيصل إليه البلد وسط احتفاءٍ جماهيري، وأكاد أجزم أنه لولا غياب شخصية كاريزمية وشابة بينهم لكانوا حاولوا ذلك مبكراً… أجل، الواقع فوضوي وغامض إلا أن شعورى الشخصي بأن مقبل الأيام سيكون أكثر غموضاً وفوضويةً على المدى القصير، لكنني على يقين من أن كل تلك المحاولات اليائسة لن تعيد العجلة إلى الخلف… لقد أفلتت الخيوط من قبضة النظام ولن يستطيع إحكام قبضته عليها كما كان يفعل مرةً أخرى أبداً.’ كاتب مصري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية