د . حسن عبد ربه المصري أزعم أن الكثير من قطاعات شرائح الشعب المصري تحولت عن مناصرة وتأييد جماعة الإخوان المسلمون في مصر وعن مناصرة حزبها السياسي ‘ الحرية والعدالة ‘ بشكل ملحوظ لأسباب متعددة تدور في مجملها حول ما يمكن وصفه بـ ‘ ظاهرة التراجع في الوعود وإنكار الإلتزمات ‘ ناهيك عن المحاولات المستمرة والمستميتة للهيمنة علي مفاصل الدولة المصرية بشتي السبل والتحايلات التى غالباً ما تجاهلت وحدة الشعب المصري ومصالحه العليا. لذلك أدهشني التصريح الذي أدلي به الدكتور محمد مرسي رئيس الحزب ( الأول من إبريل الحالي ) مؤكداً أن جماعة الإخوان قامت بالدفع بالمهندس خيرت الشاطر إلي حلبة التنافس كمرشح لرئاسة الجمهورية ‘ لكي تواصل مسيرة تحقيق أهداف الثورة وتستكمل عملية التحول الديموقراطي. ولن نعود للوراء لكي نعيد مرة أخري إستعراض المواقف التى إتخذتها الجماعة منذ 25 يناير عام 2011 ورؤيتها للمليونيات وتصنيفها للقيادات الشبابية والحقوقية وموقفها من منظمات المجتمع المدني وتنسيقها مع المجلس الأعلي للقوات المسلحة .. الج .. ولن نذكر بهيمنتها مؤخراً علي تشكيل اللجنة التأسيسية لوضع الدستور بالإشتراك مع التيار السلفي ممثلاً في حزب النور ، مما جعل غالبية القوي السياسية في مصر تصفهم بانهم ورثة ‘ الحزب الوطني المنحل ‘ وتعلن البراء من منهجها السياسي .. ولكني سأركز فقط علي مسألة جوهرية أعني بها ما وقر في عقل وضمير المجتمع المصري الجمعي أنهم يبذلون أقصي ما في جهدهم للتأسيس لما يعرف بـ ‘ ديموقراطية السمع والطاعة ‘ التى لا تتوافق مع وحدة الشعب المصري. لا خلاف علي أن الثورة المصرية لم تحقق أهدافها بعد ، وخاصة فيما يتعلق بالتأسيس لنظام ديموقراطي حاكم .. وإذا جادل البعض بأن إنتخابات مجلسي الشعب والشوري تمثل بداية لهذا التأسيس ، نرد عليهم بأن ذلك مخالف لكافة القواعد لأن حصول حزب الحرية والعدالة من ناحية وحزب النور من ناحية أخري علي الأغلبية النيابية لم يفتح الباب لوضع لبنات إضافية في بناء هذا الصرح لأن كلا الحزبين حرص منذ اليوم الأول علي. فرض سيطرته علي اللجان الفنية في كلا المجلسين -1 2- العمل بشكل تراتبي علي إقصاء ممثلي الأحزاب السياسية والليبرالية واليسارية 3 – التكتل وراء الحراك السياسي الذي يمثله التيار الغالب داخل المجلس 4 – الإنفراد بكافة ما أتخذ من قرارات سواء علي مستوي النقاشات الدورية أو مشاريع القوانين 5 – الحرص علي تلبية مطالب جماهير الدوائر الإنتخابية علي حساب المصلحة العامة 6 – تهمييش مطالب الثورة والثوار خاصة ما يتعلق بملف الشهداء والمصابين وزادت نوايا هذه الهمينة بعد أن أصر الحزبان علي ضرورة أن تُشكل اللجنة التأسيسية لكتابة الدستور من خمسين بالمائة من أعضائهما بالمجلسين + نحو عشرون بالمائة من خارجهما ، بالرغم من معرفتهما المسبقة أن ذلك سيكون علي حساب النسبة المتروكة لكل طوائف الشعب المصري بما في ذلك المتخصصون وذوي الرأي والفكر. وهذا لا يفتح الباب كما قلنا للتحول الديموقراطي الذي طالبت الثورة الشبابية ومن ثم الثورة الشعبية منذ نهاية يناير 2011 ، ولكنه يؤسس لقيام ديكتاتورية سياسية دينية يحتكر فيها الحزبين الإسلاميين السلطة التشريعية .. وإذا أضفنا إلي ذلك سعي حزب الحرية والعدالة الحثيث لسحب الثقة من الحكومة الإنتقالية برئاسة الدكتور كمال الجنزوري ، مع علمه أن التعديل الدستوري بتاريخ 19 مارس 2011 يَحصر حق التكليف بتشكيل الوزارات وإقالتها ضمن سلطات المجلس الأعلي للقوات المسلحة المسئول منذ 11 فبراير 2011 عن إدارة شئون البلاد ، لكي يحظي باستحقاق تأليف حكومة ‘ إئتلافية ‘ في الشكل ، إخوانية في الجوهر .. يتضح لنا بجلاء مدي وحجم الإصرار والعناد والتكالب علي الإمساك بتلابيب مواقع التأثير في جسم الدولة المصرية. إلي هنا والأمر كان محتملاً وينطوي علي كثير من الأخذ والرد لكن لما إجتمع مجلس شوري الإخوان وصوت لصالح التقدم بترشيح النائب الأول للمرشد العام المهندس خيرت الشاطر بنسبة موافقة 54 صوت ضد إعتراض من جانب 52 صوت ، إنفجر بركان الغضب والهجوم ضد الجماعة وحزبها السياسي .. أولاً لما مثله ذلك من نكوص بالوعود .. وثانياً لأنه لم يراع رفض الغالبية العظمي من الشعب لرغبتهم الشرسة في ترأس كافة مؤسسات الدولة .. ثالثاً كيف وهم يتخبطون في إدارة مجلس الشعب منفصلين علي إحتيجات الشعب الحياتية التى لم يَمسوها عبر مناقشاتهم الصاخبة ، ويسعون للفوز بمنصب رئيس الجمهورية. هل خيرت الشاطر هو المرشح التوافقي؟ ذلك المرشح الذي تناولته الأقلام والأحاديث منذ نحو شهرين كنوع من التوفيق بين وجهات النظر المختلفة التى تشتت الناخب المصري والذي طرحته جماعة الإخوان بموافقة ضمنية من المجلس العلي للقوات المسلحة تحت تأثير ما ورد من الغرب من إشارات خضراء كما جاء بصحيفة الديلي تلجراف في تقرير كتبه ادريان بلومفيلد ( 2 إبريل ) وما ذكرته صحيفة الشروق المصري ( 2 إبريل ) أن المرشح الإخواني ناقش بنفسه مبدأ ترشحه مع السيناتور جون ماكين الذي قام بزيارة للقاهرة منذ بعضة أسابيع قابل خلالها بعض أعضاء المجلس الاعلي للقوات المسلحة وعدد من كوادر وقيادات الاخوان المسلمون في مكتب الدكتور سعد الكتاتني بمبني مجلس الشعب. المؤكد لدينا ولدي المتابعين للشأن المصري ، أن هذه خطوة ترشيح الشاطر عكست: 1 – تكتيك جماعة الإخوان في التعامل مع الشارع المصري والذي يقوم علي التراجع في لحظة ما عما سبق تأكيده بكل السبل .. عدم التنافس في الإنتخابات البرلمانية إلا في حدود 30 ‘ ، ثم النزول بكل ثقلها علي مستوي 90 ‘ من الدوائر الإنتخابية .. التركيز علي ثلث اللجان النوعية بالمجلس ، ثم فرضت نفسها علي 17 لجنة من أصل 19 .. الإستحزاذ فقط علي 30 ‘ من عضوية اللجنة التأسيسية لوضع الدستور ، ثم جمعت تحت كنفها نحو 70 ‘ من أعضائها. 2 – سعي الجماعة إلي إستثمار حالة الإرتباك السياسي التي تحدثها صدماتها التكتيكية بين بذل الوعود والنكوص عنها ، لبث التشكيك في التجربة الديموقراطية كما يتصورها المنافسون السياسيون لها من التيارات السياسية الأخري لتفتيت صفوفها الهشة بطبيعتها لكي توسع من إطار جشعها السياسي الذي من شأنه أن يقود البلاد إلي مزيد من المهاترات والمغالطات والتشكيك وتعدد المراجعات .. والتى تفضي إلي إنصراف الجموع الهائلة عن الساحة حيث لا يبقي إلا مؤيدييها وأصواتهم المرجحة لمطالبها. 3 – تمسك الجماعة بعدم صلاحية النظم الديموقراطية القائمة علي توزيع السلطات للتطبيق في مصر ما بعد الثورة ، وغصرارها بالتدريج علي تركيز معظم ان لم يكن كل السلطات والصلاحيات في يد حزب الحرية والعدالة الذي يدين بالسمع والطاعة للمرشد العام. لذلك نقول: لم تعد الثقة في برنامج جماعة الاخوان السياسي والإصلاحي كما كانت قبل أربعة أشهر. لم تعد الغالبية من أبناء الشعب المصري تثق في وعودهم. ليس هناك ضمان مثلا لوعدهم باقامة دولة مدنية ، ليس هناك ثقة في أن يضمنوا الدستور كما وعدوا – وثقتي الأزهر اللتين أصدرهما منتصف العام الماضي ومطلع العام الحالي ليس هناك أمل في أن يبدأوا مسيرة الإصلاح السياسي والإقتصادي والإجتماعي وفق الرؤية الشعبية التى بلورتها مطالب الثورة. ليس هناك ما يمنع من قيامهم خلال فترة وجيزة بأسلمة مؤسسات الدولة. ليس هناك ما يمنع من استبدال نموذج إقتران حكم أسرة حسني مبارك برأس المال الوافد عبر البحار ، بنموذج ديموقراطية السمع والطاعة المتلحفة برأس المال غير معروف المصدر. ‘ استشاري إعلامي مقيم في بريطانيا