هل من تسوية تاريخية لأزمة مصر السياسية؟

حجم الخط
0

د. عصام نعمان

بات الشعب والنظام في مصر على مفترق طرق مصيري: طريق تفضي الى استمرار النظام بصيغة معدّلة، لكنها لا تنتج إلاّ المزيد من الشيء نفسه. وطريق تُفضي الى اضطرابات أمنية وصراعات اهلية تُراق فيها دماء وتُزهق أرواح وتُدمر ممتلكات ومؤسسات ومشروعات واعدة. وطريق ثالثة تُفضي، مع ترسيخ الديمقراطية نهجاً ومؤسسات، الى الاحتفاظ بأفضل ما في تجارب الماضي والافادة من انجازات الحاضر وتحقيق طموحات المستقبل.

لعل الطريق الثالثة هي الاكثر جدوى والاقل تكلفة. انها مضمون التسوية التاريخية التي يفرضها المنطق السليم القائل إن الظرف الاستثنائي يتطلب تدبيراً استثنائياً.

والحال ان مصر تعيش اليوم ظرفاً استثنائياً بامتياز، فهي تعاني من نظام متسلط مغلق على نفسه، معزول وفاسد. في المقابل تزهو مصر بقوى شبابية واعدة استطاعت بذكاء وشجاعة، تفجير ثورة شعبية اصبحت، بحق، مفاجأة أرض الكنانة لنفسها ولدنياها العربية وعالمها الإسلامي والعالم الأوسع.

غير ان ثورة الشعب غير المسبوقة وصلت الى مأزق ينطوي على احتمالين خطيرين: الاول، أن تتحوّل الحشود المليونية الى مسيراتٍ شعبية هائلة تجوب شوارع القاهرة والمدن الكبرى، وتخرج عن السيطرة ولا تتوقف، لا سمح الله، قبل ان تكون قد احرقت القاهرة للمرة الثانية في تاريخها المعاصر. الثاني، ان لا تتمكن تلك الحشود، لسبب او لآخر، من انتاج الفعالية اللازمة لحمل الرئيس حسني مبارك على الرحيل. في هذه الحالة قد يستثمر اهل النظام الانتكاسة الحاصلة ليمددوا اقامتهم في السلطة ويعيدوا الشعب الى قفص الاستبداد.

لتفادي الخسارة الأكيدة في كلتا الحالتين المحتملتين، يقتضي المسارعة الى اجتراح تسوية تاريخية تكفل تنحّي رأس النظام بشكل لائق وخروجه الى مكان آمن من جهة، ووضع الدولة المصرية على سكة التغيير والاصلاح والديمقراطية من جهة اخرى. مع العلم ان ثمة قاعدة راسخة في تاريخ الثورات والانقلابات مفادها ان الهيئة الثورية او الانقلابية القائدة تنطوي في تركيبتها، غالبا، على قليل من الماضي الآفل وكثير من الجديد القابل.

في الحالة الراهنة، ثمة لاعبان اساسيان في ساحة الصراع قادران على التأثير والتغيير: الشعب والجيش. الشعب يتجسد في المعارضة الشبابية والمعارضة السياسية. الجيش يتجسد في قيادته وكبار ضباطه ويتمثل في واجهة السلطة بنائب رئيس الجمهورية اللواء عمر سليمان. إذ يتأزم الوضع داخلياً مع إمكانية تحوّل الحشود الشعبية الى مسيراتٍ هائلة كاسحة، واحتمال محاصرتها وكبحها والتسبب تالياً بإحباط ثورة الشعب، وإذ يتأزم الوضع خارجياً بنزوع امريكا واوروبا الى التدخل بشكل او بآخر، للمحافظة على النظام بطريق التضحية برئيسه بغية احتواء خلفه وقوى الشعب التي فجّرت الثورة، يقتضي إزاء هذه التحديات والمخاطر اجتراح تسوية تاريخية بإرادة وطنية مصرية خالصة يتوافق عليها ممثلو الشعب والجيش في إطار الخطوط العريضة الآتية:

تجتمع الهيئة القيادية للمعارضة الشبابية والمعارضة السياسية وتتدارس اسس التسوية التاريخية وتقرّها، ثم يحملها وفد يمثل ألوان طيف المعارضة كلها الى الجيش ممثلاً بنائب الرئيس والقيادات ذات الصلة، فيتدارسها الطرفان ويتبادلان الرأي في شأنها الى ان يتوصلوا جميعا، بالسرعة الممكنة، الى تحديد خطة الخروج من الأزمة المستفحلة وخطوات تنفيذها، ثم يصار الى إعلانها وتعميمها بالوسائل المناسبة.

يتألف مشروع التسوية التاريخية من قسمين، الاول يتولى تظهيره وتنفيذه رئيس الجمهورية ونائب الرئيس، والثاني تتولى تنفيذه قوى المعارضة الشبابية والمعارضة السياسية.

في القسم الاول، يقوم رئيس الجمهورية ونائب الرئيس، كلٌ في حدود صلاحياته واختصاصاته، بتنفيذ الاجراءات الآتية:

يصدر رئيس الجمهورية السيد حسني مبارك، سنداً للمادة 139 من الدستور، قراراً يحدد فيه اختصاصات نائبه السيد عمر سليمان، على ان تقترن الاختصاصات بأوسع سلطة ممكنة في حدود الدستور.

يقدّم الرئيس حسني مبارك استقالته الى مجلس الشعب بموجب كتاب معلل يوجز فيه الظروف الاستثنائية التي تمر بها مصر، ويبرر قراره بأنه تضحية شخصية منه لتسهيل إخراجها من أزمتها الطاحنة، ويحث جميع القوى الوطنية والسياسية على الاتحاد والتعاون لتدعيم وحدة الوطن وضمان استقراره.

يتولى نائب الرئيس رئاسة الجمهورية مؤقتاً ويطلب الى الحكومة تقديم استقالتها، ثم يكلف رئيس المحكمة الدستورية العليا، او شخصية اخرى من المعارضة، تأليف حكومة وطنية جامعة تمثل ألوان طيف المعارضة كلها للاضطلاع بمهام تأسيسية من شخصيات يكون قد جرى الاتفاق عليها في الهيئة القيادية للمعارضة الشبابية والمعارضة السياسية، وبالتوافق بين الهيئة المذكورة ورئيس الجمهورية المؤقت.

تتخذ الحكومة قراراتها بالتوافق وإلاّ بالاكثرية. كما تملأ ما يستجد من مراكز شاغرة في تركيبتها بسبب الوفاة او الاستقالة او مخالفة الدستور، بالاتفاق مع رئيس الجمهورية المؤقت.

تكون المهمة الرئيسة للحكومة أن تضع، خلال شهر واحد، قانوناً ديمقراطياً للانتخابات يقضي بإجرائها، في مهلة اقصاها شهر واحد من تاريخ اقرار القانون المذكور وإصداره.

يُصدر رئيس الجمهورية المؤقت، فور انتهاء الحكومة من صوغ قانون الانتخابات الجديد وإقراره، قراراً يكون له قوة القانون بوضعه موضع التنفيذ، سنداً للمادة 147 من الدستور.

يقوم رئيس الجمهورية المؤقت، فور وضع قانون الانتخابات موضع التنفيذ، بحل مجلس الشعب ومجلس الشورى والمجالس الشعبية المحلية، سنداً للمادة 136 معطوفة على المادة 74 من الدستور، تأسيساً على اعتبار ثورة الشعب في 25/1/2011 بمثابة الاستفتاء المنصوص عليه في المادة 136 المذكورة، ويدعو الناخبين الى اجراء انتخابات جديدة خلال مهلة اقصاها شهر من تاريخ قرار الحل.

يقوم مجلس الشعب الجديد، بتشريع قانون الانتخابات بأثر رجعي، سنداً للمادة 147 من الدستور، ثم يجري التعديلات اللازمة في الدستور لتعزيز الديمقراطية، ولاسيما المواد 74 و75 و76 و77 و78. يجري انتخاب رئيس الجمهورية الجديد، دونما ابطاء، وفق احكام الدستور بعد تعديله. بذلك تنتهي الفترة الانتقالية خلال مدة اقصاها ثلاثة اشهر.

تضع الحكومة مشروعات القوانين اللازمة لمحاسبة المعتدين على أمن المواطنين وسلامتهم، ولإزالة الأضرار اللاحقة بالافراد وممتلكاتهم، والتعويض عليهم جرّاء ما لحق بهم من اضرار، خلال الفترة الممتدة من 25/1/2011 ولغاية تاريخ انتخاب مجلسي الشعب والشورى الجديدين، ويكون رئيس الجمهورية المؤقت ملزماً بإصدار قرارات لها قوة القانون، سنداً للمادة 147 من الدستور، بغية وضع مشروعات القوانين التي أقرّتها الحكومة موضع التنفيذ. في القسم الثاني، تتولى الهيئة القيادية للمعارضة الشبابية والمعارضة السياسية إعادة الامور الى نصابها، من حيث اخراج المتظاهرين والمحتجّين ومخالفي القانون من الميادين والساحات العامة والشوارع، والتعاون مع الحكومة في تحديد اسماء المتضررين ومسح الاضرار، واشاعة ثقافة حكم القانون والمواطنة والديمقراطية وحقوق الانسان في المجتمع.

لأن ثورة مصر الشعبية حدثٌ تاريخي يخصّ الأمة كلها، فقد عرضتُ هذه الأفكار والمقاربات كمساهمة عروبية ديمقراطية على كلٍ من الدكتور سليم الحص (لبنان) والاستاذ محمد حسنين هيكل (مصر) والدكتور خير الدين حسيب (العراق) والدكتور يحيى الجمل (احد اركان المعارضة المصرية) فأيدوا بعضها ووجدوا ان بعضها الآخر يتطلب مزيداً من المناقشة.

حسناً، المناقشة مفتوحة.’ كاتب لبناني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية