ما الذي تريده الثورات العربية من وراء انتفاضاتها وهباتها العفوية وإصرارها المتواصل الحثيث لتحقيق أهداف عديدة لم تتضح صورها بعد؟ هل المطلوب الأول والأخير أن تسقط الأنظمة البالية الديكتاتورية واستبدالها بنظام آخر يستند على حزب وطني مثلا له باع طويلة في السياسة، يسعى لتحقيق أهداف الحزب الضيقة بعدما يفرغ من تلبية أمور قد سعت لتحقيقها الثورة من تغيير دستور وإصلاحات اجتماعية وبعض بنود ومطالب كانت ظاهرة وجلية ولا يمكن أو يحتمل تأجيل النظر فيها ومن ثم الرجوع لتحقيق تطلعات وأهداف وأماني الحزب ما ظهر منها وما بطن إبان العهد والنظام المخلوع؟ إذا كان الهدف من انتفاضاتنا العربية هو القضاء على ما هو قديم لمجرد أنه قديم، وأن سنة الحياة تقتضي التجديد والتغيير فحسب، فمعنى ذلك أننا بعملنا هذا قد استبدلنا حبة طماطم بالية بحبة طماطم بالية أخرى ولا فائدة تذكر من وراء سعينا الحثيث وكفاحنا الدؤوب ونضالنا المستمر في مساعينا لإزاحة الأنظمة القمعية الفاسدة، يحف جوانبه الأمان والاستقرار والطمأنينة ويعود بالنفع والفائدة على أبنائها وأوطانها مسلوبة الحرية لتعم الديمقراطية والعدالة والمساواة بين كافة أفراد المجتمع دون تمييز، فلا حزب له الاستفراد بنيل حقوق ومزايا دون غيره، ولا حاكم يستفرد بقرار دون الرجوع إلى البرلمان أو استفتاء الشعب إذا ما تطلبت الأمور ذلك، ودون تسلط أو تبعية فالكل سواسية في ظل النظام الجديد وليد النضال الطويل والتضحيات الجسام من أجل عودة روح الحرية لجسد الأمة المريض بفعل الأنظمة القمعية المستبدة! للحرية ثمن كبير فهي بحاجة إلى القرابين العظيمة على مذبحها لكي تستلب من بين أنياب ذئاب الخديعة ومن بطون حيتان الجشع وأضراس تماسيح التعالي والاستكبار والأنانية! فالشعوب لتي تظن أنها قادرة أن تنتزع الحرية بسهولة ويسر وخلال أيام وشهور عديدة دون تضحيات عظيمة فلا شك أنها مخطئة وأنها قصيرة النظر وواهمة إلى حد كبير، فأنظمة ألّهتنفسها وكفرت بحقوق شعوبها وتطاولت على مفكريها وعلمائها وعظمائها من مبدعين وصناع قرار وأطباء ومزارعين، أنظمة على هذه الشاكلة من الصعب التعامل معها بالتفاوض والنقاش والحديث الهادئ وإذابة حواجز الجليد ما بينها وبين شعوبها المتوترة القلقة المعذبة والمنتشرة في كافة بقاع المعمورة بحثا عن لقمة العيش المفقودة في بلادها بلاد الخيرات والنعم وخوفا من سياط الحاكم المؤلمة!
على الشعوب العربية المنتفضة أن ترسم سياساتها جيدا وتحدد خطوط أهدافها لئلا تنزلق وتبتعد دون أن تدري عن محور الهدف الرئيسي التي هبت من أجل تحقيقه، وأن تضع النقاط على الحروف بشكل واضح وجلي لتدرك كافة الأطياف الحزبية والنخب السياسية أن هذه الهبة العفوية جاءت كنتيجة حتمية للإحباط والذل والقهر وأن هدف الثورة الأول والأخير هو إزالة كل أشكال القهر والإحباط والذل، وأن يحكم الشعب نفسه فهو الذي سيضع الدستور وهو الأول والأخير في صياغة كل القرارات والأمور اللاحقة أثناء استلام الحكم وبعده، ومن ثم يأتي استفتاء الشعب في اتخاذ القرار الصائب حول الأحزاب داخل سدة البرلمان والمضي نحو إقامة الدولة العصرية الخالية من كافة أشكال العبودية والتسلط من أجل إعادة روح الحرية والديمقراطية والاستقرار!
لطفي خلف[email protected]