لم يكن حادث اختطاف الجنود المصريين السبعة في سيناء على يد مجموعة جهادية متشددة للضغط على الحكومة المصرية لإطلاق سراح أحد المسجونين او الطريقة المهينة التي ظهر بها هؤلاء الجنود ‘ الأسرى ‘في شريط فيديو سربه الخاطفون ،لم يكن ذلك كله سوى مؤشر آخر على مدى تدهور الاوضاع الامنية في هذه المنطقة الاستراتيجية بالنسبة لأمن مصر القومي. عملية الاختطاف هذه هي أحدث مظاهر الانكشاف الأمني وتراجع إن لم يكن غياب الدولة المصرية في سيناء وهو أمر ظهر بجلاء في أعقاب ثورة الخامس والعشرين من يناير. صحيح أن إهمال سيناء ليس وليد المرحلة الراهنة بل جزء من التركة الثقيلة لممارسات النظام السابق والتي جعلت من سيناء منطقة خارجة عن سيطرة الدولة المصرية وحولت أهلها لخصوم لهذه الدولة، لكن التدهور الأمني المتزايد وجرأة الجماعات الإرهابية والإجرامية على التعدي على سيادة الدولة ورموزها في سيناء خلال الأشهر الأخيرة يبدو كاشفا لما وصلت إليه الاوضاع لدرجة باتت تهدد الأمن القومي وتمس سلامة التراب الوطني في منطقة تمثل خط الدفاع الأول عن مصر في أي مواجهة عسكرية مع العدو. وزاد من فداحة هذا الانكشاف الأمني، القيود التي تفرضها اتفاقية كامب ديفيد على تحركات الجيش المصري في سيناء الأمر الذي جعله غير قادر على بسط سيطرة وسلطة الدولة في هذه المنطقة، مضافا إلى ذلك الاداء السياسي المرتبك للسلطة الحاكمة في مصر حاليا ووقوعها ما بين التزامها ومسؤولياتها في التصدي لأي محاولة للمس بهيبة الدولة والتعامل مع الخاطفين بكل حسم وقوة وبين اعتبارات تتعلق بالانتماء الأيديولوجي للخاطفين والذين ينظر اليهم باعتبارهم جزءا من فصائل الاسلام السياسي القريبة من النظام والرئيس . خطورة الموقف في سيناء تتجاوز مسألة خطف عدد من الجنود المصريين أو استهداف مقارات وكمائن لأجهزة الامن والشرطة. وبدون التهوين من هذا الأمر فإن الأخطر هو أن هذا الفراغ الامني والغياب اللافت للدولة المصرية شكل فرصة للجماعات الارهابية والمتطرفة لتفرض سطوتها وتحديها للدولة المصرية وسيادتها. وقد ظهر هذا التحدي في أكثر من مناسبة سواء في استعراضات عسكرية قامت به هذه الجماعات المتطرفة في شوارع سيناء او محاصرتها ومهاجمتها لأقسام الشرطة. وقد بلغ الأمر مداه في الجريمة النكراء بقتل ستة عشر جنديا مصريا أثناء لحظة الافطار في شهر رمضان الماضي وهو الحادث الذي لم تتكشف تفاصيله بعد ولم يكشف عن المجرمين والقتلة ولم يجلبوا للعدالة. نحن إذن أمام وضع أمني واستراتيجي بالغ الخطورة يشكل تحديا خطيرا في ظل غياب للدولة واجهزتها الامنية وهيمنة وسيطرة واضحة للجماعات الجهادية والمتطرفة التي استغلت هذا الفراغ الامني واصبحت تسرح وتمرح في سيناء مستغلة الطبيعة الجغرافية الوعرة في المنطقة ومستعينة ببعض أبناء سيناء المتعاطفين معها والذين يحفظون الطرق والممرات عن ظهر قلب وهو أمر يشكل صعوبة إضافية أمام أجهزة الامن والقوات المسلحة المصرية في التصدي لهذه الجماعات. أخشى ما أخشاه إذا ما استمر هذا الانفلات الامني وغياب الدولة عن هذه المنطقة الغالية من ارض مصر، أن نكون بصدد سيناريو كابوسي في سيناء على غرار سيناريو وزيرستان باكستان التي أصبحت مرتعا للجماعات المتطرفة من انصار حركة طالبان والقاعدة وغيرهما وصارت إقليما خارجا عن سيطرة الدولة الباكستانية والأفدح أنها باتت أرضا مستباحة للأمريكيين. ربما تكون هذه قراءة متشائمة لحقيقة الوضع في سيناء نتمنى أن تنجح الدولة المصرية وقواتها المسلحة في منع هذا السيناريو ولكن الأهمية الكبرى لسيناء وما تمثله لدى المصريين استراتيجيا وسياسيا ووطنيا ووجدانيا تفرض على الجميع أن يقف أمام مسؤولياته قبل أن تحل الكارثة ونجد سيناء قد باتت خارج سيطرة الدولة المصرية بالكامل فمعظم النار من مستصغر الشرر. المقارنة بين سيناء ووزير ستان الباكستانية تبدو مشروعة بالنظر للتشابه الكبير بينهما رغم الفوارق الاساسية القائمة، فسيناء تقع في شمال شرق مصر وهي شبه جزيرة تربط مصر بآسيا وتشكل بوابتها الشرقية وتلتقي مع الحدود مع قطاع غزة وإسرائيل. أما وزير ستان فتقع في شمال غرب باكستان متاخمة للحدود مع أفغانستان ما جعلها ممرا وملاذا لقوات طالبان وتنظيم القاعدة. وتتشابه المنطقتان في الطبيعة الصحراوية والجبلية الصعبة لكليهما. لكن مساحة شبه جزيرة سيناء تعادل ما يزيد عن خمسة أمثال مساحة وزير ستان، فمساحة سيناء تبلغ نحو واحد وستين الف كيلو متر مربع، بينما مساحة وزير ستان لا تتجاوز 11 الفا و600 كيلو متر مربع، وكما أن سيناء تنقسم إلى سيناء الشمالية والجنوبية فان وزير ستان تنقسم أيضا إلى جزئين شمالي وجنوبي . أما سكان سيناء فيتراوح ما بين 250 الفا إلى 600 الف شخص على أقصى تقدير، فانه لا توجد احصائية دقيقة عن عدد سكان وزيرستان لكن بعض التقديرات تشير إلى أن عددهم يتجاوز المليون شخص من قبائل البشتون، وثمة تشابه الطبيعة القبلية لسكان كل من سيناء ووزير ستان. وكما أن وزير ستان صارت ملاذا لمقاتلي القاعدة وطالبان، فان سيناء شهدت في السنوات الاخيرة تناميا متزايدا للجماعات التكفيرية المتشددة. لكن يبقى الفارق الجوهري والأهم أن سيناء ليست مجرد جزء من تراب مصر ولكنها الجزء الأهم والذي دفع فيه المصريون الثمن الأفدح دفاعا عنه ومن هنا فإن الشعب المصري لن يسمح تحت أي ظرف من الظروف بأن تتحول سيناء إلى وزير ستان اخرى، فهذه الأخيرة لم تعد فقط إقليما خارجا عن السيطرة الدولة الباكستانية لكنها باتت ساحة مستباحة للطائرات والغارات الامريكية المتواصلة والتي تشنها طائرات بدون طيار على أهداف تزعم أنها لمسلحي طالبان والقاعدة ولكنها تحصد في كل مرة أرواح العشرات من المدنيين الباكستانيين. ورغم الادانات اللفظية التي تعلنها حكومة الباكستانية كلما سقط مدنيون في الغارات إلا أن كل التقارير تؤكد أن هذه الغارات تتم بموافقة وعلم إسلام آباد. المصريون الذين قدموا عشرات الالاف من الشهداء الذين روت دماؤهم رمال سيناء وضحوا بالغالي والنفيس في سبيل استرداد هذه البقعة الغالية لن يسمحوا بان تكون سيناء مرتعا للتدخل الأجنبي ولن يقبلوا بالتفريط في سيادتها تحت أي ظرف من الظروف. يدرك ذلك الاخوان المسلمون قبل غيرهم رغم العلاقة غير المفهومة بينهم وبين الجماعات الجهادية في سيناء والتي تلقى بظلال من الاسئلة والتساؤلات عن حقيقة ما يجري وموقف النظام وحقيقة ما يتردد عن غل يد الجيش المصري في التعامل مع هذه الجماعات. ليس معنى ذلك أن خطر التدخل الخارجي في سيناء يبدو شبحا بعيدا لا سيما إذا ما تفاقمت الاوضاع الامنية إلى الدرجة التي تظهر عجز الدولة المصرية ومؤسساتها عن فرض سيطرتها وهيبتها وهو الامر الذي تستغله اسرائيل في التحريض المستمر والضغط على الجانب الامريكي للتدخل من خلال تصوير الوضع في سيناء وكأنه أصبح خارجا عن السيطرة وأنه بات يشكل خطرا على أمن اسرائيل الذي تضعه الولايات المتحدة في مقدمة اولوياتها. وقد كان هذا الموضوع في صلب مباحثات وزير الدفاع الامريكي تشاك هيغل في اول زيارة له إلى مصر بعد توليه مهامه أواخر الشهر الماضي، آتيا من إسرائيل، وحسب مصادر عسكرية مصرية فإن هيغل أبلغ نظيره المصري الفريق عبد الفتاح السيسي قلق واشنطن العميق مما يجري في سيناء ومخاوف الجانب الاسرائيلي من انتشار جماعات جهادية متطرفة تمتلك سلاحا ثقيلا وتهدد أمن اسرائيل. لكن الأخطر هو أن الوزير الامريكي عرض خلال الزيارة مساعدة الجانب المصري المساعدة في تطهير سيناء من هذه العناصر ونشر قوات دولية / والمقصود بالتأكيد هنا أمريكية/ بهدف السيطرة على هذه الجماعات المتطرفة. لكن رد السيسي كان قاطعا في رفض الجيش المصري أي وجود قوات اجنبية على ارض سيناء، مؤكدا قدرة القوات المسلحة المصرية على تطهير سيناء من هذه العناصر. لا أحد يشكك في قدرة الجيش المصري على تأمين سيناء وفرض سيادة الدولة المصرية عليها ولكن ذلك يحتاج لغطاء سياسي يبدو غائبا حتى الان سواء لجهة القيود التي تفرضها اتفاقية كامب ديفيد على تحركاته أو في ارتباك المشهد السياسي الداخلي وعجز النظام حتى الآن عن تقديم رؤية حقيقية ومتكاملة للتعامل مع ملف سيناء بكل تعقيداته بعيدا عن الحسابات الايديولوجية التي يبدو النظام أسيرا لها وهو ما انعكس في تعاطيه مع أزمة الجنود السبعة. لست من إنصار الحل الامني وحده وأرى أن التعاطي مع سيناء من منظور أمني في عهد الرئيس السابق هو ما أوصل الاوضاع في سيناء إلى هذه الدرجة من الخطورة، فالحل في سيناء يتطلب حزمة من الإجراءات التنموية .لكن يجب أولا استعادة هيبة الدولة، فحين تكون سيادة الدولة المصرية وأمنها القومي في مرمى التهديد ووحدة ترابها الوطني على المحك، وحين يصل التهديد درجة يمكن أن تفتح الباب أمام تدخلات خارجية تنتهك سيادة وكرامة مصر فلا صوت ينبغي أن يعلو فوق صوت هذه المعركة.