هل نحن علي اعتاب حرب باردة جديدة؟
هل نحن علي اعتاب حرب باردة جديدة؟ بغض النظر عن حقيقة الاسباب التي تقف خلف (كمون) روسيا للستة عشر عاما الماضية، واكتفائها بدور المراقب للعبة التوازنات الدولية، فان روسيا مازالت تمتلك من الوسائل والادوات (العسكرية والاستراتيجية) ما يؤهلها للعب دور مؤثر في اعادة التوازن الي ميزان العلاقات الدولية، وسحب بعض البسط من تحت اقدام الوحش الامريكي الذي اصابه وهن الشيخوخة السياسية، قبل وهن مؤسسة الجيش ـ كأفراد ـ في حروب اداراته السياسية المجانية، وغير المجدية في حساب الشارع الامريكي. وقريبا من هذه الصورة، يبدو ان مشاكل روسيا تشابه منظومة المشاكل الامريكية الانفة الذكر، وتزيد عليها بالمشكلة الاقتصادية التي افرزتها السياسات الطائشة (اقتصادية ـ سياسية) للقيادات الاستبدادية للاتحاد السوفييتي السابق والمنظومة البيروقراطية لاجهزتها السلطوية. ولكن ومع ذلك، فان فترة نقاهة الستة عشر عاما التي قضتها روسيا خارج ميزان اللعبة الدولية، قد اعادت للدوائر الروسية والسيد بوتن القدرة والثقة في العودة الي معترك الموازنة الدولي، مدعوما بحزمة من المميزات اللوجستية، بالمقارنة مع الولايات المتحدة، والتي يقف في مقدمتها: 1ـ اعادة ترصين مؤسسة الجيش الذي لم يشارك في حرب منذ حرب الاتحاد السوفييتي السابق علي افغانستان. 2ـ العودة الي (حضيرة) القبول الدولي، بعد التخلي عن الايديولوجية الشيوعية والتحول الي النهج الليبرالي ونظام اقتصاد السوق، علي الاقل بالنسبة للدول التي كانت تربط مواقفها السياسية بنهجها العقائدي. 3ـ اقتصار تشكيلة الجيش علي العنصر الروسي الذي تربط افراده عناصر الوحدة الوطنية، بدل تشكيلة القوميات المتعددة (الولاءات المتعددة قوميا). بوادر العودة الروسية جاءت علي اثر نشر الصواريخ الاستراتيجية الامريكية في بولندا وجمهورية التشيك، التي نصبت كسد دفاعي لحماية شرق اوروبا من الصواريخ الايرانية بعيدة المدي، بحسب التبرير الامريكي، والموجهة ـ كعملية احتواء استباقية ـ ضد حالة التململ الروسي باتجاه العودة لملء كفة الموازنة العالمية، والتي ظلت فارغة طوال الفترة السابقة. الرد الروسي علي عملية نشر الصواريخ الامريكية في بولندا والتشيك، والذي جاء علي لسان الرئيس بوتن وقائد قوة الصواريخ الاستراتيجية، وبغض النظر عن مدي جديته، يحمل نذر حرب باردة جديدة بين العملاقين النوويين ـ تملك الولايات المتحدة من الاسلحة النووية ما يتيح لها تدمير روسيا ثلاثمئة مرة، بلغة الاعلام السياسي علي الاقل. واذا ما سلمنا بصحة هذه القراءة فان الدخان الذي أخذ بالتصاعد من قمقم المارد الروسي يحمل ـ للمرة الاولي في تاريخ الدولة الروسية الجمهوري ـ رائحة البخور المهدئة للهواجس والوسواس في نفوس اغلب قادة دول العالم وشعوبها، علي امل ان يكون هذا المارد ولو بنصف حجم الطرح والصلف الامريكي الذي اخذ بالتقافز ـ كالدجاجة الرعناء التي تحمل بيضتها الاولي وتعوزها خبرة وضعها ـ في كل مكان، ليفاجئه المخاض (كدجاجتنا سابقة الذكر) علي اشد مناطق الارض عراء وصلابة !الوضع الدولي الذي ملأته الولايات المتحدة ضجيجا ورصاصا وازمات ومشاكل، في رأيي، علي اهبة الاستعداد لعودة روسيا الي ساحة التوازن الدولي، ولو علي اجنحة حرب باردة جديدة تهدأ من غلواء راعي البقر الذي يرفض الاقتناع بان حبل صيده المتين قد تآكل الكثير من خيوط نسيجه، وهي امام اعين كل من راقب ويراقب تجربة حرب احتلال العراق. سامي البدريرسالة علي البريد الالكتروني6