هل هناك اي دولة عربية لا تختزل الوطن في شخص؟

حجم الخط
0

إننا بحاجة ماسة وملحة إلى الشفافية والمصداقية والموضوعية والحياد في ما نكتبه أو نفعله، إن كان ذلك على المستوى العام أو المستوى الشخصي، خاصة في هذا الظرف الاستثنائي العصيب من تاريخ الأمة العربية.

اعتقد بأن المبالغة ليست كبيرة إذا قلنا تكاد حاجتنا للرأي والرأي الأخر كحاجتنا للماء والهواء، الأنة بمعرفة الحقيقة تتشكل الآراء وتتخذ المواقف لمواجهة التحديات والإرهاصات الجسيمة والخطيرة التي ألمت بالأمة نتيجة ثقافة وسياسية تربوية كونتها مجموعة ذات اتجاه فكري أُحادى سيطرت وتحكمت وأحكمت قبضتها على كل شيء في أوطانها وطوعت الإنسان والأرض والثروة والتراث حسب ما ترى وتريد وتشتهى، فحصل ما حصل ولا ندرى ماذا سيحصل غداً؟ هنا نسأل هل الدول العربية الأخرى التي اهتزت وارتجت وتململت بسبب تظاهرات وصفت بالمحدودة قادرة فعلاً على امتصاص أي صدمات أو صدامات جديدة قد تحدث؟!

وهل كل ما تم ترميمه أو تعديله أو تغييره في بعض هذه الدول العربية على مستوى القوانين واستحداث بعض المؤسسات وخلق فرص للعمل كفيلة بإصلاح وعلاج عقود من ثقافة الفساد الإداري والمالي، وهل هذه الأنظمة أكتفت بما ذكر آنفا للوقاية من أي تحرك شعبي إلى الشارع؟

أعتقد بأنه من الصعب التكهن هكذا ولا بد من أسس منهجية ونيات صادقة للتغيير والتعامل مع المشكلة على أنها ليست مشكلة مؤقتة، لكن إذا قرأنا واقعنا الثقافي والاجتماعي والسياسي والاقتصادي بشكل شفاف وموضوعي وحيادي، وإذا تفحصنا واستخدمنا منهج التحليل والإستقراء، وأجدنا المقارنة لا بد أن نستنج حقائق نستطيع بذلك أن نتعرف على واقع ثقاقتنا ونستطيع أن نميز الخيط الرفيع بين الرأي والرأي الاخر ووجه التشابة بينهما، لكن من وجهة نظري المشكلة تكمن في الرأي العام والعقل الجمعي العربي الموجه، الذي صنعه عرابة الإعلام والكتاب والشعراء للزعيم الأسطوري حيث خُلعت على الزعيم كل مفردات التمجيد والتعظيم حتى نفذت من كل القواميس والمعاجم العربية. واستطاعوا بكل اقتدار بما لديهم من طاقات وأدوات ووسائل هائلة أن يشكلوا في أذهان الشعوب الزعيم الأسطوري الذي اختزل الوطن برمته في شخصه، بكل ما تحمله كلمة (اختزال) من دلالات ومعاني، فإن عطسة الزعيم هي عطسة الوطن لا يستطيع احد من الشعب أن يفرق بين الزعيم والوطن إلا من رحمه الله. لكن المفاجأة هنا ما لبث الزعيم أن تقمص الأدوار وصدق ما قيل وما كُتب عنه فأصيب بالكبر وما طرد إبليس من رحمة الله الإ بسبب الكبر، صاحب ذلك الكبر الغرور والأنا والنرجسية (إن من البيان لسحرا) لقد سحر الناس وانقلب السحر على الساحر واستمرت الشعوب في التهليل والتكبير والتصفيق للزعيم ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً. حتى أتى اليقين وبعد قليل أتت عين اليقين ثم أتى حق اليقين فاليقين أتى إلى الشعوب هنا على مراحل:

المرحلة الأولى عندما طلت علينا القنوات الفضائية والثانية عين اليقين هو التليفون المحمول والثالثة وهي الاهم حق اليقين هو (الإنترنت) وما أدراك ما (الإنترنت) هي القشة التي قسمت ظهر البعير. لقد انكشفت الحُجب حِجاباً وراء حجاب فتجلت صورة الوطن الحقيقي أمام الجماهير العربية انه شيء عظيم وكبير وواسع وله دلالات ومعان عميقة، وما الزعيم الأسطوري الإ أكذوبه رهيبة أختلقهاالإعلام والكتاب والشعراء والعسكر ومفكرو الزعيم اللأوحد.

لقد تريثت الشعوب لفترة حتى قلت نسبة الخدر من عقولهم وأبدانهم وكان الخوف والترقب وانتظار الفرصة في نفس كل مخدوع وعاطل ومظلوم وجايع ومغترب وكل من يحمل هما وطنيا وكان الإعلام العربي يدندن على نفس الأسلوب المعروف والممقوت عن الزعماء. فأتى الذي لم يكن في الحُسبان التقاء الجماهير في (الفيس بوك) وأخوه (التوتير) وأبناء عمومتهم من المواقع الكترونيه، فكانت التنظيمات الكبيرة للخروج إلى الميادين والشوارع في الوقت المناسب.

فبانت الحقيقة كشمس الضحى الوهاجة لا يستطيع كائن من كان أن يحجبها، فخرجت الشعوب كالوحوش الضارية مشحونة بمخزون هائل من ردة الفعل على الزعماء والمقربين منهم، فنسفت الاحتجاجات كل شيء يرمى أو يشير أو يتبع الزعيم الأسطوري فلم يصدق الزعيم ما رأه بأم عينه وكيف له أن يصدق إنهم كانوا قبل قليل يصفقون له ويهتفون باسمه، فمن الزعماء من أستوعب الأمر بقدرة قادر فهرب أو تنحى ومن لم يستوعب قُتل شر قتله.

ان ما يسمى بالفئة الصامتة في المجتمع هي التي تقلب الموازين في اللحظات الأخيرة والحاسمة في الثورات وتستطيع هذه الجموع التي خرجت من صمتها أن تبتلع الذين كانوا يخرجون إلى الشارع تأيداً للزعيم الملهم قبل قليل.

لذلك لاحظنا بأنه في حالة نجاح الشعوب على أي زعيم أسطوري أُختزل الوطن في شخصه لعقود سنجد أنه كلما كانت نسبة اختزال الوطن في الزعيم عالية ومجنونة ومدتها طويلة كلما كانت نسبة الكارثة بعدها اقوى وأكثر جنونا على واقع الوطن الحقيقي. مسلم بخيت أبو نوفلمحافظة ظفار – سلطنة عمان

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية