هل هي أزمة في دارفور أم في نظام الحكم؟
د. يوسف نور عوضهل هي أزمة في دارفور أم في نظام الحكم؟قبل عدة اشهر اطلق الرئيس السوداني عمر حسن البشير تصريحات قال فيها إن حكومته لن تسمح بمجيء قوات دولية إلي إقليم دارفور. وذهب بعض المسؤولين الكبار في الحكومة إلي القول بان دارفور ستكون مقبرة للغزاة إذا تجرأت القوات الدولية بالمجيء إلي السودان.وقلل في ذلك الوقت ممثل الامم المتحدة يان برونك من أهمية تلك التصريحات، وقال إن الحكومة السودانية كثيرا ما تطلق مثل تلك التصريحات ولكنها في آخر الامر تستجيب لما هو مطلوب منها. وبالفعل صدرت تصريحات بعد ذلك من عدد من المسؤولين السودانيين تقول إن الحكومة السودانية ستنظر في مجيء قوات دولية إذا تم الاتفاق بشأن الوضع في دارفور. وكان واضحا أن هناك صوتين متعارضين ينطلقان من الخرطوم أحدهما يهادن الولايات المتحدة والمجتمع الدولي والآخر يقف موقفا متشددا ولا يعبر هذا الموقف عن سياسات متعارضة بقدر ما هو يعبر عن قراءات متأخرة للأهداف الامريكية في السودان. وكانت الحكومة السودانية كما كان شأنها في اتفاقية الجنوب تعتقد أنه بمجرد ان توقع اتفاقية دارفور فإن الولايات المتحدة ستدخل معها في وفاق وتقدم لها ما تريد. ولا شك أن مواقف الحكومة انطلقت من دبلوماسية تكتيكية وهي محقة في ذلك ولكنها لم تقرأ المواقف في جميع الأحوال قراءة صحيحة، ذلك أنه كان من الضروري أن تلاحظ الحكومة أن التوقيع علي اتفاقية دارفور لم يكن باتفاق جميع الفصائل والاجنحة بل رفضت بعض هذه الأجنحة التوقيع بدعوي أن الحكومة لم تف بما هو مطلوب منها في مجال تقاسم السلطة والثروة ودفع التعويضات ونزع سلاح الجنجويد بمراقبة من المتمردين. وكان من المهم أن تلاحظ الحكومة ان الولايات المتحدة التي تمكنت من الضغط علي المتمردين لتوقيع الإتفاق ما كان يعجزها أن تضغط علي الفصائل المنشقة للمشاركة ولكن واشنطن لم تكن تريد إجماعا شاملا بل كانت تريد مجموعات متمردة ومنشقة عن الحكومة حتي يبرر لها ذلك أن تطالب بإرسال قوات دولية إلي دارفور. وكما ذكرت في مناسبة سابقة فقد توجهت الحكومة إلي اسمرا لعقد محادثات شبيهة بمحادثات دارفور مع جبهة الشرق، ولكنها في النهاية وعلي الرغم من توقيع اتفاقية الإطار واجهت نفس الموقف الذي واجهته في دارفور خاصة بعد أن تدخل السفير الفرنسي بالإتصال بوفد المتمردين وتدخلت الامم المتحدة بالاتصال بهم أيضا، ولا يعني ذلك ان هؤلاء يعملون من أجل التوصل إلي حل مع الحكومة لان التجارب السابقة تؤكد أن الدول الغربية تعمل وفق استراتيجية لا تتناغم مع أهداف حكومة السودان ويبدو ذلك واضحا في الهجوم الذي بدأت تكيله الأمم المتحدة للحكومة السودانية بعد أن اتهمتها صراحة بانها تعيق إيصال المساعدات للمحتاجين في دارفور وهي الذريعة التي تعتمد عليها الامم المتحدة في فكرتها وراء إرسال قوات دولية إلي الإقليم ولعل ذلك ما دفع الرئيس عمر البشير لإطلاق تصريحاته النارية التي قال فيها إنه لن يسمح بمجيء قوات أممية إلي السودان ولكن الإدارة الامريكية قللت من أهمية تلك التصريحات وقالت علي لسان الناطق باسم وزارة خارجيتها إنها لن تتعامل مع تصريحات متقلبة تصدرها الحكومة السودانية بل ستمضي قدما في تنفيذ ما يطلبه المجتمع الدولي بإرسال قوات دولية إلي الإقليم. وفي الواقع لا يوجد سبب عاجل للتركيز علي مسألة القوات في وقت يعلم فيه المجتمع الدولي أن هناك مجالات كثيرة يمكن أن تقدم فيها المساعدة للمحتاجين في السودان وقد اصبح واضحا أن الحكومة الأمريكية لها أغراضها التي بدأت تدركها الحكومة السودانية وتتعامل من خلالها ولعل من أهم هذه الاغراض تصفية نظام الحكم باسلوبين أولا عن طريق عقد اتفاقات تقسم القطر إلي كونفدراليات متنازعة وثانيا عن طريق تقديم المسؤولين السودانيين إلي محكمة الجنايات الدولية بدعوي ارتكابهم جرائم حرب في دارفور والقائمة التي تضعها الأمم المتحدة لا تستثني حتي رئيس الجمهورية وذلك ما ادركه الرئيس البشير الذي قال إنه يفضل أن يكون قائد مقاومة في دارفور علي أن يكون رئيس جمهورية في بلد محتل.ويستدعي هذا الوضع في مجمله التوقف عند حقيقة الموقف في السودان، ذلك أن قضايا هذا البلد لا تحل في هذه المرحلة بواسطة الإتفاقات الثنائية التي تعقدها الحكومة مع المتمردين في مختلف الأقاليم، ومن الخطا كما يري الكثيرون ان تظن الحكومة ان إقامة نظام كونفدرالي سوف يريح الحكومة في الخرطوم وسوف يسهل عملية استمرار النخبة الحاكمة فيها لأن الحقيقة التي كان ينبغي أن ينتهي إليها هذا النظام هي ان الدعاوي التي تأسس عليها لم تعد صالحة وكان ينبغي أن يفكر بصورة جديدة. وتحضرني في هذه المناسبة واقعة اجد اهمية لروايتها، فبعد سنوات من سقوط حكم الرئيس السوداني السابق جعفر نميري جاء النميري إلي بريطانيا وكنت في ذلك الوقت في مانشستر فاتصل بي الأخ معاوية يس ودعاني لجلسة مع الرئيس نميري حضرها عدد من السودانيين المغتربين وكنت في ذلك الوقت استاذا في جامعة سالفورد، وكان الحديث في تلك الجلسة يدور حول إمكان عودة النميري للحكم وكان كل يدلي بدلوه في هذا الامر وعندما اعطيت الفرصة لي قلت للرئيس نميري لقد أخذت فرصتك في الحكم ستة عشر عاما ولا أعتقد أن عودتك من جديد ستضيف إليك أو إلي السودان شيئا ولكن يمكنك أن تستغل معرفتك واتصالاتك السابقة لتقديم العون للحاكمين في السودان، وعندما رجعت إلي مانشستر اتصل بي الاخ معاوية يس وقال لي الرئيس نميري قال إن النصح الوحيد الذي أفاده هو الكلمات التي قلتها له. ولكن القائمين علي نظام الحكم في السودان في الوقت الحاضر لا يبدو أنهم وصلوا إلي مثل هذا الإقتناع فهم علي الرغم من فشل مشروعهم الحضاري يعتقدون أنهم قادرون علي الاستمرا ر في الحكم كنخبة من النخب وهذا قصر نظر وضيق في الافق السياسي لان الحكم في السودان لا يمكنه أن يستمر بسيطرة فئة محدودة جمعتها ذات يوم شعارات كبيرة واصبحت ترتبط اليوم بمصالح تحاول أن تغلفها باطر ايديولوجية وهو امر لا يمكن أن يكون صالحا في دولة حديثة.ولا نزعم أن هناك بديلا جاهزا لنظام الحكم في السودان ولكننا نزعم أن القوي التقليدية التي كانت تحكم السودان ولم يتقلص نفوذها حتي الآن تعبر عن واقع السودان الحقيقي وهي القادرة علي التعلم من خلال إخفاقاتها من أجل تغيير الواقع في السودان لانها قادرة علي التحرك في إطار يمازج بين الديني والعلماني وهو أمر لا يقدر عليه النظام الحالي الذي يعتقد أنه قادر علي حل مشاكل السودان كلها من منطلقات دينية وهو أمر صعب ليس لان الدين لا يجيب علي كل التساؤلات بل لأن الذين يتصدون إلي الأمر هم من المشائخ الذين لا يتفهمون حقيقة المجتمع الحديث وليس امامهم في التاريخ العربي كله نظام دولة يمكن أن يستندوا إليه ذلك أن الدولة العربية في كل مراحلها التاريخية لم تكن دولة مؤسسات بل كانت دولة شيخ القبيلة الذي تسانده النخب وخاصة المشائخ الذين يعتبرون طاعة ولي الأمر اساسا حتي لوكان ولي الامر مما تدور حوله الشبهات والنماذج كثيرة في التاريخ العربي. وإذا نظرنا إلي المجتمعات الغربية التي تنادي بالعلمانية وجدنا أنها لم تلغ الدين من حياة المجتمع بل نظمت وجود الدين بصورة يلعب فيها دوره الاساسي ذلك أن القوانين في الدول الغربية لا تتعارض مع حقائق الدين كما أن الدين لم يغب عن حياة الغربيين بل هو موجود في صميم هذه الحياة والشعوب الغربية جميعها تعلي من مكانة الدين وتعطيه احترامه الخاص علي غير ما نعتقد في ثقافتنا عنهم وقد استطاعت الدول الغربية أن تحقق ذلك كله من خلال إقامة التوازن بين الديني والعلماني وهو أمر لا يحدث في السودان حيث وجدنا المصارف لا تعمل بالطريقة الصحيحة فانهارت العملة السودانية وبعد أن كان الجنيه السوداني يساوي جنيهين استرلينيين اصبح الجنيه الإسترليني يساوي أكثر من أربعة الاف جنيه سوداني ويعني ذلك أن كل من ترك أمواله القديمة في المصارف السودانية خسر خسارة كبري لا يمكن تجاوز اضرارها، وإلي جانب ذلك اتبعت الحكومة ثقافة طاردة للكفاءات والقدرات لان اصحاب العقول لا يقف امامهم شيء وقد تركوا البلاد لينتشروا في جامعات العالم بينما يتولي مسؤوليات التربية والإقتصاد تجار ومعلمون ليست لديهم الآفاق لبناء دولة حديثة.ولا يغيب كل ذلك عن العالم الخارجي الذي يدرك مواطن الضعف في الحكومة السودانية الحالية ويعرف أنه يستطيع أن يحقق من خلالها كل ما يريد دون أن يهتم بمستقبل السودان وللاسف فإن كثيرا من النخب الإقليمية بدأت تدرك هذا الواقع وبدأت تطور مطالبها ليس من أجل بناء دولة جديدة بل من أجل تكرار نفس النموذج الذي كان سائدا في الخرطوم في الأقاليم، والدليل علي ذلك هو إصرار النخب علي الحصول علي التعويضات والنصيب من الثروة وكل ذلك من أجل فتح مجالات لنهب مقدرات الدولة التي في طريقها للإنهيار وهذا هو الاسلوب الذي ظلت تتبعه النخب في سائر البلدان المتخلفة وبالطبع لا يملك أحد وصفة سحرية يستطيع أن يغير بها الأوضاع وكل ما يمكن ان يقال في هذا المجال إن ما يجري في السودان يحتاج إلي وقفة تأمل من رجال يحسنون التفكير وتكون لديهم الرؤية والحس السليم بل والقدرة أيضا علي تغيير مصير اوطانهم.9