إسطنبول ـ «القدس العربي»: في ذروة الخلافات المتشعبة والمتجددة بين تركيا واليونان حول ملفات مختلفة، فجرت تصريحات لوزير الدفاع اليوناني، قال فيها إن بلاده مستعدة لاحتمال حصول نزاع عسكري مع تركيا، الجدل والنقاش حول مستوى التوتر الذي وصلت إليه العلاقة بين البلدين وما إن كانت قد وصلت بالفعل إلى حافة «المواجهة العسكرية»، كما بدأت النقاشات تتصاعد حول الموقف الأمريكي والأوروبي من أي نزاع يمكن أن يحصل بين البلدين.
وتمر العلاقات التركية اليونانية بمرحلة صعبة من التوتر الذي ينبع من الخلافات التاريخية على الحدود البرية والبحرية والمياه الإقليمية والمجال الجوي وملف جزيرة قبرص، أضيفت إليها خلافات جديدة تتعلق بالتنقيب عن النفط والغاز في البحر المتوسط وملف اللاجئين واستضافة تركيا «انقلابيين أتراك» والخلاف حول «آيا صوفيا» والنزاع الإقليمي في المنطقة بشكل عام وليبيا بشكل خاص، وغيرها الكثير من الخلافات.
لكن الملف الأبرز على الإطلاق يعتبر التنقيب عن الموارد في شرق المتوسط الذي تفاعل بشكل غير مسبوق في الأشهر الأخيرة، حيث وصل الخلاف ذروته عندما أعلنت تركيا قبل أيام عزمها البدء بالتنقيب في مناطق متنازع عليها قرب جزيرة كريت بموجب مخرجات مذكرة التفاهم التي وقعت عليها تركيا وحكومة الوفاق الليبية، الأمر الذي أثار غضب اليونان ودفعها للتلويح باستخدام القوة العسكرية وتأكيد تركيا المتكرر على أنها مستعدة للقيام بكل ما يلزم لحماية حدودها ومقدراتها براً وجواً وبحراً.
التهديد الأبرز جاء على لسان وزير الدفاع اليوناني «نيكوس بانايوتوبولوس»، حيث قال في حديث تلفزيوني قبل أيام إن اليونان «مستعدة لكل شيء في سبيل حماية حقوقها السيادية، بما في ذلك للعمل العسكري ضد تركيا في حالة وقوع استفزازات»، ورداً على سؤال عما إذا كانت بلاده مستعدة لحل عسكري للنزاع مع تركيا، قال: «بالضبط كذلك».
وعلى الرغم من مستوى التصعيد الكبير بين البلدين إلا أن العلاقات التركية اليونانية اتسمت بالتوتر والخلافات والتصريحات المتبادلة التي لا تخلو من لغة التهديد على مدى العقود الماضية، وبالتالي فإن هذه الأجواء بين البلدين لا تعتبر حالة استثنائية أو تصعيداً غير مسبوق يدفع للاعتقاد بأن المواجهة العسكرية باتت قريبة جداً أو أن الخيارات الدبلوماسية انتهت، فما يجري لا يعدو كونه استمراراً لمسلسل طويل جداً من الخلافات المتجددة التي طالما وجد البلدان صيغة لتخفيف التوتر حولها والتعايش معها.
في المقابل، لا يمكن الاعتقاد أيضاً بشكل مطلق أن هذا المستوى من التصعيد لا يمكن أن يؤدي إلى نزاع عسكري، لا سيما في ظل الاحتكاك المتواصل بين جيشي البلدين براً وبحراً وجواً. وعلى الدوام، كانت هناك خشية واسعة من أن يؤدي أي احتكاك عسكري عرضي أو حادثة غير محسوبة إلى مواجهة عسكرية واسعة، حيث لا يمر أسبوع دون وقوع حادثة اعتراض طائرة حربية أو سفينة عسكرية.
ففي عام 1996 أسقطت تركيا مروحية عسكرية يونانية وقتل ثلاثة ضباط وكادت تتطور الأمور إلى مواجهة عسكرية كبيرة بين البلدين، والعام الماضي سقطت طائرة حربية يونانية وقتل قائدها بعدما اعترضتها طائرات تركيا في المتوسط، وغيرها من الحوادث المتكررة التي لا أحد يضمن أن يتطور أحدها لمواجهة عسكرية.
وبحكم طبيعة العلاقات بين البلدين التي اعتادت على التعايش مع الخلافات ومنع تطورها إلى صدام عسكري مباشر، توجد لجان من وزارات الخارجية والدفاع ورئاسات الأركان بين البلدين من أجل التواصل الدائم لإبقاء الخلافات «تحت السيطرة»، ينتظر زيارة وفد يوناني لأنقرة خلال الأيام المقبلة لبحث الخلافات الأخيرة، حيث لا يعتقد بوجود رغبة حقيقية بالصدام لأي من البلدين، كونه صداماً مدمراً يمكن أم يمتد ليتحول إلى صراع إقليمي ودولي في حال وقوعه.
وفي هذا الإطار، تجددت التساؤلات والنقاشات حول الموقف الأمريكي والأوروبي المحتمل في حال وقوع مواجهة عسكرية، حيث تلوح اليونان دائماً بوقوف الاتحاد الأوروبي معها، كما تبدو الولايات المتحدة بتصريحاتها الرسمية أقرب إلى الموقف اليوناني منه إلى تركيا.
لكن الاتحاد الأوروبي، وعلى مدى السنوات الماضية، اكتفى بالوقوف إلى جانب اليونان كونها دولة عضو في الاتحاد الأوروبي ولكن عبر البيانات والإدانات ومحاولات الضغط الدبلوماسي على تركيا، وأقصى ما وصل إليه الموقف الأوروبي فرض عقوبات وصفت بـ«الشكلية على تركيا»، واعتبرت بأنها كانت مجرد «محاولة شكلية لإرضاء اليونان وقبرص».
وعلى الرغم من أن اليونان تعتبر دولة عضو في الاتحاد الأوروبي، وهو ما لا تتمتع به تركيا، إلا أن تركيا عضو أصيل وتاريخي في حلف شمال الأطلسي «الناتو«، وهو ما يضع دول الحلف لا سيما الدول الأوروبية والولايات المتحدة في موقف صعب ومعقد يدفعها لعدم الوقوف إلى أحد أطراف الخلاف وبذل كل الجهود الممكنة لمنع تفجر أي خلاف عسكري مباشر بين البلدين، وعلى غرار ما جرى إبان حادثة إسقاط الطائرة اليونانية 1996.
ويجمع محللون أتراك على أن اليونان «التي تعاني صعوبات سياسية واقتصادية وترهلاً عسكرياً لا تجرؤ على الإطلاق على مواجهة تركيا أو التفكير في دخول مواجهة عسكرية معها»، لافتين إلى أنها تحاول على الدوام اللجوء إلى أوروبا لحمايتها.
ويعتقد على نطاق واسع في تركيا أن أمريكا والدول الأوروبية لا يمكنها أن تتساهل في تشجيع اليونان على خوض أي نزاع عسكري مع تركيا، كونها ستكون في موقف صعب ولن تتمكن بسهولة من الوقوف إلى جانبها عسكرياً، «فاليونان لا يمكنها مواجهة تركيا عسكرياً»، كما أن دخول أمريكا أو الاتحاد الأوروبي لصالح اليونان يعني لجوء تركيا إلى روسيا وتحولها إلى حرب على نطاق دولي، وهو في مجمله سيناريو لا يرغبه أحد، ويدفع تركيا واليونان للاستمرار في سياسة «ترويض الخلافات» والأطراف الدولية إلى «ضبط التوتر ومنع توسعه»، للخروج بأقل الخسائر.