بدأ الربيع العربي في عدة دول ولا زال يراوح بين مد وجزر، ولم تنقشع السحب عنه لنرى أين وصل قطار التغيير الذي إنطلق. مرت سنوات وقد تمر عقود، والربيع العربي يتأرجح: من لحظات تبشر بمطر الخير إلى سنوات تبدوعجافاً. فهل إمتلأت سماء العرب ببخار الربيع العربي في حالة ‘ فوق الإشباع ‘ أم أن بخار الربيع العربي قد تبخر؟ إن هذا الربيع سيبقى يتحدث فيه وعنه العالم، كما سيحياه المعنيون، إلى أن يصبح ثوباً دائماً ملائماً يغطي الجسد العربي في كل مكان وزمان عربيين؛ ويغير العقل والعاطفة العربية لتلائم كل تطور إنساني فيحدث إختراقاً في سلوكنا اليومي واللحظي، يحاكي به أرقى ما تطمح إليه الشعوب على وجه الأرض. إن شعوباً في هذا العالم مرت بتجارب مريرة، في ولوجها درب الحضارة ووصلت شواطئ الرفاهية والديمقراطية بعد خسائر باهظة. فالربيع العربي يتطلب منا، فرادى ومجموعات وجماعات، أن ندون تجاربنا بحلوها ومرها، على صفحات تاريخنا الفردي والجمعي، ليبقى ماثلاً أمامنا إنجازاتنا وإنجازات الآخرين؛ مما يجعلنا على تواصل دائم مع ذاتنا وذوات غيرنا؛ نستفيد من أخطائنا، ونبني على ما نصيب، أساس تطورنا الآتي. فالوجود العربي يواكب هذا الربيع بهذا القدر أو ذاك، لدرجة أن فضاءنا الكوني أصبح كل جزء فيه بذوراً من الربيع، بحيث ستمطر السماء ـ لا محالة ـ خير هذا الربيع، حتى لو شهد بعض من الزمان والمكان إنحسار هذا المد الربيعي. تظهر تداعيات هذا الربيع، في دوله المختلفة، بدرجات متباينة وتمر قوى التغيير في مختلف البلدان بنقاشات مستفيضة تمحص وتعكس الأوضاع التي مرت بها ـ ولا زالت ـ أحزاب الدول الربيعية، مند قبل تفتح الربيع وبعد أزهاره؛ كما تدور النزاعات المسلحة بين مجموعات متعددة، وفي أكثر الأحيان تضيع الصورة الحقيقية، فيصبح الواقع ضبابياً. إن حجم المعاناة التي تعيشها شعوبنا العربية، وخاصة في مناطق القتل والدمار، ستشكل رصيداً هاماً لبناء وطن جديد. كذلك عملية بناء الديمقراطية وترسيخها، تحتاج لوقت أطول ونفس أكثر صبراً، وهو ما لا نطيقه. ومع أن هذه الصورة للربيع العربي تبدو اليوم سوداء ولكني مقتنع إن الضوء سيكون بنهاية النفق الذي نأمل ألا يكون طويلاً . عبدالله أبو مازن