إسطنبول ـ «القدس العربي»: تناولت وكالات ووسائل إعلام روسية، أمس الأحد، أخباراً متناقضة حول «توقيع» تركيا أو «نيتها توقيع» اتفاقية جديدة للحصول على دفعة ثانية من منظومة إس ـ 400 الدفاعية الروسية، وسط غموض حول مصير الدفعة الأولى التي اكتملت عملية تسليمها لأنقرة ولم يتم تفعيلها أو إدخالها حتى الآن نتيجة تعقيدات سياسية دولية.
وكالة إنترفاكس نقلت تصريحاً لسيرجي تشيميزوف، رئيس مجموعة روستيك الروسية الحكومية، قوله إن روسيا «ستوقع على الأرجح» عقداً لتسليم دفعة إضافية من منظومة إس ـ 400 الصاروخية لتركيا العام المقبل، لكن الوكالة لم تتطرق لما يشير إلى أنه «جرى التوقيع بالفعل على الاتفاقية الجديدة» على عكس ما نقلت وسائل إعلام روسية أخرى.
وكالة سبوتنيك الروسية، من جهتها، قالت إن موسكو وأنقرة «قد توقعان» صفقة جديدة لتسليم دفعة أخرى من منظومات إس ـ 400 الروسية لها في العام المقبل، فيما أكد مدير الشؤون الأوروبية في وزارة الخارجية الروسية، يوري بيليبسون، أن موسكو لا ترى أية عقبات أمام تركيا للحصول على دفعة جديدة من أنظمة إس-400 الصاروخية.
في السياق ذاته، نقل موقع «روسيا اليوم» عن المدير العام لشركة «روس أوبورون أكسبورت» ألكسندر ميخييف قوله إن «العقد تم توقيعه، ونحن نناقش مع شركائنا الأتراك حالياً طريقة التسديد المالي لتنفيذ هذا العقد» وذلك على هامش مشاركته في معرض «أرمي 2020».
ومقابل الأخبار غير المتناسقة من المصادر الروسية، لم يصدر أي موقف أو تعقيب تركي رسمي على هذه الأنباء وهو ما يعزز الاعتقاد بأن ما جرى لا يعدو كونه تصريحات دعائية أطلقها عدد من المسؤولين في الصناعات الدفاعية الروسية على هامش معرض يروج للصناعات الدفاعية الروسية ويحاول إظهار حجم مبيعات أكبر، وأن هذه التصريحات لا تؤشر على وجود تطور جديد يتعلق بشراء تركيا الدفعة الثانية من المنظومة الدفاعية الروسية.
وفي تصريحات لإسماعيل ديمير، رئيس إدارة الصناعات الدفاعية في تركيا، يونيو/حزيران الماضي، قال إن بلاده وروسيا متفقتان من حيث المبدأ على إمكانية الحصول على دفعة ثانية من المنظومة الدفاعية لكن هناك الكثير من التفاصيل المتعلقة بآليات الدفع والتبادل المعلوماتي ونقل التكنولوجيا وخبرات التصنيع وهذا الأمر يحتاج إلى مزيد من المفاوضات لرسم خارطة طريق.
وتشترط تركيا الحصول على تبادل معلوماتي أكبر ونقل تقنيات وخبرات من المنظومة من روسيا لتركيا من أجل الحصول على دفعة جديدة من المنظومة الروسية، كما أنها بحاجة إلى تأمين آلية دفع عبر قروض من بنوك تركية أو روسية وذلك في ظل الأوضاع الاقتصادية التي تمر بها البلاد، ما يرجح أيضاً أن البلدين لم يتوصلا لبعض لتفاهمات حول هذه المسائل المعقدة ومن المبكر الحديث عن التوقيع على اتفاق نهائي على توريد الدفعة الثانية.
لكن العنصر الأبرز يبقى التعقيدات السياسية الدولية المتعلقة بإمكانية تفعيل المنظومة من عدمه في تركيا، وهو مثار جدل سياسي داخلي وخارجي يدفع للاعتقاد بأن تركيا لا يمكنها على الإطلاق اتخاذ قرار بشراء دفعة جديدة من المنظومة الروسية بقيمة تتجاوز مليار دولار دون أن يكون لديها قرار سياسي نهائي بتفعيل المنظومة وهو ما لم يحصل حتى الآن، حيث تمتنع تركيا حتى اليوم عن تفعيل الدفعة الأولى من المنظومة التي يؤكد الجانبان الروسي والتركي أنه تم تسليمها بشكل كامل.
وعقب شراء تركيا منظومة إس ـ 400 من روسيا، واجهت انتقادات واسعة من حلفائها في حلف الناتو، وتهديدات من الإدارة الأمريكية بفرض عقوبات واسعة عليها وبدأت ذلك من خلال تعليق مشاركة تركيا في برنامج صناعة وتطوير طائرات إف-35 والتلويح لحزمة عقوبات اقتصادية قاسية في حال جرى تفعيل المنظومة بالفعل، وهو السبب الذي يعتقد أنه يدفع أنقرة لتأجيل تفعيل المنظومة حتى اليوم.
واستغلت تركيا أزمة كورونا لعدم تفعيل المنظومة في الموعد الذي كان مقرراً نهاية آذار/مارس الماضي والقول إن ذلك جاء لأسباب تقنية بسبب انتشار الوباء عالمياً، لكن مصادر مختلفة رجحت التوصل إلى توافقات مع الإدارة مكنت من السماح للشركات التركية بالاستمرار في العمل في برنامج طائرات إف ـ 35 مقابل عدم تفعيل المنظومة.
كما أن تركيا التي تواجه صعوبات اقتصادية وتحاول الحفاظ على علاقة جيدة مع الرئيس الأمريكي دونالد ترمب يعتقد أنها ستسعى لعدم اغضاب الرئيس الأمريكي لحين موعد الانتخابات الأمريكية المقررة نهاية العام الجاري على أن يتم اتخاذ قرار أوضح مع بداية العام المقبل، بناء على نتائج الانتخابات الأمريكية.
كل ذلك لا ينفي حاجة تركيا الماسة لتفعيل المنظومة الروسية لا سيما مع التطورات الأخيرة التي شهدتها المنطقة مؤخراً وبشكل خاص في ليبيا وشرق المتوسط، ومع حاجة أنقرة لحماية مناطق نفوذها في ليبيا ومناطق التنقيب التي تعمل بها شرق المتوسط، لكن الأوضاع الاقتصادية والحاجة لعدم خسارة الحليف الأمريكي، تدفع أنقرة للتريث أكثر لحين موعد الانتخابات الأمريكية إلا إذا حصلت تطورات غير محسوبة شرق المتوسط قد تدفعها لتفعيل المنظومة الروسية بأي ثمن وهو ما يثار بقوة في الأوساط التركية مؤخراً مع تصاعد خطر المواجهة مع اليونان.