إسطنبول ـ «القدس العربي»: تعتبر الانتخابات البرلمانية والرئاسية التي ستجري بشكل مبكر ومتزامن لأول مرة في الرابع والعشرين من يونيو/حزيران المقبل، أول انتخابات تركية ستجري عقب الحرب التي شنها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان على تنظيم غولن وأتباعه ونسف وإنهاء تأثير ما عرف لسنوات باسم «الكيان الموازي».
«الكيان الموازي» والذي ظل لسنوات طويلة بمثابة دولة داخل الدولة التركية، وكان على هيئة عشرات الآلاف من موظفي ومسؤولي الدولة المتغلغلين في كافة دوائرها لا سيما الهامة والحساسة منها وكانوا جميعاً يعملون لصالح جماعة الداعية فتح الله غولن الذي عرفت لاحقاً باسم تنظيم غولن السري و«الدولة الموازية»، قبل أن تصبح «تنظيم غولن الإرهابي والمحظور» عقب محاولة الانقلاب الفاشلة التي شهدتها تركيا يوليو/تموز 2016 واتهمت الجماعة بتدبيرها.
وقبيل جميع هذه التطورات، كانت جماعة فتح الله غولن إحدى أبرز الجماعات الداعمة لحزب العدالة والتنمية في بدايات حكمه عام 2001، حيث حصل تقارب لافت بين غولن والرئيس أردوغان في تلك الفترة حيث أمرت الجماعة عناصرها المتنفذين بدعم العدالة والتنمية في عدد من الانتخابات.
وتدريجياً بدأ الخلاف يظهر بين غولن وأردوغان عندما بدأ الأخير يضع حداً لتوسع نفوذ الجامعة داخل أروقة الدولة، حيث عملت الجماعة المتنفذة في أكثر دوائر الدولة حساسية على استخدام نفوذها من أجل ابتزاز كبار السياسيين في البلاد واخضاعهم لنفوذها وتأثيرها المباشر، إلى أن بدأ أردوغان تدريجياً الحرب المكشوفة على الجماعة بإطلاق اسم «الكيان الموازي» عليها.
وفي تلك الفترة الممتدة ما بين بدأ الخلافات بين الجانبين إلى تاريخ محاولة الانقلاب تحولت الجماعة إلى كابوس لحزب العدالة والتنمية الحاكم مع اقتراب موعد أي انتخابات محلية أو برلمانية أو رئاسية، حيث استخدمت جماعة غولن أساليب الابتزاز والتسجيلات الصوتية الحساسة والتسريبات الخطيرة في محاولة للتأثير على نتيجة الانتخابات ولتحقيق الهدف الأسمى في تلك الفترة وهو إنهاء حكم أردوغان والعدالة والتنمية.
وعلى الرغم من أن الجماعة لم تكن يوماً قوة انتخابية فعلية بشكل مباشر أو غير مباشر على الأرض، كونها لا تمتلك حزب سياسي مباشر، أو كتلة انتخابية واسعة تؤثر على نتيجة الانتخابات بعدد الأصوات، لكن الجماعة امتلكت قوة خارقة للتأثير وقلب الرأي العام والتلاعب بالنتائج وغيرها من الأساليب الفتاكة.
وركزت الجماعة نفوذها في أكثر دوائر الدولة حساسية وأبرزها مثل أنظمة الاتصالات والقضاء والتعليم، وكان لها عناصر متنفذة داخل الدائرة الضيقة للرئاسة والحكومة التركية، إلى جانب أجهزة الاستخبارات والشرطة والجيش، بالإضافة إلى أذرعها الإعلامية القادرة على توجيه الرأي العام بقوة.
وفي أكثر من انتخابات جرت بين عامي 2010 و 2016 عملت الجماعة على التأثير فيها بشكل كبير، وتعمدت بالدرجة الأولى على نشر تسجيلات صوتية حساسة لأردوغان وعائلته وكبار المسؤولين، ووصل الأمر إلى نشر تسجيلات صوتية لاجتماع حساس لمجلس الأمن القومي التركي كان يناقش القيام بعملية عسكرية في سوريا، حيث اتهمت الجماعة بالتجسس على كافة أركان الدولة في تلك الحقبة.
ولكن عقب محاولة الانقلاب التي اتهمت الجماعة بتدبيرها، أعلن أردوغان حرباً مفتوحة على الجماعة شملت إقالة أكثر من 110 آلاف من عناصر من أجهزة الدولة العسكرية والأمنية والمدنية، وتطهير الجيش والقضاء وغيرها من الدوائر الحساسة من كل المشتبه بانتمائهم لها، إلى جانب اعتقال أكثر من 55 ألف من أنصارها، وأغلق وسائل الإعلام التابعة لها، والجمعيات التي كانت تعمل تحت ظل الجماعة، وجفف مصادر تمويلها داخل تركيا، في حملة تمكنت إلى حد بعيد من تدمير ونسف هيكلية الجماعة داخل الدولة وشل قدرتها على التأثير في مجريات الأحداث.
لكن دولت يهتشيلي زعيم حزب الحركة القومية وحليف أردوغان في الانتخابات المقبلة حذر قبل أيام من أن يكون تنظيم غولن لديهم ذراع سياسي في الانتخابات المقبلة، على حد تعبيره، مطالباً الدولة التركية بإجراء تحقيقات موسعة ومعرفة حقيقة هذا الأمر.
ويحاول بهتشيلي بالدرجة الأولى اتهام النائبة السابقة التي انشقت عن حزبه «ميرال أكشينار» وشكلت الحزب الجيد بأنها ربما تكون محط دعم أنصار غولن في الانتخابات المقبلة، وقال بهتشيلي: «يجب البحث عن الذراع السياسي لغولن في الانتخابات المقبلة، هناك قائد حزب (في إشارة إلى أكشينار) لديها كتلة برلمانية وغير مطالبة بجمع 100 ألف توقيع للترشح للرئاسة لكنها جمعت تواقيع بدون سبب، يجب أن نرى من الذي جمع التواقيع، ربما يكونون أنصار تنظيم غولن الإرهابي».
يغيت بولوت مستشار أردوغان أطلق في مقالة له دعوة لافتة لإمكانية إصدار عفو عام ربما يشمل أنصار الجماعة وعناصرها عقب الانتخابات المقبلة، وكتب في مقالته: «باستثناء بعض الجرائم ليكن هناك عفو عام عن المواطنين وإعادتهم كمواطنين ولدوا من جديد بدون سوابق وتهم»، وذلك في خطوة اعتبرها البعض محاولة تصالحية من أردوغان مع أنصار الجماعة وعائلاتهم ـ باستثناء الذين يحاكمون بتهم مباشرة أبرزها محاولة الانقلاب ـ الذين يصل عددهم الإجمالي لمئات الآلاف.