لندن ـ «القدس العربي»: بصم الهداف التاريخي لكرة القدم كريستيانو رونالدو، على بطولة أقل ما يُقال عنها للنسيان، بعد ظهوره الباهت مع منتخب بلاده البرتغالي في كأس الأمم الأوروبية 2024، وصلت لحد الإخفاق في تسجيل ولو هدف وحيد للمرة الأولى في بطولة مجمعة منذ صعوده على الساحة في يورو 2004، ما ساهم بشكل مباشر في زيادة جرعة الهجوم على الدون سواء في وسائل الإعلام العالمية أو عالم «السوشيال ميديا» أكثر من أي وقت مضى، مع ارتفاع الأصوات التي تطالب بتقاعده على المستوى القاري، أو على أقل تقدير، التوقف عن مشاركته بصفة أساسية، كما فعل المدرب الإسباني روبرتو مارتينيز، على أمل أن يحصل على عصارة خبرة صاروخ ماديرا في أيامه الأخيرة في عالم كرة القدم، لينقلب السحر على الساحر، ويكون رهانه على القائد التاريخي، سببا في خروج أحفاد فاسكو دا غاما من الدور ربع النهائي أمام المنتخب الفرنسي، والسؤال الذي سنحاول الإجابة عليه معا في هذا الموضوع، هو ما طرحناه في عنوان الفكرة.
ما قبل الانهيار
قال مارتينيز في تعليقه على دموع كريستيانو بعد إهدار ركلة الجزاء أمام سلوفينيا في الأشواط الإضافية: «هذه المشاعر لا تصدق لشخص فاز بكل شيء وجرب كل شيء، لا يحتاج إلى الاهتمام كثيرا ولهذا السبب أشكره على الطريقة التي هو عليها، على اهتمامه بالمجموعة»، في محاولة لإظهار دموع نجمه الكبير على أنها إيجابية ومظهر مؤثر لعشقه وارتباطه ببلاده وزملائه، على أرض الواقع، وصفها صحافي موقع «Goal» العالمي مارك دويل، بالهراء والخيال المطلق، معتقدا أنها لم تكن قصة مؤثرة للاعب في الفريق، بل جرس إنذار ورسالة تحذير من توابع تدليل اسم كريستيانو الكبير، على حساب المنظومة الجماعية ومصلحة المنتخب، وما جعل الميغا ستار، يبدو وكأنه يضع مصلحته الشخصية قبل مصلحة المنتخب، كما وضح في الدقائق الـ105 أمام سلوفينيا، والحديث ليس فقط عن ركلة الجزاء، التي أصر على تنفيذها، بل في التفاصيل البسيطة التي كشفت هوسه بالتسجيل بأي ثمن، مثل الاستحواذ على كل المخالفات الثابتة على حدود منطقة الجزاء، بما في ذلك الأخطاء التي تحتاج إلى جملة تكتيكية، بإرسال عرضية من على الأطراف لاستغلال ميزة بيبي وروبن دياز في التعامل مع الكرات الهوائية في هكذا مخالفات، وهذا الأمر إن دل على شيء، فحتما على أنانية رونالدو، وطمعه في الاستمرار في ممارسة هوايته المفضلة، بعدم التوقف عن تحطيم الأرقام القياسية، متناسيا أنه كان في الماضي ذاك الإنسان الآلي المصمم على الفتك بحراس المرمى بكل الطرق ومن أول محاولة، فكانت الضريبة انهياره المذهل في ثمن نهائي فرانكفورت، الذي جاء بعد 3 مباريات، اكتفى خلالها ملك كرة القدم بصناعة هدف وحيد في مباراة الجولة الثانية أمام تركيا، ليصبح الأكثر صناعة للأهداف في تاريخ اليورو، بجانب رقمه الاستثنائي، كأفضل هداف في تاريخ البطولة برصيد 14 هدفا منذ نسخة 2020.
فشل وإفلاس
كان واضحا وضوح الشمس في ظهيرة الصيف، أن صاحب الـ39 عاما على حافة الهاوية، بعدما تحولت مشاهد أهدافه في شباك الخصوم إلى شكاوى وتوسلات للسماء من أجل مساعدته وتقديم يد العون كلما أضاع ركلة جزاء أو فرصة سهلة أمام مرمى الخصوم، والجديد دخوله في نوبات بكاء، على عكس الانطباع المعروف عنه، كلاعب فضائي نادرا ما ينهار بهذه الطريقة في مباريات إقصائية وليست نهائية أو حاسمة على اللقب، وهذا يعكس فشل مارتينيز في التعامل مع أسطورة البرتغال، الذي فَضل الخيار الأسهل لأي مدرب في مكانه، بالاستمرار في الاستفادة والرهان على كريستيانو، بدلا من وضع حجر أساس لمشروع طويل الأجل بعد خيبة أمل مونديال قطر 2022، بإعطاء ثقته للشباب العشريني المتوهج أمثال رافائيل لياو وديوغو جوتا وغونسالو راموس، متسببا في الفوضى التي عصفت بغرفة خلع الملابس، باعتراض وغضب برونو فرنانديز والعديد من اللاعبين من ردود المدرب على أسئلة الصحافيين والإعلاميين، بسلسلة من التبريرات المحدثة في كل مؤتمر صحافي أو مقابلة لأسباب تعثر القائد، هذا في الوقت الذي كان يستطيع فيه مارتينيز مسك العصا من المنتصف، بالإبقاء على هدافه غير الموفق على مقاعد البدلاء، مع بدء معارك خروج المغلوب، منها سيمتص غضب المعترضين على مجاملة صاحب القميص رقم 7، ومنها أيضا سيعيد تصحيح أخطاء وهفوات الدور الأول، كما فعل مدرب المنتخب الإنكليزي غاريث ساوثغيت، لكن بدلا من ذلك، ساعد رونالدو على إغراق نفسه، بالاعتماد عليه في التشكيل الأساسي في 5 مباريات على التوالي، رغم أنه كان يستطيع على الأقل إراحته في مباراة جورجيا الروتينية في ختام الدور الأول، لكي يدفع تلك الفاتورة الباهظة، التي فتحت الباب على مصراعيه أمام النقاد والمتابعين للتشكيك في أحقيته في تدريب أبطال أوروبا 2016، بعد ظهور هداف ريال مدريد التاريخي، بأسوأ نسخة ومستوى طوال مشواره الدولي في قمة ربع النهائي أمام فرنسا، التي أثبتت بشكل عملي، أن أفضل لاعب في العالم 5 مرات من قبل، قد وصل بالفعل إلى قاع الحضيض الكروي، ولم يعد قادرا على مجاراة الدفاعات الأوروبية المنظمة.
نهاية مؤسفة
بلغة الأرقام، كان صاروخ ماديرا، اللاعب الأكثر تسديداً على المرمى في اليورو حتى إطلاق صافرة نهاية مواجهة سلوفينيا، لكن في الوقت ذاته، لم يتمكن من تسجيل ولو هدف يتيم، ما يدعم فكرة تركيزه على مصلحته الشخصية أكثر من مصلحة المنتخب العليا، ومع ذلك، قرر المدرب مارتينيز البدء به أمام أقوى دفاع في البطولة من حيث جودة وكفاءة الأفراد، فكانت النتيجة ما شاهدناه على مدار 120 دقيقة، بما يمكن وصفه شبح رونالدو، ربما تأثرا بالمجهود البدني الذي بذله على مدار 120 دقيقة أخرى أمام سلوفينيا، وربما لأنه فقد بالفعل أسلحته البارزة التي كانت تميزه في سنوات الذروة والمجد، ما بين تآكل سرعته في الانطلاق وفقدان الدقة في تنفيذ الركلات الثابتة، وتجلى ذلك في لقطة تأخره في الوصول للكرة في سباق السرعة بينه وبين ويليام ساليبا في أول نصف ساعة من الشوط الأول، وكرة أخرى تمكن خلالها هيرنانديز من اللحاق بالدون قبل أن ينفرد بالحارس مانيان في الدقيقة 110، ناهيك عن تسديداته الطائشة في المدرجات كلما احتسبت ركلة حرة مباشرة لمنتخب بلاده، وسط إجماع على أن المدرب مارتينيز، هو المسؤول الأول عن انهيار المخزون البدني للنجم الكبير، بسبب الأدوار الدفاعية التي يقوم بها، بالعودة إلى وسط ملعبه ليكون حائط الصد الأول أمام الغارات الفرنسية. ومع الوقت، تحول إلى مقاتل في الثلث الأول، لدرجة التواجد بجانب بيبي في منطقة الجزاء في الدقيقة 118، للتصدي لغارة فرنسية مركبة في وقت يصعب فيه التعويض، كواحد من الأسباب التي جعلت ساليبا يقوم بدوره في مراقبة هداف المنافس على أكمل وجه، مستفيدا من نفاد المخزون البدني لرونالدو ونجاح المدافعين في عزله عن برونو ولياو وباقي القادمين من الخلف إلى الأمام، باستثناء اللقطة المضيئة التي حولها بكعب القدم في المرمى في الدقيقة 63، وفي الأخير أنقذها الحارس الفرنسي برد فعل يُحسد عليها.
أما غير ذلك، فيمكن القول، إن النجم الكبير، اكتفى بالتواجد بجسده مع منتخب بلاده في اليورو، دليلا على استسلامه أمام الشيخوخة الكروية، وفي رواية أخرى، وصوله إلى المحطة الأخيرة أو خريف عمره الكروي، تارة بانتظار هدية من أحد الزملاء، وتارة أخرى بهفوة من المنافس أو الطمع في ركلة الجزاء أو ركلة ثابتة، وفي المقابل، يقوم بتحركات ولا أسوأ داخل مربع العمليات، آخرها أرقامه الكارثية أمام الديوك، بتسديدة كرة واحدة بين القائمين والعارضة، وأخرى خارج الإطار، غير أنه خسر الكرة أمام المنافسين 9 مرات، وارتكب 3 أخطاء، فيما لمس الكرة 40 مرة طوال المباراة، وقدم 21 تمريرة ناجحة، بنسبة 81%، وهي أرقام لا تعكس سوى تذبذب مستواه وابتعاده عن الحدة التي كانت تميزه قبل أن يتخذ قراره المثير للجدل، بالتوقف عن اللعب في أعلى مستوى تنافسي في القارة العجوز، لإنهاء رحلته الاحترافية في دوري أقل تنافسية من الدوريات الأوروبية الكبرى مثل دوري روشن السعودي. والآن جاء دورك عزيزي القارئ لتشاركنا الرأي، في إذا كان كريستيانو أصبح عبئاً على منتخب البرتغال وكان واحدا من أسباب خروجه من الدور ربع النهائي أمام فرنسا؟ وبالتالي من الأفضل أن يقرر الاعتزال الدولي لإفساح المجال أمام الأجيال الجديدة، أم أنه سيعود على طريقة فؤاد المهندس في سلسلة «مستر إكس» ويبقى صامدا في الملاعب حتى نهائيات كأس العالم 2026؟