هل يتخذ بن سلمان من حقوق الإنسان وتحرير المرأة السعودية.. رافعة سياسية؟

حجم الخط
2

البشرى الكبيرة التي تقول إنه يمكن للنساء في السعودية الخروج من المملكة بدون الحاجة إلى مصادقة ولي الأمر الذكر، تعدّ صعود درجة حقيقية في الدولة التي لا تعتبر فيها حقوق الإنسان جزءاً من الاتفاق بين الدولة ومواطنيها. ولكن الشبكات الاجتماعية التي امتلأت في نهاية الأسبوع بالثناء والتمجيد لولي العهد محمد بن سلمان على تنوره وسعة قلبه، “نسوا” أن يشكروا الصحافي السعودي، جمال الخاشقجي، الذي قتله – كما يبدو بتوجيه من ولي العهد – ساهم بشكل كبير في هذا العرض الليبرالي السعودي.

النساء لم يعدن مضطرات، على الأقل حسب القانون الجديد، إلى التملص والاختباء من دولتهن والبحث عن اللجوء في دول أخرى. ويمكنهن الطلب والحصول على جواز السفر، إن لم يكن ضدهن ذريعة أمنية أو غيرها تمنعهن. هذه الخطوة تضاف إلى عدة قرارات اتخذها محمد بن سلمان: السماح للنساء بالحصول على رخصة سياقة، والعمل في عدة مهن منعن عنها حتى هذه السنة، ثم السماح لهن بمشاهدة مباريات كرة القدم. ولكن التشريع الجديد سيواجه محظورات هي على الأغلب مشددة وذات صلاحية أكثر من القانون، وتنبع من الأخلاق والعادات والطبيعة الأبوية المتشددة في المملكة.

هل تمتثل لزوجها المرأة التي تريد السفر إلى الخارج حتى لو كان القانون إلى جانبها؟ هل تطالب بحقوقها في المحكمة إذا أمرها أبوها أو أخوها بعدم استخراج جواز سفر بدون موافقتهم؟ وماذا عن النساء اللواتي حصلن على جواز سفر لكنهن بحاجة إلى المال من أجل تحقيق حلمهن؟ ماذا يجب عليهن أن يطلبن من هؤلاء الأولياء الذكور؟

لا يوجد للتشريع الجديد حل مرضي لكل هذه الأمور، لكنه يمكن أن يخلق حواراً جديداً سيحدث تغييرات مستقبلية. ليس من نافل القول أن نذكر بأن النساء في معظم الدول العربية لا يحتجن إلى مصادقة الرجال من أجل السفر إلى الخارج، وفي معظمها حقوقهن الجندرية والسياسية أوسع بكثير مما هو في السعودية. الشريعة الإسلامية هي الدستور في السعودية. وحكم المملكة لا يستند إلى برلمان أو انتخابات، وهو بعيد حتى عن واقع إيران التي يسمح فيها للنساء بالسياقة والانتخاب والترشيح وتعمل في كل المهن وتدرس في الجامعات. في تونس، الدولة الأكثر ليبرالية في كل ما يتعلق بمكانة النساء، لا يوجد على الإطلاق سؤال عما إذا كان يمكنهن المشاركة في الفضاء السياسي ويتطلقن كما يردن أو يعملن في كل مهنة يردنها.

اعتبر محمد بن سلمان، في رؤيا 2030، التي عرضها قبل سنتين، زيادة نسبة تشغيل النساء من 22 في المئة إلى 30 في المئة كأحد أهدافه الرئيسية، مثلما يرى في أحياء صناعة السينما أداة لتنويع مصادر الدخل في السعودية. لقد تصادم مباشرة مع رؤساء شرطة الآداب، وأوضح لهم بأنه ضد “المبالغة الدينية” – سواء التي تتعلق بتفسير الشريعة أو التطبيقات التي جاءت عبر ممارسة عنيفة لها.

لكن لا يمكن غض النظر عن أن معظم الخطوات التي اتخذها بن سلمان لإظهار اهتمامه بحقوق الإنسان، جاءت بعد قضية قتل الخاشقجي وعلى خلفية التوتر الشديد الذي حدث بينه وبين الكونغرس الأمريكي وحكومات أوروبا وجمهور واسع في الغرب. السعودية تحظى بدعم غير محدود تقريباً من الرئيس ترامب، الذي التف حتى على قرار الكونغرس بعدم بيعها السلاح. ولكن ولي العهد نفسه هو شخصية غير مرغوب فيها في أمريكا، ليس من ناحية رسمية، لكن منذ فترة تم التوضيح له بأنه من الأفضل ألا يأتي للزيارة ما دامت قضية الخاشقجي حية.

بن سلمان، الذي تصغي أذناه لنصائح ترامب، يحاول تحسين صورته وصورة المملكة في عمله لصالح حقوق الإنسان، وبالأساس حقوق النساء. بهذا، هو يطمح إلى الموازنة بين لائحة الاتهام العامة التي ترفرف ضده وبين الحاجة إلى الحفاظ على سلامة العلاقات الاستراتيجية بين السعودية والولايات المتحدة. وليست أهميتها أحادية الاتجاه، فواشنطن تحتاجها أكثر من الرياض، خاصة عندما تقف السعودية على رأس التحالف العربي للنضال ضد إيران. ولي العهد يعرف أن هذه العلاقات يمكن أن تشوش إذا لم يسلح ترامب بذخيرة تساعده في الحوار مع الكونغرس، ويستخدم سياسته الداخلية في مجال حقوق الإنسان من أجل تعزيز شبكة علاقاته الخارجية.

هذا ثمن رخيص نسبياً، لأن خطواته لا تقتضي تغييراً في نظام الحكم أو القيام بإصلاحات دستورية تحول المملكة إلى دولة ديمقراطية أو على الأقل إلى مملكة برلمانية. هو نفسه عليه ألا يخاف من معارضة حزبية، وفي هذه الأثناء لا ينوي حتى إلغاء عقوبة الإعدام، ذلك المجال الذي يتنافس فيه مع إيران والصين.

محمد بن سلمان يخلق سابقة بأنه يحول السياسة الداخلية، خاصة التعامل مع حقوق الإنسان التي لم تقلق في أي يوم دول الغرب في تعاملها مع الدول العربية أو دول العالم الثالث بصورة كاسحة، إلى أداة سياسية. وفجأة يتبين لحكومات الغرب أنه باسم حقوق الإنسان ومكانة المرأة والأقليات عليهم أن يفحصوا علاقاتهم المصلحية مع دول تخرق هذه الحقوق، وفي حالات معينة أن تفرض عليها عقوبات، وإن كانت هذه العقوبات ستضر العلاقات بينهم.

بقلم: تسفي برئيل

 هآرتس 4/8/2019

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية