الخرطوم-“القدس العربي”: إرباك المشهد السياسي في السودان وإضفاء المزيد من التعقيد على أزماته الراهنة هو بالضبط ما حدث عقب اللقاء الأخير الذي جمع بين رئيس مجلس السيادة السوداني الفريق أول عبد الفتاح البرهان، ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في مدينة عنتيبي عاصمة أوغندا.
ولعل ردود الأفعال الكبيرة التي خلفها اللقاء كشفت مدى تباين المواقف بين الأحزاب والقوى السياسية الأخرى، وأوضح هشاشة العلاقة بين المكونين المدني والعسكري اللذين يشكلان الحكومة الانتقالية بعد أن تبادلا التراشق بالبيانات التي تفسر الرؤى حول التطبيع مع إسرائيل والآثار أو الفوائد المرجوة منه. وقبل ذلك تبين تلك الردود على من تقع مسؤولية توجيه العلاقات الخارجية في البلاد. عموماً واستنادا إلى كل ما يثار يطل السؤال الأكثر إلحاحاً حول احتمالية تنفيذ مخرجات اللقاء بالإضافة إلى مستقبل العلاقة بين السودان وإسرائيل فهل تتخطى الخرطوم محطة عنتيبي إلى التطبيع الكامل أم تعود إلى “اللاءات الثلاثة” القديمة “لا سلام، لا اعتراف، لا تفاوض”.
يوم الاثنين الثالث من فبراير/شباط الجاري اجتمع البرهان بنتنياهو في لقاء تم الترتيب له في مدينة عنتيبي ودارت أجندته، حسب ما قال الطرفان، حول التطبيع وفتح المجال الجوي للطيران الإسرائيلي، على أن يقوم الأخير بدعم السودان والتوسط في رفع اسمه من القائمة الأمريكية للدول الراعية للإرهاب.
ووجدت القوى السياسية السودانية نفسها في اصطفاف جديد يتكئ على الأيديولوجيا التي تتبناها الأحزاب بالإضافة إلى النظر للظرفية السياسية التي تم فيها اللقاء وأبعاده. وعلى ضوء ذلك رفض البعض الخطوة من حيث المبدأ والبعض الآخر انتقدها باعتبار أن البرهان قام بخرق الوثيقة الدستورية وأن صلاحيات توجيه السياسة الخارجية ليست من اختصاصه. آخرون تماهوا بالطبع مع الخطوة ورحبوا بها وقالوا إن الخطاب السياسي الإعلامي العربي حول القضية الفلسطينية تجاوزه الزمن فالعالم الآن في مرحلة برزخ فيما يتصل بالمشهد الكلي والسودان ليس جزيرة معزولة.
قوى الحرية والتغيير، التي قادت الثورة في السودان مباشرة، انتقدت اللقاء واعتبرته خرقا للوثيقة الدستورية وقالت، في بيان أصدرته، إن أي تغييرات جذرية في قضية سياسية بحجم قضية العلاقة مع إسرائيل يقررها الشعب السوداني عبر مؤسساته التي تعبر عن إرادته. وأكدت أنها مع حق الشعب الفلسطيني في العودة وإقامة دولته المستقلة وأنها ضد أي انتقاص لحقوقه العادلة.
ويبدو أن حساسية القضية أجبرت الأحزاب السياسية على أن تغرد منفردة خارج الكتل التي تشكلت في أوقات سابقة لإسقاط النظام البائد: الحزب الشيوعي كان من المبادرين الأوائل في التعليق على “صفقة القرن” التي اعتبرها محاولات لاحتواء حركة الشعوب وتصفية القضية الفلسطينية. وحين التقى البرهان بنتنياهو أصدر الحزب بيانا شديد اللهجة قال فيه: “اللقاء لم يكن حدثًا معزولاً بل بداية لعملية التطبيع أو مبادرة مشتركة، فالخطوة مدروسة تم التحضير لها من قبل الإدارة الأمريكية وحكومة الإمارات العربية، ولذلك جاء اللقاء ضمن هجمة متتابعة الحلقات غايتها ضرب ثورة ديسمبر/كانون الأول العظيمة، والاستمرار في حرف مسارها والتنفيذ الكامل لمشروع الهبوط الناعم” مشيرا إلى أنه خرق الوثيقة الدستورية ودعا إلى تنظيم أوسع مقاومة جماهيرية لرفض الخطوة.
أما حزب الأمة، هو من الأحزاب ذات الثقل الجماهيري الكبير، فقد أكد رفضه القاطع للتطبيع مع إسرائيل، وقال الصادق المهدي، رئيس الحزب إن التطبيع ضار بالمصلحة الوطنية والعربية والإسلامية وإن الوضع الدستوري الانتقالي الحالي لا يسمح بالمبادرات الانفرادية، وإن لقاء أوغندا غير صحيح إجرائيا، وسياسيا ضار ومن نتائجه إشعال الفتنة.
الأحزاب ذات التوجه العروبي في السودان مثل الحزب الناصري وحزب البعث الأصل والبعث الاشتراكي فقد نظمت ندوة الأسبوع الماضي أكدت من خلالها أن التطبيع مع إسرائيل خط أحمر ومرفوض تماماً. وقال ساطع الحاج، الأمين السياسي للحزب الناصري إن رفضهم التطبيع يعود لمواقف مبدئية موضحا أن التطبيع مع إسرائيل يعني نهب ثروة البلاد، واتهم مخابرات أجنبية بالترتيب للقاء الذي جمع البرهان مع نتنياهو.
في المقابل نشطت قوى سياسية أخرى وأعلنت انحيازها لخيار التطبيع مع إسرائيل ومن أبرزها الحزب الجمهوري السوداني الذي أشار إلى أن ذلك من باب المؤسسة وليس الفرد. وأضاف: “نعم للسلام والتطبيع مع إسرائيل” موضحاً أن لقاء رئيس مجلس السيادة برئيس الوزراء الإسرائيلي مؤخرا لا يهول ولا يدهش الحزب الجمهوري الذي نادى زعيمه الراحل محمود محمد طه بالصلح مع إسرائيل قبل أكثر من نصف قرن. وأكد الحزب في بيان أصدره بعد ردود الأفعال التي أحدثها اللقاء أنه ليس مع الانسياق والهرولة تجاه إسرائيل بدون بصيرة وبدوافع الخوف من أمريكا أو الطمع في رضائها من أجل رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب، ولكنه بالقدر نفسه يظل داعياً لتصحيح مسار علاقات الدول العربية مع إسرائيل.
وقال الحزب إن بعض الدول العربية ظل في الخفاء في توادد وتوافق مع إسرائيل، ويعمل في العلن على دغدغة عواطف الشعوب العربية وحفظها في كبسولة العداء التاريخي التهريجي لإسرائيل انطلاقا من دعاوى القومية العربية العنصرية أو العقيدة الإسلامية المنطلقة من الفهم السلفي الذي وصفه بـ “المتخلف عن العصر”.
واعتبر الحزب الجمهوري أن التباين الملحوظ في الرؤى والمواقف لمكونات الثورة المدنية أو شريكها العسكري أمر عادي، ومن الطبيعي أن تنتج عنه مثل هذه المواقف المربكة، والتي قال إنها تعكس صورة غير مشرفة لحكومة تمثل ثورة عظيمة ما زال العالم يتغزل في تفردها.
يشار إلى أن إعلان قيادة الجيش السوداني ترحيبها بلقاء قائدها البرهان أضفى على المشهد المزيد من التعقيد إذ قوبل ذلك الترحيب بانتقادات واسعة من القوى السياسية والمدنية التي اعتبرت ترحيب الجيش تدخلا في الشؤون السياسية لأن مهمته حفظ الأمن فقط، مشيرة إلى أن تأييد الجيش لا يخلو من روح انقلابية.
وفي آخر البيانات الصادرة حول هذا الموضوع، أكدت الحكومة الانتقالية تمسكها بمقررات جامعة الدول العربية تجاه القضية الفلسطينية. وأوضح وزير الإعلام فيصل محمد صالح أن الحكومة الانتقالية تمثل حكومة ثورة حملت شعارات الحرية والسلام والعدالة، وألهمت المناضلين والتواقين للحرية والعدالة في كل أنحاء العالم، ولا يمكن أن يكون من أولوياتها في هذا الوقت الانقلاب على شعارات الثورة والتنكر للشعوب المضطهدة والمناضلة. وأشار إلى أن أمر العلاقات مع إسرائيل هو شأن يتعدى اختصاصات الحكومة الانتقالية ذات التفويض المحدود، ويجب أن ينظر فيها الجهاز التشريعي والمؤتمر الدستوري.
بعض المصادر تقول إن ملف التطبيع مع إسرائيل لدى الحكومة السودانية لم يقفل تماماً رغم الزوابع التي أحدثها اللقاء ولكن تم تحويله من جهة إلى أخرى للدراسة وتقديم تصور عن السير نحو التطبيع من عدمه، علماً بأن ذلك يأتي في وقت قال فيه البرهان إنه أمر بالسماح للطيران الإسرائيلي بعبور الأجواء السودانية إلا أن متحدثا باسم سلطة الطيران المدني قال لوسائل إعلام إنه لم يتلق حتى الآن ما يفيد بالسماح للطيران الإسرائيلي بالتحليق فوق البلاد.
ويقول مراقبون إن رغبة إسرائيل في التطبيع مع السودان قديمة وليست مستحدثة ولكن الجديد هو أن إسرائيل تحاول هذه المرة وهي محتشدة في ظرف سياسي استثنائي عنوانه “صفقة القرن” التي دشنتها أمريكا وباركتها دول عربية بالإضافة إلى استثمار أمريكي إسرائيلي حالة الاضطراب التي تعرضت لها الحكومة الانتقالية وهي تبحث عن مخرج من عمق أزماتها السياسية والاقتصادية الراهنة والمعقدة.
ويرون أنه في حالة التأزم المستمر للأوضاع الاقتصادية وتراجع الدول الإقليمية عن تقديم الدعم قد تضطر الحكومة وبعض القوى السياسية الممانعة إلى التراجع والقيام بخطوات إضافية في طريق التطبيع مع إسرائيل. ويلمح هؤلاء إلى أن الحكومة في الغالب ستنتظر ما سيسفر عنه لقاء البرهان الأخير بنتنياهو على الصعيد العملي فيما يتعلق برفع العقوبات وشطب اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب قبل أن تقدم على أي خطوة أخرى.