هل يتمكن الكاظمي من عبور حقل الألغام لتنفيذ تعهداته للعراقيين؟

مصطفى العبيدي
حجم الخط
0

في الوقت الذي تتسارع فيه خطوات الكاظمي لتنفيذ تعهداته، تلوح مؤشرات عن قيام جهات سياسية متنفذة، بممارسة ضغوط عليه، وخاصة تجاه قرارات تتعارض مع مصالحها.

 

بغداد-“القدس العربي”: فيما تخوض حكومة مصطفى الكاظمي، سباقا محموما عبر اصدار سلسلة قرارات سريعة ضمن مساعيها الحثيثة لمواجهة أزمات البلد وامتصاص نقمة الشعب العراقي على العملية السياسية الفاشلة، فإن ثمة مساعي في المقابل من قوى سياسية فاسدة وميليشيات وأذرع “الدولة العميقة” لعرقلة تحركاتها.

 ويسعى الكاظمي ووزراء حكومته الجديدة، لإعادة ترتيب أوضاع الدولة المنهكة من خلال برنامجه الحكومي لحل الأزمات المعقدة وإرضاء الشعب الغاضب، لذا جاءت أول قرارات الحكومة في إطلاق رواتب ملايين المتقاعدين التي أوقفها سلفه عادل عبد المهدي في آخر أيام حكومته، وتشكيل لجان لتقصي أحداث العنف في التظاهرات المطالبة بالإصلاحات وإطلاق سراح المعتقلين فيها، والتوجه نحو إعادة النظر بالتشكيلات الإدارية والمالية للحكومة، بهدف ترشيد النفقات وزيادة الواردات غير النفطية ومكافحة الفساد. كما قررت الحكومة تشكيل خلية أزمة لإجراء المباحثات مع الجانب الأمريكي حول مراجعة الاتفاق الاستراتيجي بين البلدين، إضافة إلى قرار بتشكيل لجنة لمتابعة إجراء انتخابات مبكرة.

وفي خطوة تلامس بعض مطالب المتظاهرين، قرر الكاظمي إعادة الفريق أول الركن عبد الوهاب الساعدي وترقيته رئيسا لجهاز مكافحة الإرهاب، لمواجهة النشاط المتصاعد لتنظيم “داعش” الذي ساهم الساعدي في إنهاء دولته عام 2017.

أما القرار الاجرأ والأخطر للكاظمي، الذي سيحدد حقيقة مصداقيته وقدرته على ضبط الفصائل المسلحة المنفلتة، فهو إصداره الأوامر باعتقال عناصر من ميليشيا “ثار الله” الشيعية في البصرة على خلفية إطلاقهم النار على المتظاهرين. حيث أكدت مصادر أن الكاظمي تعرض لضغوط شيعية للإفراج عنهم إلا أنه أصر على إحالتهم إلى القضاء، تنفيذا لوعده بمنع نشاط التنظيمات المسلحة خارج الدولة ومنع استهداف التظاهرات. كما تابع المراقبون اجتماع الكاظمي مع قادة الجيش وتوجيهه لهم بالسيطرة على السلاح السائب ومكافحة الإرهاب وفرض هيبة المؤسسة العسكرية.

وقد تلقى الكاظمي اتصالات دعم من زعماء دول العالم أبرزهم الرئيسين الأمريكي والإيراني، كما التقى بسفيريهما، مبديا رغبة بلده في التهدئة وإبعاده عن التورط في الصراع بينهما، إلا أن تصعيد الولايات المتحدة التهديد بفرض عقوبات جديدة على إيران، سيلقي حتما بظلاله على الساحة العراقية ويزيد التوترات وانعدام الاستقرار فيه.

وفي الوقت الذي تتسارع فيه خطوات الكاظمي لتنفيذ تعهداته، تلوح مؤشرات

عن قيام جهات سياسية متنفذة، بممارسة ضغوط عليه، وخاصة تجاه قرارات تتعارض مع مصالحها. ويدور حديث عن حراك قوى سياسية، أبرزها ائتلاف الوطنية بزعامة أياد علاوي وكتلة القانون بزعامة نوري المالكي وقوى أخرى، لتشكيل كتلة معارضة للحكومة في البرلمان، حيث قاطعت هذه الجهات جلسة البرلمان لتمرير الحكومة، وذلك لاعتراضها على برنامجها وتشكيلتها، أو لعدم حصولها على وزارات فيها.

وقد غرد المقرب من مقتدى الصدر “صالح العراقي” بأن تياره يمهل الكاظمي 100 يوم لتقييم أداء حكومته، فيما هددت ميليشيا العصائب بمواصلة نهجها “المقاوم” وعدم التنازل عن سلاحها، كما هددت بالرد “بشكل صاعق” على إحراق مقرات ميليشيا في البصرة من قبل متظاهرين، مؤكدة أن الحركة المسلحة اضطرت للقبول بخيارات “مريرة” تشبه “أكل الميتة” في إشارة إلى تمرير حكومة الكاظمي في البرلمان.

وكررت كتائب “حزب الله” العراقي، شن هجوم على رئيس الوزراء الجديد، مؤكدة أن الضغط الكبير الذي تعرضت له للتصويت على تمرير حكومة الكاظمي، لا يعفي من الاستمرار بملاحقة من تورط في جريمة اغتيال القادة “قاسم سليماني وابو مهدي المهندس” للوقوف على الحقيقة، حيث سبق للكتائب اتهام الكاظمي بالتواطؤ مع الأمريكان في تلك العملية.

وفي السياق ذاته، تمارس قوى شيعية متنفذة، ضغوطا قوية لمنع التحقيق مع مسؤولي الحكومة السابقة بشأن أحداث العنف وسقوط ضحايا خلال التظاهرات التي تورط فيها عادل عبد المهدي ومسؤولين في حكومته إضافة إلى ميليشيات متنفذة، وسط دعوات شعبية وبرلمانية لمنع سفر عبد المهدي وبعض وزرائه، للتحقيق معهم حول جرائم قتل المتظاهرين وقضايا فساد.

وقد أقر عضو مجلس النواب العراقي والمرشح المعتذر عن تشكيل الحكومة عدنان الزرفي أن “الأحزاب في العراق تقوم بدس عناصر تابعة لها لإحراق مؤسسات الدولة واتهام المتظاهرين بتلك الأفعال بهدف تشويه التظاهرات”. وأكد “أن قوى وأحزابا مرتبطة بالدولة العميقة هي من تقوم بحرق مؤسسات الدولة”.

وكان توقيت عودة التظاهرات بالتزامن مع بدء الحكومة الجديدة، مثار استغراب الكثير من العراقيين والمراقبين، وحتى ناشطي تنسيقيات التظاهرات، الذين دعوا لمنح الكاظمي فرصة لاتخاذ قرارات وإجراءات تخفف من تداعيات أزمات البلد، وتقييمه بعدها، واعتبروا تجدد التظاهرات مقصود، ويحمل رسائل عدة منها محاولات بعض أحزاب السلطة و”الدولة العميقة” الضغط على الكاظمي لفرض مرشحيهم للوزارات السبع الشاغرة، ولجم توجه الكاظمي للسيطرة على الميليشيات وحصر السلاح بيد الدولة، أو محاربة الفساد.

وقد شهدت ساحات التظاهر في بغداد والبصرة والناصرية وبابل وكربلاء، تصعيدا مفاجئا، بعودة المتظاهرين إليها، بعد أسابيع من الهدوء النسبي، فرضته المخاوف من انتشار فيروس كورونا. ووقعت في التظاهرات اشتباكات بين المتظاهرين والقوات الأمنية، تخللتها مهاجمة وحرق بعض مقرات الأحزاب والميليشيات، وأسفرت عن سقوط قتلى وجرحى. في وقت تجددت فيه دعوات من قوى سياسية وشعبية إلى تنسيقيات التظاهرات، لتشكيل كيان سياسي وخوض الانتخابات المقبلة لضمان وصول ممثلي التظاهرات إلى الحكم وتنفيذ الإصلاحات المطلوبة.

وتبدو عملية الشد والجذب بين حكومة مصطفى الكاظمي وقوى سياسية معارضة لبرنامجه متواصلة، وسوف تقرر نتائجها، مدى قدرة الحكومة الجديدة على التحرك وسط حقول الألغام، والتعامل مع التركة الثقيلة من الأزمات، والتي يتوجب عليها الانحياز لمطالب الشعب قبل مصالح الأحزاب الفاسدة، وإلا أصبح مصيرها كمصير حكومة عادل عبد المهدي الفاشلة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية